حين يتمركز الجيش الوطني الشعبي في ماداما، فإنه لا يحرس بئرًا ولا أنبوبًا، بل يُمسك بالمفتاح الذي يتحكّم في الشمال الشرقي للنيجر بأسره. وهو اختيار يبدو للوهلة الأولى نائيًا، لكنه في حقيقته امتدادٌ طبيعي للعمق الاستراتيجي الذي شيّدته الجزائر في جنوبها الكبير.
في 25 أكتوبر 2026، صادقت غرفتا البرلمان الجزائري على إرسال وحدات من الجيش الوطني الشعبي إلى النيجر بطلب من نيامي، وفي اليوم التالي أقرّ الرئيس عبد المجيد تبون القرار. غير أن الموقع المرشّح، ماداما، أثار التساؤل.
فالمهمة الرسمية تتعلق بحماية مشاريع سوناطراك، بينما تقع ماداما في أقصى الشمال الشرقي للبلاد، على نحو مئة كيلومتر من الحدود الليبية، بعيدًا عن الحقل النفطي «كفرا» وعن مسار أنبوب الغاز العابر للصحراء. لكنها مفارقة ظاهرية فحسب؛ إذ لا يُفهم اختيار ماداما إلا بقراءة خريطة التضاريس، وخريطة طرق الصحراء، وخريطة موازين القوى الإقليمية.
قرار تاريخي… لكنه مدروس
إنه أول انتشار رسمي لقوات جزائرية خارج الحدود منذ حرب 1973، ويمثّل تطورًا في عقيدة دفاعية قامت طويلًا على حماية التراب الوطني ومبدأ عدم التدخل.
ويستند القرار إلى إطار قانوني أرساه التعديل الدستوري لسنة 2020، إذ تُجيز مادته الحادية والتسعون إرسال وحدات إلى الخارج بموافقة ثلثي أعضاء كل غرفة. وقد صوّت مجلس الأمة بـ148 صوتًا مؤيدًا، ثم تبعه المجلس الشعبي الوطني في اليوم ذاته.
ويندرج القرار ضمن مسار متّسق:
- فبراير 2026: زيارة الجنرال تياني إلى الجزائر تطوي صفحة أشهر من التوتر مع دول تحالف دول الساحل.
- أوت 2026: الجزائر تسلّم مروحيات لنيامي، ثم ترسل طائرات «سوخوي 30» إثر تمرّد ليلة 28 إلى 29 أوت، وقد أكّد الرئيس تبون لاحقًا أن هذا الانتشار أسهم في إفشال محاولة انقلابية.
- 21 أكتوبر 2026: الفريق أول السعيد شنقريحة ووزير الدفاع النيجري ساليفو مودي يوقّعان بروتوكول تعاون عسكري.
- 25 و26 أكتوبر 2026: تصويت البرلمان ثم القرار الرئاسي.
وتحرص الجزائر على الشكل: حضورٌ بطلب من دولة ذات سيادة، ومصادقةٌ من الهيئة التشريعية، وهو النقيض التام للعمليات الخارجية المفروضة التي طالما انتقدتها دبلوماسيتها في الساحل.
جغرافيا المفتاح
في قلب الصحراء الكبرى، لا يمرّ المرء حيث يشاء؛ فالتضاريس والماء يحصران الحركة في ممرات قليلة، وماداما تتحكّم في أحدها.
هضاب كالأسوار. يتشكّل الشمال الشرقي للنيجر من هضاب رملية صخرية: جادو ومنقيني وتشيغاي. وتصف اليونسكو هضبة جادو بأنها من أوعر مناطق الصحراء الوسطى وأبعدها منالًا. وتحيط بها جبال تيبستي شرقًا، وطاسيلي ناجر في الشمال الغربي، وجبال آيير في الجنوب الغربي، وفي الجنوب كثبان تينيري وجرف كاوار.
ممرات إجبارية. ينحدر الطريق الرئيسي القادم من فزان الليبية عبر الويغ وتومو نحو واحات كاوار في ديركو وبيلما، سالكًا الممر الواقع بين جادو وتشيغاي حيث تقع ماداما. وإلى الشمال الغربي، يفتح ممر سلفادور، على ارتفاع نحو 874 مترًا، بوابةً ثانية عند ملتقى الحدود الجزائرية والليبية والنيجرية.
