تتأكد اليوم مكانة المقاتلة‑القاذفة الروسية سو‑34 كأطول طائرة قتالية تكتيكية مدىً في الخدمة على مستوى العالم، بفضل قدرات تحمّل تضعها في فئة قريبة من قاذفات القنابل الاستراتيجية. هذا التطور يمنحها مرونة تشغيلية واسعة، من مهام التحليق لفترات طويلة إلى عمليات التوغل العميق خلف الخطوط.
تصميم مستند إلى إرث السو‑27 مع تحسينات جذرية
انطلقت السو‑34 من هيكل السو‑27 الشهير، الذي كان أصلاً صاحب أكبر مدى بين المقاتلات السوفييتية والغربية خلال القرن العشرين. لكن النسخة الحديثة جاءت أثقل بنسبة 50% تقريباً، مع اعتماد أوسع للمواد المركّبة ودمج لمحركات AL‑31FM2 عالية الكفاءة، ما سمح بزيادة مدى التحليق الداخلي إلى ما بين 4,800 و5,000 كيلومتر. وبهذا، أصبحت السو‑34 قريبة من دخول فئة المدى القاري التي تبدأ من 5,500 كيلومتر.
خزانات وقود خارجية قليلة الاستخدام… لكن حاسمة
تطور مستمر رغم الخسائر في أوكرانيا
شهدت السو‑34 استخداماً واسعاً في الحرب الأوكرانية، حيث أدّت دوراً محورياً في الضربات الجوية، لكنها تكبدت خسائر كبيرة. ورغم استمرار روسيا في إنتاج وتسليم نماذج جديدة، فإن وتيرة التصنيع لا تزال أقل من تغطية الخسائر المسجّلة. ومع ذلك، فقد واصلت موسكو ترقية المنظومة عبر إضافة حواضن استطلاع متعددة المهام ودمج صواريخ جديدة بعيدة المدى، منها نسخ مصغرة من صاروخ كروز Kh‑101/102 الذي يصل مداه إلى 5,500 كيلومتر.
منافسة صينية وتحوّل في ميزان القدرات
يتوقع أن تتجاوز الصين قدرات السو‑34 عبر مقاتلتها المستقبلية من الجيل السادس، التي تشير التقارير إلى أنها ستكون أكبر حجماً وأطول مدى، مع خصائص شبحية متقدمة. وهو ما يضغط على موسكو للمضي قدماً في تحديثات أكثر عمقاً.
محرك AL‑51F: نقلة نوعية محتملة للسو‑34
تثار في الأوساط العسكرية الروسية فرضية دمج المحرك الجديد AL‑51F—المخصص أصلاً للسو‑57M—ضمن تحديث مستقبلي للسو‑34. هذا المحرك، الذي وصل إلى مرحلة متقدمة من الاختبارات، يعد:
- كفاءة وقود أعلى،
- دفعاً أكبر،
- قدرة أفضل على التحليق فوق صوتي من دون حارق لاحق (supercruise)،
- صيانة أخف وكلفة تشغيل أقل،
- وتوسّعاً كبيراً في سقف المهام الممكنة.
إن تحقق هذا الاندماج، قد تنتقل السو‑34 من فئة المقاتلة‑القاذفة التكتيكية إلى طائرة بقدرات استراتيجية، وربما تُمنح أدواراً داخل قيادة الطيران بعيد المدى في روسيا.
انعكاسات مهمة على الدول الشريكة… خصوصاً الجزائر
من المتوقع أن تشهد الجزائر، التي ستتسلم أولى دفعات السو‑34 بدءاً من 2026، قفزة نوعية في قدراتها الجوية بفضل النسخ المحسّنة من هذا الطراز. فزيادة المدى، وتطوير المحركات، ودمج ذخائر جديدة بعيدة المدى، ستمنح القوات الجوية الجزائرية مكانة متقدمة في شمال إفريقيا ومنطقة الساحل.
خلاصة: من مقاتلة‑قاذفة إلى منصة متعددة الأدوار بعيدة المدى
تتجه السو‑34 تدريجياً نحو تجاوز دورها التقليدي. فقدرة الطائرة على التحليق لمسافات تقارب القاريّة، جنباً إلى جنب مع التحديثات المحورية في المحركات والذخائر، تجعلها منصة هجومية واستطلاعية ذات تأثير استراتيجي متزايد. وبذلك، تواصل روسيا تعزيز حضورها الجوي بعيد المدى، بينما تستعد الدول المتلقية—وفي مقدمتها الجزائر—لاستثمار هذا التطور في إعادة تشكيل معادلات القوة الإقليمية.
بــلـــڨـــاســم مربـــاح
تعليقات
إرسال تعليق