التخطي إلى المحتوى الرئيسي

لماذا تأسف الجزائر لإنهاء مهمة المينورسو؟

افتتاحية · الصحراء الغربية

أسفُ الجزائر ليس هزيمة، بل إنذار

إلى الذين يتهكّمون في الرباط على بيان الجزائر بشأن نهاية المينورسو: إمّا أنكم لم تفهموا شيئًا، وإمّا أنكم تتظاهرون بعدم الفهم.

بقلم بلقاسم مرباح  ·  نوفمبر 2026

فتحوا زجاجات الاحتفال. ففي مساء الثلاثين من أكتوبر، وما إن بلغت ولاية المينورسو نهايتها، حتى سارع الديوان الملكي المغربي إلى الترحيب بالحدث ومطالبة البعثة بحزم حقائبها. وفي إثره، انبرت صحافةٌ طيّعة تشرّح بيان وزارة الخارجية الجزائرية سطرًا سطرًا، فإذا بـ«الأسف العميق» الذي أبدته الجزائر يغدو عندهم اعترافًا بالهزيمة، واستسلامًا، ودليلًا على العزلة. وضحكوا، ضحكوا كثيرًا، في هيئات تحرير الرباط والدار البيضاء.

فليضحكوا. فتاريخ هذا الملف يعلّمنا أنّ من يضحك أولًا ليس دائمًا من يضحك أخيرًا.

قراءة معكوسة

لم تكن المينورسو يومًا أداةً في يد الجزائر

إنها لَسوءُ نيّة نادر أن تُصوَّر المينورسو أداةً في خدمة الجزائر. فقد أُنشئت سنة 1991 لتنظيم استفتاء لتقرير المصير، ولم تنظّمه قط. وطيلة خمسة وثلاثين عامًا، ظلّت تراقب وقفًا لإطلاق النار جمّد خطوط التماس لصالح المحتلّ وحده. وطيلة خمسة وثلاثين عامًا، وقفت تتفرّج على المغرب وهو يوطّن المستوطنين، ويستغلّ فوسفاط إقليمٍ تصنّفه الأمم المتحدة نفسها ضمن الأقاليم غير المستقلة، ويستنزف ثرواته البحرية.

وحين أرادت هذه البعثة أن يكون لها وجود حقيقي، كانت الرباط هي من بترت أطرافها: ففي 2016 طرد المغرب مكوّنها المدني، دون أن يحاسبه أحد محاسبة جادّة. تلك إذن «حليفة» الجزائر: بعثةٌ مُنعت من أداء مهمّتها على يد من يحتفلون اليوم بزوالها.

ولو أرادت الجزائر أن تدافع عن أداةٍ تخدم مصالحها، لما اختارت هذه الأداة بالتأكيد.

تلك «حليفة» الجزائر: بعثةٌ مُنعت من أداء مهمّتها على يد من يحتفلون اليوم بزوالها.
المعنى الحقيقي للأسف

ما تأسف عليه الجزائر هو السلام

إنّ ما تأسف عليه الجزائر ليس أداة، بل سدًّا منيعًا. فالمينورسو، على ما فيها من قصور، كانت آخر حضور دولي بين جيشين يتواجهان على امتداد جدار طوله 2700 كيلومتر. كانت دورياتها ترصد، وتقاريرها توثّق، وعلَمُها الأزرق يذكّر الجميع بأنّ العالم يراقب.

لقد انطفأت تلك العين. ولم يعد ثمّة شاهدٌ يقف بين المسيّرات المغربية والمقاتلين الصحراويين، وصار الميدان رهينةً لقانون السلاح وحده. والجزائر، وهي أدرى الناس بثمن الحرب، لا تبتهج لذلك. فقد دفعت أكثر من مليون ونصف مليون شهيد ثمنًا لحقّها في الحياة حرّة، وليس لأحدٍ أن يلقّنها دروسًا في الجدّية.

إنّ حربًا مفتوحة في الصحراء الغربية لن تنفع أحدًا. لا الصحراويين، الذين تعيش عائلاتهم في المنفى منذ نصف قرن. ولا المغاربة، الذين سيُساق أبناؤهم إلى الموت في الصحراء خدمةً لطموحات حكّامهم الترابية. ولا منطقةً أثخنها انهيار الساحل، حيث تصبّ كلّ بؤرة توتّر جديدة في مصلحة المهرّبين والجماعات المسلّحة. هذا ما يقوله بيان الجزائر لمن أراد أن يقرأه.

