التخطي إلى المحتوى الرئيسي

المشاركات

الجزائر لا تتراجع: فهي تحدد خطوطها الحمراء وتمضي قدماً

في مطالعة بعض التعليقات المتداولة، ولا سيما تلك الصادرة عن Le360 ، قد يخال للقارئ أنه أمام دبلوماسية جزائرية على وشك الانهيار: «إهانات»، «تراجعات»، «نِيف مكسور»… قاموس درامي، وانفعالات متسرّعة، ونبرة شماتة. غير أنّ الدبلوماسية ليست عرضًا مسرحيًا ولا منافسة في البلاغة الاستعراضية. والجزائر، بتاريخها ووزنها ورصيدها الاستراتيجي، ليست لاعبًا ثانويًا في الجغرافيا السياسية للمنطقة. ما يصفه البعض — بخفّة أو بدافع الدعاية — بوصفه سلسلة هزائم، ليس سوى تنفيذ هادئ لاستراتيجية واضحة المعالم: رسم خطوط حمراء، إعادة ضبط العلاقات، وصون المصالح الوطنية بما ينسجم مع منطق الدولة ومسارها السيادي. السيادة أولًا: تسجيل الموقف ليس قطيعة عندما يتّخذ شريكٌ ما موقفًا يُنظر إليه على أنّه مناوئ للمصالح الجزائرية — ولا سيّما في قضية الصحراء الغربية — تتحرّك الجزائر. تستدعي سفيرها، تُعلّق اتفاقيات، وتُجمّد آليات تعاون معيّنة. لماذا؟ لأن الصمت في لغة الدبلوماسية يُقرأ باعتباره قبولًا ضمنيًا. وتسجيل الموقف هو رفض واضح لأي محاولة لفرض أمر واقع يمسّ الثوابت الوطنية. أمّا رسم الخطوط الحمراء فهو تذكير بأنّ الخيارات السيا...

من عصر طائرات ميغ-25 إلى ترسيخ مكانة الجزائر كقوة إقليمية: المسار الاستراتيجي للجزائر

  منذ أواخر سبعينيات القرن الماضي، شرعت الجزائر في عملية تحول منهجية لأداتها العسكرية، وهو تحول ساهم بعمق في إعادة تشكيل توازن القوى الإستراتيجي في منطقة المغرب العربي. وقد مثّل دخول مقاتلات “ميغ‑25” التابعة لمكتب ميكويان‑غوريفيتش إلى الخدمة ضمن صفوف الجيش الوطني الشعبي نقطة انعطاف حاسمة. ففي ذلك الوقت، كان هذا المعترض الأسرع من الصوت — القادر على التحليق على ارتفاعات شاهقة وبسرعات تقارب ماخ 3 — يشكّل قفزة تكنولوجية غير مسبوقة في المنطقة. لم يكن هذا الخيار رمزياً ولا ظرفياً، بل كان تجسيداً لرؤية إستراتيجية واضحة: ضمان تفوق نوعي دائم قائم على الردع والاكتفاء الذاتي. تحديث متواصل: من الردع التقليدي إلى الجيل المتقدّم لم تكن صفقة “ميغ‑25” سوى نقطة البداية لمسار تراكمي. فقد عملت الجزائر على تعزيز مختلف أبعاد قوتها العسكرية بشكل متواصل. دخول مقاتلات سوخوي Su‑30MKA الخدمة مثّل خطوة كبيرة نحو تعزيز المرونة العملياتية: التفوق الجوي، الضربات الأرضية، والقدرة على الإسقاط الإستراتيجي. دمج مقاتلات سوخوي Su‑34 دعم القدرة على توجيه ضربات بعيدة المدى وتعطيل أنظمة العدو. أما وصول سوخوي Su‑35 ول...

