في الأسابيع الأخيرة، تتكثّف حملة إعلامية منظمة تسعى إلى ترسيخ فكرة مفادها أن قضية الصحراء الغربية قد طُويت نهائياً، وأن ما تبقّى ليس سوى ترتيبات شكلية لتكريس أمرٍ واقعٍ مفروض. وتذهب بعض المنصات إلى أبعد من ذلك، حين تُسوّق لدور أمريكي “حاسم” يُفترض أنه سيدفع جبهة البوليساريو إلى توقيع اتفاقٍ مُعدّ سلفاً، وكأن المسار الأممي بات تفصيلاً هامشياً لا وزن له.
غير أن الدبلوماسية لا تُدار بالشعارات، ولا تُحسم بالضجيج الدعائي. ما يُتداول على المنصات الرقمية ليس بالضرورة ما تُقرّه نصوص القانون الدولي، ولا ما يُقال في الغرف المغلقة حيث تُدار التوازنات وتُصاغ التسويات. والحقيقة، في هذا الملف تحديداً، أكثر تعقيداً بكثير من صورة “النهاية المحتومة” التي يُراد تسويقها.
القرار 2797: إطار تفاوضي… لا حكم نهائي
يُستشهد كثيراً بقرار مجلس الأمن 2797 بوصفه تثبيتاً نهائياً لمقترح الحكم الذاتي المغربي. لكن قراءة متأنية لمضمونه تكشف أنه لا يرقى إلى إعلان “نهاية” بقدر ما يؤسس لإطار يوجّه المسار السياسي.
فالقرار، من جهة، يشير إلى المبادرة المغربية باعتبارها “جدية وذات مصداقية”، ومن جهة ثانية يدعو بوضوح إلى حل سياسي، ويؤكد – وهو بيت القصيد – على ضرورة أن يكون هذا الحل مقبولاً من الطرفين.
وهذه العبارة الأخيرة ليست تفصيلاً لغوياً، بل هي الركيزة التي تنقض منطق “الفرض”. فالحل المقبول من الطرفين لا يمكن صناعته عبر ضغطٍ سياسي أحادي أو بإكراهٍ دبلوماسي، بل يتطلب مفاوضات فعلية، وتنازلات متبادلة، وضمانات واضحة ترفع الاتفاق من مجرد “توقيع” إلى مستوى الشرعية والاستدامة. وبذلك، فالقرار لم يُحدّد نتيجة نهائية، ولم يُلغِ الخيارات من حيث المبدأ؛ إنه يرسم حدود الملعب… ولا يعلن اسم الفائز.
الحكم الذاتي: من الشعار إلى المنظومة… ومعيار الشرعية الدولية
المقترح المغربي لسنة 2007 جاء في صيغة مقتضبة. أما الحديث المتزايد اليوم عن “نسخة موسعة” أو “تصور محدّث”، فيعكس إدراكاً بأن الحكم الذاتي – في معناه المعاصر – ليس لافتة سياسية تُرفع، بل منظومة مؤسساتية وقانونية واقتصادية متكاملة.
فأي حكم ذاتي يحظى بشرعية دولية ويُعدّ قابلاً للحياة يقتضي، في جوهره:
- تمكين السكان المحليين من إدارة شؤونهم والبتّ في قضاياهم اليومية بسلطات فعلية لا شكلية؛
- مؤسسات منتخبة بصلاحيات واضحة، لا مجرد هياكل رمزية؛
- ضمانات دستورية وقضائية تضمن الحقوق وتحدد الاختصاصات وتمنع الارتداد إلى المركزية؛
- آليات رقابة أو تحكيم في حال النزاع، بما يضمن استمرارية الترتيبات وتوازنها.
وفي هذا السياق، تُذكّر أحكام محكمة العدل التابعة للاتحاد الأوروبي بأن أي تعامل مع الموارد الطبيعية في الإقليم ينبغي أن يراعي موافقة شعبه وأن يكون لصالحه، ما يجعل المسألة أبعد من خطاب “السيادة” وأقرب إلى بنية قانونية-اقتصادية تتطلب تعريفاً واضحاً لمن يملك حق الموافقة ومن يحدد معيار المنفعة.
بعبارة أخرى: الحكم الذاتي ليس شعاراً يُنهي الملف، بل ورشة شروطها دقيقة، وأي نقصٍ في تفاصيلها قد يحوّلها من حلّ إلى مصدر نزاع جديد.
الدور الأمريكي: نفوذ قوي… لا تفويض مطلق
لا شك أن الاعتراف الأمريكي بسيادة المغرب خلال إدارة دونالد ترامب شكّل تحولاً مهماً في ميزان القوى السياسي والإعلامي. لكنه، مهما بلغت رمزيته، لا يُلغي الإطار الأممي، ولا يمنح واشنطن سلطة “حسم” تقرير المصير نيابةً عن المجتمع الدولي، خصوصاً حين يكون الملف موضوعاً على طاولة مجلس الأمن.