الماء، القيد الثاني. تتحدد المسالك بالآبار والواحات، وكل قافلة قادمة من ليبيا مضطرة إلى بلوغ نقاط الماء هذه، مما يجعلها تمرّ في مدى ماداما.
مدرج نادر. حول الحصن الاستعماري، تحتضن أرضٌ منبسطة مدرجًا بطول 1800 متر تقريبًا أعاد الجيش الفرنسي تأهيله سنة 2014، وهو قادر على استقبال طائرات النقل والطائرات المسيّرة، وهذا أمر نادر في المنطقة.
وليس من قبيل المصادفة أن فرنسا أقامت هناك سنة 2014 قاعدة متقدمة لعملية «برخان»؛ فالموقع يقع على المحور الذي يسلكه الجهاديون ومهرّبو السلاح بين الجنوب الليبي والنيجر ومالي.
مثلث جانت – سلفادور – ماداما
ليست ماداما موقعًا معزولًا، بل امتدادٌ لمنظومة قائمة أصلًا في الجنوب الكبير الجزائري.
| الموقع | دوره في المنظومة | المسافة عن ماداما* |
|---|---|---|
| جانت | أقرب قاعدة خلفية، مطار، تغطية غات وطاسيلي | نحو 500 كلم |
| ممر سلفادور | البوابة الشمالية الغربية بين ليبيا والجزائر والنيجر | نحو 210 كلم |
| تمنراست | المركز اللوجستي والجوي الكبير في الجنوب | نحو 850 كلم |
| عين قزام | عقدة حدودية نحو أرليت وأغاديس | نحو 850 كلم |
جانت تحمي الظهر. تحصّنها سلسلة طاسيلي ناجر، وتقع على أقل من مئة كيلومتر من غات في الجانب الليبي، فهي تراقب أصلًا الحدود المباشرة والمدخل إلى ممر سلفادور، ويمكن لمطارها أن يكون محطة لتموين ماداما جوًّا.
ماداما تُغلق المخرج الجنوبي. كانت الجزائر حتى الآن تتحكم في السفح الشمالي لهذه الممرات وحده، ومع ماداما باتت تُمسك بالمخرج من الجهة النيجرية أيضًا.
الممر بين فكّي كمّاشة. بطائرات مسيّرة تنطلق من جانت وماداما، يستطيع الجيش الوطني الشعبي مراقبة الممر الرابط بين فزان وشمال النيجر مراقبةً متواصلة، وفق المبدأ الكلاسيكي لمراقبة الصحراء: الرصد من بعيد، ثم التدخل من قاعدة قريبة.
رصيد التجربة. خاض الجيش الوطني الشعبي مكافحة التمرد في تسعينيات القرن الماضي، ثم الحرب على الإرهاب في الجنوب، وصولًا إلى أزمة تيقنتورين سنة 2013. فالتحكم في المسالك ومقارعة الجماعات المتنقلة جزء أصيل من خبرته.
حماية الاقتصاد عن بُعد
لا تحرس ماداما أي بئر، لكنها تؤمّن الفضاء الذي ترتهن به كل الاستثمارات الجزائرية في النيجر؛ فمن يُمسك بمفتاح الشمال الشرقي يحمي الشمال النيجري كله.
كفرا، رهان بعيد المدى. تنشط سوناطراك منذ 2005، عبر فرعها «سيبكس»، في حقل كفرا الذي تبلغ مساحة رخصته 23737 كلم² في منطقة أغاديس. وقد كشفت عمليات الحفر في 2018 و2019 عن إمكانات معتبرة لم تتحول بعدُ إلى استغلال تجاري، وانطلقت في 13 أوت 2026 حملة جديدة من أربعة آبار استكشافية. كما تدرس سوناطراك حقل بيلما وتنشط في توزيع الوقود.
أنبوب الغاز العابر للصحراء، الرهان الأكبر. يهدف المشروع إلى ربط غاز نيجيريا بالمنشآت الجزائرية عبر النيجر على امتداد نحو 4128 كلم، بطاقة مرتقبة تبلغ 30 مليار متر مكعب سنويًا. وقد انطلقت أشغال المقطع الجزائري في 4 جوان 2026، فيما يُنتظر أن يبدأ المقطع النيجري، بطول 841 كلم، سنة 2027، وهو الأكثر عرضة للمخاطر الأمنية.