الصحراء الغربية: بين وهم الحسم وحقائق التوازنات الدولية

في الأسابيع الأخيرة، تتكثّف حملة إعلامية منظمة تسعى إلى ترسيخ فكرة مفادها أن قضية الصحراء الغربية قد طُويت نهائياً، وأن ما تبقّى ليس سوى ترتيبات شكلية لتكريس أمرٍ واقعٍ مفروض. وتذهب بعض المنصات إلى أبعد من ذلك، حين تُسوّق لدور أمريكي “حاسم” يُفترض أنه سيدفع جبهة البوليساريو إلى توقيع اتفاقٍ مُعدّ سلفاً، وكأن المسار الأممي بات تفصيلاً هامشياً لا وزن له. غير أن الدبلوماسية لا تُدار بالشعارات، ولا تُحسم بالضجيج الدعائي. ما يُتداول على المنصات الرقمية ليس بالضرورة ما تُقرّه نصوص القانون الدولي، ولا ما يُقال في الغرف المغلقة حيث تُدار التوازنات وتُصاغ التسويات. والحقيقة، في هذا الملف تحديداً، أكثر تعقيداً بكثير من صورة “النهاية المحتومة” التي يُراد تسويقها. القرار 2797: إطار تفاوضي… لا حكم نهائي يُستشهد كثيراً بقرار مجلس الأمن 2797 بوصفه تثبيتاً نهائياً لمقترح الحكم الذاتي المغربي. لكن قراءة متأنية لمضمونه تكشف أنه لا يرقى إلى إعلان “نهاية” بقدر ما يؤسس لإطار يوجّه المسار السياسي. فالقرار، من جهة، يشير إلى المبادرة المغربية باعتبارها “جدية وذات مصداقية”، ومن جهة ثانية يدعو بوضوح إلى حل سي...

الصحراء الغربية: تحليل قانوني للموقف المغربي في ضوء مبدأ تقرير المصير

يُعدّ نزاع الصحراء الغربية من أكثر قضايا تصفية الاستعمار تعقيدًا في النظام الدولي المعاصر، إذ يضع في مواجهة مباشرة بين مبدأين أساسيين في القانون الدولي: سلامة الأراضي وحق الشعوب في تقرير مصيرها. تقتضي الدراسة القانونية للموقف المغربي تحليل أربعة مرتكزات أساسية: الرأي الاستشاري الصادر سنة 1975 عن محكمة العدل الدولية؛ الوضع القانوني للإقليم داخل منظمة الأمم المتحدة؛ دلالات القرار 1541 (د-15)؛ الطبيعة القانونية لحق تقرير المصير. تهدف هذه الدراسة إلى إبراز مكامن الضعف القانونية في المقاربة المغربية، وشرح الأسباب التي تجعل من الاستفتاء خيارًا يكاد يكون حتميًا من منظور قانوني صارم. أولًا: رأي محكمة العدل الدولية لسنة 1975 — روابط دون سيادة في 16 أكتوبر 1975، طُلب من محكمة العدل الدولية إبداء رأيها بشأن: ما إذا كانت الصحراء الغربية أرضًا بلا مالك (terra nullius) عند احتلالها من طرف إسبانيا؛ وما إذا كانت توجد روابط قانونية بين الإقليم وكلٍّ من المغرب أو الكيان الموريتاني. أهم ما خلصت إليه المحكمة: رفضت اعتبار الإقليم أرضًا بلا مالك؛ أقرت بوجود روابط بيعة بين بعض القبائل الصحراوية وسلطان المغرب...

سو-34: تطور طائرة مقاتلة قاذفة روسية نحو قدرات عابرة للقارات

  تتأكد اليوم مكانة المقاتلة‑القاذفة الروسية سو‑34 كأطول طائرة قتالية تكتيكية مدىً في الخدمة على مستوى العالم، بفضل قدرات تحمّل تضعها في فئة قريبة من قاذفات القنابل الاستراتيجية. هذا التطور يمنحها مرونة تشغيلية واسعة، من مهام التحليق لفترات طويلة إلى عمليات التوغل العميق خلف الخطوط. تصميم مستند إلى إرث السو‑27 مع تحسينات جذرية انطلقت السو‑34 من هيكل السو‑27 الشهير، الذي كان أصلاً صاحب أكبر مدى بين المقاتلات السوفييتية والغربية خلال القرن العشرين. لكن النسخة الحديثة جاءت أثقل بنسبة 50% تقريباً، مع اعتماد أوسع للمواد المركّبة ودمج لمحركات AL‑31FM2 عالية الكفاءة، ما سمح بزيادة مدى التحليق الداخلي إلى ما بين 4,800 و5,000 كيلومتر . وبهذا، أصبحت السو‑34 قريبة من دخول فئة المدى القاري التي تبدأ من 5,500 كيلومتر . خزانات وقود خارجية قليلة الاستخدام… لكن حاسمة على خلاف الطائرات الغربية التي تعتمد بكثرة على الخزانات الإضافية، نادراً ما تحمل المقاتلات الروسية مثل السو‑27 ومشتقاتها خزانات خارجية، نظراً لقدرتها الكبيرة على تخزين الوقود داخلياً. ولهذا، أثار ظهور سو‑34 مجهّزة بثلاث خزانات PTB‑30...