صحيح أن الولايات المتحدة قادرة على الدفع نحو تسريع التسوية، والتأثير في اتجاهات النقاش، وصياغة ديناميات ضغط أو تحفيز. لكنها تدرك – بحكم الخبرة السياسية – أن اتفاقاً يُفرض من طرف واحد، دون قبولٍ فعلي من الطرف الآخر، سيظل هشّاً، وقابلاً للانفجار عند أول اختبار ميداني أو تغيّر في الموازين.
فالاستقرار الدائم لا يقوم على الإكراه، بل على الشرعية. والشرعية لا تُصنع بقرارٍ أحادي، بل بترتيبات قابلة للتطبيق وتحظى بحد أدنى من القبول.
تقرير المصير: ثابت قانوني لم يُسقطه أحد
رغم تعثر استفتاء 1991 وتعقيدات تطبيقه، فإن مبدأ تقرير المصير ما يزال جزءاً من العمود الفقري لمنظومة الأمم المتحدة في هذا الملف. والمبعوث الشخصي للأمين العام، ستافان دي ميستورا، يتحرك – نظرياً وعملياً – ضمن هذا الإطار، لا خارجه.
ولم يصدر حتى الآن قرار أممي يُسقط هذا المبدأ أو يعلن استحالته قانونياً. كما لم يُعتمد نصٌ ملزم يُغلق الباب أمام أي خيار بشكل قاطع. لذلك فإن الحديث عن “انتهاء” فكرة الاستقلال لا يستند إلى قاعدة قانونية مُحكمة، بقدر ما يعكس قراءة سياسية لميزان القوى، وهي قراءة تتغير بتغير السياقات.
توازنات مجلس الأمن: موسكو وبكين حاضرتان
الافتراض بأن واشنطن قادرة وحدها على فرض تسوية نهائية يتجاهل طبيعة مجلس الأمن بوصفه ساحة لتوازنات دقيقة. فروسيا – عبر مواقف عبّر عنها وزير خارجيتها سيرغي لافروف في أكثر من مناسبة – تُشدد على التمسك بالإطار الأممي وبمبدأ تقرير المصير، بينما تتبنى الصين مقاربة حذرة تؤكد على الحل التفاوضي متعدد الأطراف.
وفي نظام دولي تتقاطع فيه ملفات النفوذ والطاقة والتحالفات، يصعب عملياً تجاوز القوى الكبرى الأخرى في قضية ذات أبعاد استراتيجية، خصوصاً حين يتعلق الأمر بتوافقات داخل مجلس الأمن نفسه.
“حل سياسي مقبول من الطرفين”: العبارة التي تُفشل منطق الفرض
العبارة الأكثر حضوراً في قرارات مجلس الأمن ليست تلك التي تمدح هذا المقترح أو ذاك، بل تلك التي تشترط أن يكون الحل مقبولاً من الطرفين. وهذه القاعدة تقلب السردية الدعائية رأساً على عقب.
فأي صيغة تُفرض تحت ضغط مكثف دون قبولٍ حقيقي ستظل ناقصة الشرعية، وهو ما يجعلها عرضة للتآكل أو الانفجار. والتاريخ الحديث للصراعات يبيّن أن الاتفاقات غير المتوازنة ليست حلولاً نهائية، بل أزمات مؤجلة تنتظر لحظة العودة إلى السطح.
الخلاصة: الملف لم يُحسم… بل دخل مرحلة أعقد
القول إن القضية انتهت ليس توصيفاً قانونياً بقدر ما هو خطاب تعبوي. فالمعطيات الأساسية تقول بوضوح:
- القرار 2797 يحدد إطاراً… لا نتيجة.
- الحكم الذاتي مقترح… لا التزاماً مفروضاً.
- الولايات المتحدة مؤثرة… لكنها ليست السلطة الوحيدة.
- ميزان القوى الدولي لا يسمح بتسوية أحادية.
وعليه، فإن قضية الصحراء الغربية ما تزال مفتوحة داخل معادلة تفاوضية مركّبة تتقاطع فيها اعتبارات الشرعية الدولية مع حسابات الجغرافيا السياسية. وما دامت عبارة “حل سياسي مقبول من الطرفين” قائمة في نصوص الأمم المتحدة، فإن أي حديث عن نهاية محسومة يبقى أقرب إلى الدعاية منه إلى الواقع.
بــلـــڨـــاســم مربـــاح
تعليقات
إرسال تعليق