المسؤولية

أرادوا كلّ شيء، فخسروا كلّ شيء

لا بدّ من التذكير بمن قاد إلى هذا المأزق. فقد كان على طاولة مجلس الأمن تمديدٌ بسيط لسنة واحدة، كان سيُبقي على البعثة وعلى السلام الهشّ الذي كانت تضمنه. لكنّ الرباط ورعاتها لم يريدوه؛ أرادوا كلّ شيء، وفورًا: تغيير اسم البعثة، ومحو حرف «الراء» الدالّ على «الاستفتاء»، ونقش مخطّط حكم ذاتي لم يقبله الشعب الصحراوي يومًا في الرخام. ولقد أصابت الجزائر حين نددت بالانحياز المفرط لهذا النصّ، ورأت في حذف كلمة الاستفتاء إشارةً سياسية مقلقة إلى أبعد حدّ.

وبإصرارها على انتزاع نصرٍ كامل، لم تحصد الدبلوماسية المغربية إلّا الفراغ. وهذا الفراغ لن يُملأ في نيويورك، بل في الرمال.

ومن المفارقات اللافتة أنّ الصحافة ذاتها، التي تتسرّع في السخرية من الجزائر، تتّهم اليوم موسكو بأنها «صفّت» المينورسو. فلا يستقيم أن تحتفل بنهاية بعثة ثم تبحث عن مُذنبٍ في زوالها. إنّ الارتباك يطلّ من وراء النشوة.

بإصرارها على انتزاع نصرٍ كامل، لم تحصد الدبلوماسية المغربية إلّا الفراغ. وهذا الفراغ لن يُملأ في نيويورك، بل في الرمال.
الموقف الجزائري

لا نريد الحرب، ولا نخشاها

فلا يخطئنّ أحدٌ الفهم: الأسف على الحرب ليس خوفًا منها. فالجزائر لا تتمنّى اشتعال الصحراء الغربية، لكنّ رحيل المينورسو إن جعل الحرب أمرًا لا مفرّ منه، فلن تترك للمغرب أن ينفرد بتقرير مآلها. لن تتخلّى عن الشعب الصحراوي، ولا عن مبدأ تقرير المصير الذي تناضل من أجله منذ 1975، ولا عن أمنها هي، الذي تهدّده النزعة التوسّعية المغربية منذ حرب الرمال سنة 1963.

وقد أكّدت الحكومة الجزائرية القائمة بثبات أنّ لا شيء ينهي هذا النزاع سوى حلٍّ سياسي عادل ودائم، قائم على القانون الدولي وعلى الإرادة الحرّة للشعب الصحراوي. وهذا الباب ما يزال مفتوحًا، لكنه لن يبقى مفتوحًا إلى الأبد أمام من يخلطون بين صبر الجزائر وضعفها.

خاتمة

على الذين يبتهجون اليوم بنهاية المينورسو أن يجيبوا عن سؤال بسيط: من الرابح من صحراءٍ بلا مراقبين؟ لا الشعوب، ولا المنطقة، ولا السلام.

لقد أسفت الجزائر على رحيل القبعات الزرق، لكنها لن تأسف أبدًا على دفاعها عن حقّ الشعوب في تقرير مصيرها.

— بلقاسم مرباح

تعليقات

المشاركات الشائعة من هذه المدونة

رسالة مفتوحة إلى رئيس الجمهورية السيد عبد المجيد تبون

سيدي الرئيس، أتمنى أن تصلكم هذه الرسالة و أنتم بصحة جيدة. أكتب إليكم اليوم بقلب مثقل لأعبر عن قلقي العميق واستيائي لوجود أكثر من 1.2 مليون مغربي في أرض الجزائر الطاهرة. كمواطن مسؤول ومعني ، أشعر أنه من واجبي أن أوجه انتباهكم إلى هذا الأمر. أود أولاً أن ألفت انتباهكم إلى الروابط بين أجهزة المخابرات الإسرائيلية والمغرب. لقد تم الكشف أن الموساد يجند بشكل كبير في الجالية المغربية في فرنسا. هل لدينا ضمانة أن الكيان الصهيوني لا يفعل الشيء نفسه في الجزائر؟ هذه القضية مصدر كرب وإحباط لمواطني بلادنا الذين يفقدون الأمل في التمثيلية الوطنية التي يفترض أن تدافع عن المصلحة العليا للوطن. لماذا يجب أن نبقي على أرضنا رعايا دولة معادية؟ لماذا لا نعيد هؤلاء إلى وطنهم لتفاقم الأزمة الاجتماعية والاقتصادية لبلد يتآمر ضد مصالحنا ويغرق بلدنا بأطنان من المخدرات؟ لماذا يجب أن نتسامح مع وجود اليوتيوبرز المغاربة في الجزائر الذين يسخرون يوميا من الشعب الجزائري؟ نعتقد أن الجزائر يجب أن تقطع العلاقات القنصلية مع المغرب في أسرع وقت ممكن ، لأن الغالبية العظمى من الشعب المغربي يشتركون في نفس الأطروحات التوسعية مثل ن...

