التخطي إلى المحتوى الرئيسي

المشاركات

إيران: الردع المتبادل، والمأزق الاستراتيجي، وإعادة تشكيل ميزان القوى الإقليمي

آخر المشاركات

الناتج المحلي الإجمالي الجزائري، وعمليات التدقيق الدولية، وهوس مغربي: عندما يحل الجدل محل التحليل

  منذ عدة أشهر، كرّست فئة محدّدة من المعلّقين المغاربة — من بينهم رشيد العشعاشي وآخرون ممّن يقدّمون أنفسهم كـ“خبراء” في الاقتصاد والجيوسياسة — جهداً غير عادي للتشكيك في منهجية حساب الناتج الداخلي الخام الجزائري. هذا التركيز المتكرر والمشحون بالتقريب لا يكشف حقيقة الوضع الاقتصادي الجزائري بقدر ما يعكس حالة ارتباك استراتيجي مغربي أمام تغيّر موازين القوى الإقليمية. 1. الناتج الداخلي الخام الجزائري: حسابات مضبوطة لا صناعة سياسية خلافاً للإيحاءات المتكررة، فإن الناتج الداخلي الخام الجزائري ليس رقماً مرتجلاً ولا بناءً إيديولوجياً. إنه يُحتسب وفق نظام المحاسبة القومية (SCN)، وهو معيار دولي معتمد، ويخضع لعمليات تدقيق ومراجعة ومصادقة خارجية من مؤسسات مالية دولية. إن إدماج الاقتصاد غير الرسمي — وهي ممارسة شائعة في أغلب الاقتصادات الصاعدة — يدخل في إطار عملية منهجية لإعادة الأساس الإحصائي، وليس في إطار تضخيم مصطنع. أمّا تصوير هذا التحيين الإحصائي باعتباره “تلاعباً”، فإما جهل بالمعايير الدولية، أو محاولة واعية لإرباك الرأي العام. أما سعر صرف الدينار، فهو يخضع لقواعد صارمة وضعتها بنك الجزائر. و...

غارا جبيلات: فهم الرهانات الإستراتيجية الحقيقية وراء المشروع الجزائري العملاق لاستخراج الحديد

تحوّل مشروع استغلال منجم الحديد غارا جبيلات في الخطاب الإعلامي لدى بعض الأصوات إلى موضوع للتشكيك في قدرة الجزائر على تنفيذ مشاريع صناعية كبرى. ويرتكز هذا الخطاب أساساً على حجة واحدة تتكرر باستمرار: ارتفاع نسبة الفوسفور في خام الحديد ، والذي يُقدَّم باعتباره دليلاً كافياً على “عدم الجدوى الاقتصادية” للمشروع. غير أنّ فحص هذا الادعاء من منظور تقني واقتصادي يكشف أن هذه القراءة سطحية وغير دقيقة ، وتعكس أكثر خطاباً انطباعياً من تحليل علمي مبني على حقائق الصناعة التعدينية الحديثة. الفوسفور: إكراه تقني معروف في الصناعة وليس حاجزاً بنيوياً من الناحية التقنية، صحيح أن خام غارا جبيلات يحتوي على نسبة فوسفور أعلى من المعايير المطلوبة تقليدياً في صناعة الحديد والصلب. غير أن هذا التحدي ليس استثنائياً في القطاع المنجمي العالمي، ولا يمثل عقبة تحول دون الاستغلال الاقتصادي. إذ تعتمد عدة دول على خامات ذات تعقيد أعلى بكثير، وتلجأ فيها إلى تقنيات متقدمة مثل: الفصل المغناطيسي عالي الدقة ؛ الاختزال المباشر ؛ المعالجة الحرارية – الكيميائية ؛ تقنيات إزالة الفوسفور المُعتمدة صناعياً بشكل واسع . بعبارة أخرى، الس...

قناة فرانس 2 ومطاردة الجزائريين في فرنسا: عندما يصبح التشكيك متعمداً

لم يكن آخر تقرير لبرنامج “ Complément d’enquête ” على قناة France 2 عملاً صحفياً محايداً بقدر ما بدا خطاباً مشحوناً بالإيحاءات السياسية المبطّنة. فالتقرير، الذي قُدِّم تحت غطاء التحقيق الاستقصائي، لم يعتمد على أدلة ملموسة بقدر ما سعى إلى بثّ الشك والريبة تجاه فئة بعينها من المنتخبين الفرنسيين، وهم ذوو الجنسية المزدوجة الفرنسية-الجزائرية، من خلال التلميح إلى “ولاءات مزدوجة” أو “شبكات نفوذ خفية” دون أي سند واقعي موثق. توقيت بث التقرير، قبل أقل من شهرين على الانتخابات البلدية، لا يمكن فصله عن السياق السياسي الداخلي الفرنسي، إذ يحوّل العمل الإعلامي من أداة كشف إلى وسيلة تأثير غير مباشر على الرأي العام. والرسالة الضمنية التي يلتقطها المشاهد واضحة: الانتماء الجزائري، ولو كان قانونياً ومواطناً، يصبح موضع شبهة. وهي رسالة خطيرة تمسّ بأسس المواطنة المتساوية وتغذّي مناخ الإقصاء والتمييز داخل الفضاء الجمهوري. تحقيق أحادي الزاوية وانتقائية مريبة أكثر ما يلفت في هذا التقرير هو اختلال ميزان المعالجة. ففي الوقت الذي يُمعن فيه الإعلام العمومي الفرنسي في التشكيك بولاء منتخبين فرنسيين من أصول جزائرية، ي...