في مواجهة الجنوب الليبي: منطق الردع
تضع ماداما الجيش الوطني الشعبي على تماسّ مع فزان، حيث يمتد نفوذ المشير حفتر نحو الساحل، فترسم خطَّ ردعٍ لا جبهةَ قتال.
معسكران متقابلان في الملف الليبي. تدعم الجزائر رسميًا حكومة طرابلس وتدافع عن حل سياسي موحّد، بينما يسيطر حفتر على الشرق وجزء واسع من الجنوب بدعم خاص من الإمارات ومصر. وقد نبّه الدبلوماسي السابق عمار بلاني إلى أن ماداما تبعد نحو 263 كلم عن الويغ، وهو موقع مرتبط بقوات حفتر.
رهان التبو. يعيش التبو على جانبي الحدود، وأغلبهم في ليبيا. ويرى بعض المحللين أن انحيازهم المحتمل إلى حفتر قد يؤثر في استقرار نيامي، وماداما تتيح مراقبة منطقة التماس هذه.
ردعٌ ذو مصداقية. يمتلك الجيش الوطني الشعبي طيرانًا حديثًا وقيادة موحّدة وخبرة راسخة في الحرب غير المتماثلة، في حين تشكّل قوات حفتر تحالفًا أقل تجانسًا، ممتدًا على رقعة شاسعة. وهذا الاختلال يجعل أي استفزاز باهظ الكلفة، وهو الهدف بعينه.
تحرير الجيش النيجري. بتأمين الشمال الشرقي، يتيح الجيش الوطني الشعبي لنيامي تركيز قدراتها في مواجهة الجماعات المسلحة الناشطة في غرب البلاد وجنوبها الغربي.
في حال التصعيد: سيناريوهان
تبقى المواجهة مع قوات حفتر مستبعدة، غير أن فرضيتين تستحقان الدراسة. وفي الحالتين، يميل ميزان القوى بوضوح لصالح الجزائر؛ وإنما يختلف الثمن والمدة.
| السيناريو | الاحتمال | الشكل | ورقة الجزائر | الخطر الرئيسي |
|---|---|---|---|---|
| حرب غير متماثلة | ضعيف، لكنه الأرجح بين الاثنين | جماعات بالوكالة، كمائن، مسيّرات، ضغط على المواقع | خبرة مكافحة التمرد، الاستخبارات، المسيّرات | الاستنزاف وكلفة الإمداد على المدى الطويل |
| مواجهة مباشرة | ضعيف جدًا | اشتباكات مباشرة، ضربات جوية | التفوق الجوي وتماسك القيادة | الكلفة الدبلوماسية والضغوط الخارجية |
السيناريو الأول: حرب غير متماثلة يقودها حفتر
لعجزه عن المنافسة في الميدان التقليدي، قد يجد حفتر مصلحته في التحرك دون أن يكشف وجهه، إذ تبقى قدرته على الإنكار أثمن أوراقه.
- جماعات بالوكالة. ميليشيات محلية، وجماعات مسلحة تشادية أو سودانية منتشرة في فزان، وشبكات تهريب: كلها أطراف قادرة على المشاغلة دون إقحام الجيش الوطني الليبي مباشرة.
- مشاغلة المحاور. كمائن ضد القوافل المتجهة إلى كاوار، وألغام على المسالك، وهجمات على مواقع سوناطراك أو فرق الحفر.
- مسيّرات زهيدة الكلفة. طائرات خفيفة يصعب تحديد مصدرها لاستهداف القاعدة أو محيطها.
- حرب النفوذ. ضغط على القبائل وحملات تضليل لتصوير الجيش الوطني الشعبي قوةَ احتلال.
الرد الجزائري ينطلق من موقع قوة. فالجيش الوطني الشعبي يعرف هذا النوع من الحروب منذ التسعينيات، ويستطيع الاعتماد على الاستخبار البشري لدى الساكنة الرحّل، وعلى مسيّرات تنطلق من جانت وماداما، وعلى وحدات متنقلة بالتنسيق مع الجيش النيجري. والتضاريس في صالحه أيضًا: فقلة الممرات تفرض على الجماعات المعادية المرور حيث تتركّز المراقبة.