زيارة الرئيس تياني إلى الجزائر: منعطف دبلوماسي وسياسي في فضاء الساحل

  تشكل الزيارة الرسمية التي قام بها الجنرال عبد الرحمن تياني إلى الجزائر، يومي 15 و16 فبراير، محطة مفصلية في إعادة تشكيل التوازنات الدبلوماسية في منطقة الساحل. فقد استُقبل رئيس النيجر من طرف الرئيس عبد المجيد تبون، في سياق أشارت صحيفة لوموند الفرنسية إلى أنه يحمل مبادرة تهدف إلى إعادة بناء جسور الثقة بين الجزائر ومالي بعد فترة من التوترات. زيارة رمزية بأبعاد استراتيجية لم يسبق للرئيس تياني أن غادر فضاء تحالف دول الساحل (AES) قبل هذه الزيارة، ما يمنح اختياره الجزائر كأول وجهة خارج هذا الإطار دلالة سياسية واضحة. فالرسالة هي رغبة النيجر في لعب دور محوري في استقرار المنطقة، وفي دعم مسار التهدئة بين الجزائر وباماكو. وتشير لوموند إلى أنّ الخطوة جاءت في إطار تنسيق مسبق مع السلطات المالية، ما يعكس وجود إرادة مشتركة في طي صفحة الخلافات. نيامي كوسيط براغماتي استفاد النيجر من علاقاته المتوازنة مع الجزائر وباماكو لتبني دور الوسيط، في محاولة لاحتواء سوء الفهم الذي تراكم خلال السنوات الأخيرة. ويبدو أن هذا التحرك يعكس عودة إلى منطق المصالح المشتركة بعد مرحلة اتسمت بقطيعة خطيرة داخل فضاء الساحل....

من التبعية إلى محاولة الاستدراك: بين إرث إدارة بوتفليقة وخيارات المرحلة الجديدة

إذا كان اختلال المبادلات التجارية بين الجزائر وأوروبا خلال الفترة 2005–2023 يعكس أزمة نموذج اقتصادي، فإن جذوره تعود بالدرجة الأولى إلى الخيارات التي اتُّخذت في عهد إدارة الرئيس الراحل عبد العزيز بوتفليقة. فخلال سنوات البحبوحة النفطية، حين تجاوزت أسعار النفط مستويات قياسية، كان يفترض أن تُستثمر المداخيل الاستثنائية في بناء اقتصاد منتج، متنوع، وقادر على خلق القيمة المضافة. لكن الذي حدث – في نظر كثير من المراقبين – كان العكس تماماً: ترسيخ نموذج ريعي قائم على الاستيراد المكثف، وإغراق السوق الوطنية بالمنتجات الأجنبية، مع إهمال خطير للصناعة المحلية. أولاً: سنوات الريع الضائع بين 2005 و2014 تحديداً، دخلت إلى الخزينة الجزائرية مئات المليارات من الدولارات. كانت فرصة تاريخية لبناء: صناعة تحويلية قوية منظومة تصدير خارج المحروقات قاعدة تكنولوجية وطنية شبكة مؤسسات صغيرة ومتوسطة منتجة غير أن الإدارة آنذاك فضّلت – أو سمحت – بسياسة استيراد واسعة، تحولت إلى ما يشبه “اقتصاد الحاويات”. أصبحت الموانئ مركز النشاط الاقتصادي، بدل أن تكون المصانع وورشات الإنتاج. هذه السياسة لم تكن مجرد خطأ تقني، بل خياراً است...