يُعدّ نزاع الصحراء الغربية من أكثر قضايا تصفية الاستعمار تعقيدًا في النظام الدولي المعاصر، إذ يضع في مواجهة مباشرة بين مبدأين أساسيين في القانون الدولي: سلامة الأراضي وحق الشعوب في تقرير مصيرها.
تقتضي الدراسة القانونية للموقف المغربي تحليل أربعة مرتكزات أساسية:
- الرأي الاستشاري الصادر سنة 1975 عن محكمة العدل الدولية؛
- الوضع القانوني للإقليم داخل منظمة الأمم المتحدة؛
- دلالات القرار 1541 (د-15)؛
- الطبيعة القانونية لحق تقرير المصير.
تهدف هذه الدراسة إلى إبراز مكامن الضعف القانونية في المقاربة المغربية، وشرح الأسباب التي تجعل من الاستفتاء خيارًا يكاد يكون حتميًا من منظور قانوني صارم.
أولًا: رأي محكمة العدل الدولية لسنة 1975 — روابط دون سيادة
في 16 أكتوبر 1975، طُلب من محكمة العدل الدولية إبداء رأيها بشأن:
- ما إذا كانت الصحراء الغربية أرضًا بلا مالك (terra nullius) عند احتلالها من طرف إسبانيا؛
- وما إذا كانت توجد روابط قانونية بين الإقليم وكلٍّ من المغرب أو الكيان الموريتاني.
أهم ما خلصت إليه المحكمة:
- رفضت اعتبار الإقليم أرضًا بلا مالك؛
- أقرت بوجود روابط بيعة بين بعض القبائل الصحراوية وسلطان المغرب؛
- لكنها أكدت صراحة أن هذه الروابط لا ترقى إلى سيادة إقليمية.
والأهم من ذلك أن المحكمة شددت على أن تلك الروابط:
لا تؤثر في تطبيق مبدأ تقرير المصير.
مكمن الإشكال القانوني
يميل الخطاب المغربي المعاصر إلى اعتبار الروابط التي أقرتها المحكمة أساسًا لسيادة تاريخية مستمرة، غير أن المحكمة ميّزت بوضوح بين:
- روابط الولاء الشخصي التقليدية؛
- ومفهوم السيادة الإقليمية الحديثة في القانون الدولي.
وهذا التمييز يمثل نقطة ضعف قانونية جوهرية في الطرح المغربي.
ثانيًا: الوضع القانوني للإقليم داخل الأمم المتحدة
لا تزال الصحراء الغربية مدرجة ضمن قائمة الأقاليم غير المتمتعة بالحكم الذاتي.
وبموجب قانون تصفية الاستعمار:
- يتعين تمكين شعب الإقليم من ممارسة حقه في تقرير المصير بصورة حرة وأصيلة؛
- لا يُنشئ التحكم الفعلي بالإقليم سندًا قانونيًا نهائيًا للسيادة.
كما لم يصدر عن الأمم المتحدة أي اعتراف صريح بالسيادة المغربية على الإقليم.
ثالثًا: القرار 1541 وشرط “التعبير الحر”
ينص القرار 1541 (د-15) على أن تقرير المصير يمكن أن يتم عبر:
- الاستقلال؛
- الارتباط الحر بدولة مستقلة؛
- الاندماج في دولة مستقلة.
غير أن الشرط الجوهري هو:
التعبير الحر والحقيقي عن إرادة الشعب المعني.
الموقف المغربي
يرى المغرب أن مبادرة الحكم الذاتي تمثل:
- صيغة لتقرير المصير الداخلي؛
- حلًا واقعيًا يوازن بين تقرير المصير وسلامة الأراضي؛
- تطبيقًا عمليًا لمقتضيات القرار 1541.
الإشكال القانوني
لم تُعرض مبادرة الحكم الذاتي على استفتاء حر بإشراف دولي، ولم يُتح للشعب الصحراوي التعبير المباشر عن قبوله أو رفضه لها.
وفي سياق تصفية الاستعمار، يظل معيار المشروعية قائمًا على إرادة الشعب المعني لا على عرض الدولة القائمة بالإدارة.
رابعًا: مبدأ عدم جواز اكتساب الأراضي بالقوة
منذ سنة 1945، أصبح مبدأ حظر الاستيلاء على الأراضي بالقوة قاعدة أساسية في النظام الدولي.
الأحداث التي أعقبت انسحاب إسبانيا سنة 1975 أثارت جدلًا واسعًا بشأن مشروعية انتقال السلطة.
ويرى منتقدو الموقف المغربي أن السيطرة الفعلية لا تكفي وحدها لإنتاج سند سيادي معترف به دوليًا.
خامسًا: لماذا يبدو الاستفتاء حتميًا قانونيًا؟
1. طبيعة حق تقرير المصير
حق تقرير المصير:
- حق جماعي للشعوب؛
- قاعدة في مواجهة الجميع (erga omnes)؛
- ويعتبره جزء معتبر من الفقه قاعدة آمرة.
ويمتضي منطقيًا أن يُمارس عبر آلية واضحة تعبّر عن الإرادة الشعبية.
2. الممارسة الدولية المقارنة
في حالات تصفية استعمار أخرى (ناميبيا، تيمور الشرقية، إريتريا):
- كان الاستفتاء أداة حاسمة لإضفاء الشرعية النهائية على الوضع القانوني؛
- ومكّن من إنهاء النزاع بصورة لا تقبل الطعن.
3. مسألة الشرعية والقبول
حتى يكون الاندماج مطابقًا للقرار 1541، يجب إثبات:
- حرية الاختيار؛
- نزاهة العملية؛
- غياب الإكراه.
والاستفتاء بإشراف دولي يبقى الوسيلة الأكثر صلابة لإثبات ذلك.
سادسًا: طرح مضاد — الحل التفاوضي
يرى بعض الفقهاء أن حلًا سياسيًا متفاوضًا عليه، يحظى بقبول ممثلين معترف بهم للشعب الصحراوي، قد يحقق متطلبات تقرير المصير دون استفتاء رسمي.
غير أن هذا الطرح يظل عرضة للتشكيك، ولا يمنح درجة اليقين القانوني التي يوفرها تصويت مباشر.
خاتمة
تُظهر القراءة القانونية الصارمة أن:
- رأي محكمة العدل الدولية سنة 1975 لا يُسند دعوى السيادة المغربية؛
- الإقليم لا يزال مصنفًا كإقليم غير متمتع بالحكم الذاتي؛
- شرط التعبير الحر المنصوص عليه في القرار 1541 لم يتحقق بصورة نهائية؛
- وبالتالي فإن مسألة تقرير المصير تبقى مفتوحة قانونيًا.
ومن منظور قانوني بحت، يظل الاستفتاء الوسيلة الأكثر وضوحًا لحسم النزاع بصورة لا لبس فيها.
بــلـــڨـــاســم مربـــاح
تعليقات
إرسال تعليق