وكالة المخابرات المركزية ترفع السرية عن وثيقة تسلط الضوء على الدوافع الحقيقية للمغرب في حرب الرمال عام 1963

في 23 أغسطس 1957، تم إعداد وثيقة سرية لوكالة المخابرات المركزية (CIA) تكشف عن عناصر حاسمة تتعلق بالسياسة الفرنسية تجاه الجزائر، التي كانت آنذاك في خضم حرب الاستقلال. بعد رفع السرية عنها مؤخرًا، تسلط هذه الوثيقة ضوءًا جديدًا على نوايا فرنسا فيما يخص المناطق النفطية الصحراوية واستراتيجياتها بعد الاستقلال. من خلال مناورات دبلوماسية واقتصادية وجيوسياسية، سعت باريس إلى الحفاظ على سيطرتها على هذه المنطقة الاستراتيجية. صحراء جزائرية ضرورية لفرنسا وفقًا لهذه الوثيقة، اعتبرت فرنسا الصحراء الجزائرية منطقة ذات أهمية قصوى، ليس فقط بسبب مواردها النفطية والغازية، ولكن أيضًا لموقعها الاستراتيجي في شمال إفريقيا. في هذا السياق، كانت باريس تسعى بأي ثمن إلى الحفاظ على نفوذها في المنطقة من خلال فصلها إداريًا عن بقية الجزائر. وقد تجسدت هذه السياسة في عام 1957 بإنشاء مقاطعتين صحراويتين منفصلتين، في خطوة تهدف إلى ضمان استمرار وصول فرنسا إلى حقول النفط والغاز، حتى في حالة استقلال الجزائر. استراتيجية البنية التحتية المدروسة تكشف الوثيقة أيضًا أن فرنسا لم تكن ترغب في بناء خطوط أنابيب للغاز أو النفط تربط الصحر...

17 أكتوبر 1961 — يومٌ كتب الجزائريون فيه بالدم معنى الكرامة

في مساءٍ باردٍ من أمسيات باريس، خرج أبناء الجزائر، حفاةَ القلب لكن شامخي الرأس، يحملون راية الوطن في صمتٍ مهيب، يهتفون للحياة والحرية والكرامة. لكن المستعمر الذي ضاق بصوت الحق، أطلق رصاصه على الجموع، فاهتزّت ضفاف السين بدمٍ طاهرٍ عربيٍّ أمازيغيٍّ جزائريٍّ لا يُنسى. سقطوا شهداء، لا في ساحات الوطن، بل في قلب عاصمةٍ ادّعت الحضارة، لتغسل بدمائهم وجهها الملطّخ بالنفاق. سقطوا وهم يرددون في سرّهم: تحيا الجزائر… ولن تموت. يا من أُلقيتم في نهر السين كأنكم أرقام، أنتم في قلوبنا رايات. أنتم النور الذي لا ينطفئ في ذاكرة الجزائر، أنتم الجسر بين المنفى والوطن، بين الألم والنصر. دماؤكم كانت الوضوء الذي طهّر تراب الاستقلال، وصراخكم في ليل باريس كان الأذان الأول لحرية الجزائر. سبعة عشر أكتوبر لم يكن يوماً من التقويم، بل صفحةً من البطولة، وشاهداً على أن الجزائري لا يركع إلا لله. ومن باريس إلى الجزائر، ظلّ النداء واحداً: لن ننسى… ولن نغفر… وسنبقى أوفياء لدم الشهداء. المجد والخلود لشهداء 17 أكتوبر 1961، ولتحيا الجزائر حرةً أبيةً، كما أرادوها. ✍️ بلقاسم مرباح وطني جزائري، حرّ في قلمه كما في مواقفه. العريض...