غارا جبيلات: من أول قطارٍ نحو وهران إلى «اللعبة الكبرى» إقليمياً — قراءة اقتصادية/صناعية/قانونية

وصول أول شحنة من خام الحديد المستخرج من منجم غارا جبيلات إلى وحدات التحويل في ولاية وهران يمثّل انتقال المشروع من مرحلة الإعلان إلى مرحلة التشغيل الفعلي : استخراجٌ منتظم، ثم نقلٌ حديدي، ثم تحويلٌ صناعي إلى منتج نصف مُصنَّع/مصنَّع. هذا ما أكّدته تقارير صحفية رسمية وإخبارية جزائرية نقلت عن تصريحات المسؤولين أن الشحنة الأولى ستصل يوم الخميس 29 يناير/كانون الثاني 2026 إلى وحدات التحويل بوهران، مُعلنة بداية استغلال المنجم وتحويل المادة الخام.  كما ارتبط الحدث برسالة سياسية واضحة: وزير الداخلية والنقل والسلطات المحلية، سعيد سايود ، قدّم الخطوة بوصفها تعزيزاً لسلسلة الإنتاج الوطنية في الحديد والصلب، مع إبراز الطابع «الوطني» للمشروع (وسائل بشرية ومادية جزائرية) مع الاعتراف بدور الشريك الصيني في التنفيذ.  1) المشروع «العملاق»: منجمٌ لكنه في الحقيقة منظومة صناعية كاملة 1.1 مورد ضخم… وتحدٍ تقني يُصنَّف غارا جبيلات ضمن أكبر مكامن الحديد، مع تقديرات شائعة لاحتياطات تقارب 3.5 مليارات طن (مع جزءٍ قابل للاستغلال)، ومساحة تتجاوز 131 كم² ، ونسبة حديد في الخام تقارب 58% . لكن النقطة الحاسمة...

حين تتحول “القراءات الدبلوماسية” إلى دعاية رخيصة

تواصل وسائل الإعلام المقرّبة من المخزن توظيف كل حدث دبلوماسي، مهما كان عابراً أو غير ذي صلة مباشرة، من أجل إعادة تدوير سردية قديمة حول قضية الصحراء الغربية. سردية قائمة على الانتقاء، والتهويل، والخلط المتعمّد بين ما هو موقف سياسي وما هو إطار قانوني دولي، في محاولة لصناعة وهم مفاده أنّ مسار تصفية الاستعمار قد أُغلق، وأن الشرعية الدولية يمكن تجاوزها بمجرد بلاغات دعائية. غير أن قراءة معمّقة للمعطيات تبرز فجوة واسعة بين هذه الدعاية وبين الواقع القانوني والسياسي الذي يحكم الملف. أولاً: الزيارات الدبلوماسية الأمريكية… بين الدعاية والواقع الجيوسياسي تحاول بعض المنابر المغربية تصوير أي زيارة مسؤول أمريكي للجزائر على أنها مؤشر تحوّل أو رسالة دبلوماسية مشفّرة. إلا أن هذا الطرح يتجاهل حقائق ثابتة: الجزائر فاعل محوري في شمال إفريقيا وفي قضايا الأمن الإقليمي والطاقة ومكافحة الإرهاب. التشاور معها يُعد جزءاً بنيوياً من السياسة الأمريكية في المنطقة، وليس ورقة ضغط ولا بديلاً عن المسار الأممي. وعليه، فتصوير هذه الزيارات كـ"انتصار دعائي" أو "ضغط غير معلن" لا يتجاوز حدود القراءة الرغائ...

تحليل جيوسياسي: “مجلس السلام” لترامب بين الطموح العالمي والشكوك الغربية

  يمثل إطلاق “مجلس السلام” من قبل الرئيس الأمريكي دونالد ترامب إحدى المبادرات الدبلوماسية الأكثر إثارة للجدل في المرحلة الدولية الراهنة. فالمجلس الذي أُريد له في البداية أن يكون آلية محدودة للإشراف على إعادة إعمار غزة بعد حرب استمرت عامين، تحوّل سريعًا إلى منظمة دولية بديلة تزعم التعامل مع النزاعات حول العالم—وهو توسع أثار ارتيابًا وممانعة، خصوصًا لدى حلفاء الولايات المتحدة الغربيين. 1) مؤسسة صُممت لغزة فتحولت إلى هندسة موازية للحُكم العالمي في الأصل، جاء “مجلس السلام” كجزء من المرحلة الثانية من خطة وقف إطلاق النار ذات النقاط العشرين الخاصة بغزة، والتي حظيت بدعم من مجلس الأمن الدولي في نوفمبر، مع تكليف المجلس بالإشراف على: نزع السلاح داخل القطاع، تنسيق جهود إعادة الإعمار ، تأمين حضور دولي محدود ومُحدد الغاية. غير أن مسودة الميثاق المرسلة مع دعوات الانضمام لم تعد تشير إلى غزة إطلاقًا، بل تصف المجلس باعتباره “منظمة دولية” تُعنى بالاستقرار والسلام والحوكمة “في المناطق المتأثرة أو المهددة بالنزاع”. هذا التحول المفاهيمي يكشف نيةً واضحة: ابتكار مؤسسةٍ تنافس—رمزيًا وربما وظيفيًا—م...