في هذا السيناريو، لا يملك حفتر أن ينتصر؛ كل ما يستطيعه هو رفع كلفة الوجود الجزائري. ومفتاح الرد الجزائري هو الإسناد العلني للهجمات، لتجريده من ميزة الإنكار.
السيناريو الثاني: مواجهة مباشرة
يفترض هذا السيناريو شرارةً جسيمة، كسقوط جنود جزائريين في هجوم واضح المصدر. وعندها يكون ميزان القوى مختلًّا اختلالًا كبيرًا.
- السيطرة على الأجواء. بطائرات «سوخوي 30» ومنظومات الدفاع الجوي، يهيمن الجيش الوطني الشعبي على المجال الجوي ويستطيع ضرب مواقع الجنوب الليبي كالويغ، إلى جانب المخازن ومحاور الإمداد.
- خصمٌ مُنهَك بالمسافات. تعمل قوات حفتر في فزان على بعد أكثر من ألف كيلومتر من قواعدها في برقة، بإمداد هشّ وولاءات محلية متقلّبة.
- عمقٌ جزائري. توفّر جانت وتمنراست والجنوب الكبير قواعد خلفية قريبة، وهو ما يفتقر إليه الخصم.
القيود سياسية في المقام الأول. فضرب الأراضي الليبية يعني القطيعة مع عقيدة عدم التدخل التي تتمسك بها الجزائر منذ الاستقلال. غير أن خطر تدويل النزاع ينبغي أن يُقرأ بتحفّظ. فروسيا، المورّد الأول لسلاح الجيش الوطني الشعبي وشريكه الاستراتيجي منذ عقود، لا مصلحة لها في الانقلاب على الجزائر رغم حضورها العسكري في ليبيا. ومصر، وإن دعمت حفتر، تظل مرتبطة بالجزائر بعلاقة تاريخية متينة توطّدت خصوصًا سنة 1973، وستسعى إلى احتواء الأزمة لا إلى الانخراط فيها. وتبقى الإمارات، الداعم الخارجي الأبرز لحفتر، الطرف الوحيد الذي قد يسانده، بالتمويل والمسيّرات أكثر منه بالتدخل المباشر.
والمآل الأرجح تسلسلٌ قصير: ردٌّ جزائري محدد الأهداف لرسم خط أحمر، ثم وساطة. وموسكو والقاهرة، بحكم صلاتهما بالطرفين، هما الأقدر على قيادتها، إذ لا مصلحة لأيّ منهما في حرب مفتوحة في الجنوب الليبي.
حدود المنظومة
إن وجاهة الاختيار لا تلغي قيوده، وثمة ثلاثة مخاطر جديرة بالانتباه.
- الإمداد. لا طريق مباشرًا يربط الجنوب الكبير الجزائري بماداما عبر تينيري، فسيعتمد التموين أساسًا على الجو، وهو مكلف ورهين بالمدرج. كما يُصعّب المناخ والحرارة والعواصف الرملية عمل أجهزة الرصد.
- توسّع المهمة. حماية المصالح الاقتصادية تقتضي تأمين الطرق المؤدية إليها، وقد تتّسع مهمة دفاعية بمرور الوقت أكثر مما كان مقدّرًا. ولم يُكشف عن تعداد المفرزة ولا عن مدة مهمتها.
- الحوادث غير المباشرة. تظل المواجهة المفتوحة مع قوات حفتر مستبعدة، أما الخطر الواقعي فيكمن في أعمال الجماعات بالوكالة وشبكات التهريب، أو في حوادث المسيّرات داخل منطقة يراقبها أكثر من طرف.
خاتمة: أمن الجنوب الكبير يُصان في النيجر أيضًا
تختصر ماداما المقاربة الجزائرية الجديدة في الساحل: بدل حراسة كل منشأة على حدة، يتمركز الجيش الوطني الشعبي في النقطة التي تتحكم في الفضاء كله.
ويقوم هذا الاختيار على ثلاثة منطقات يعضد بعضها بعضًا: فالتضاريس تجعل من ماداما مفتاحًا طبيعيًا، وقربها من جانت يدمجها في عمق استراتيجي قائم، وحماية الشمال النيجري تخدم في آن واحد حقل كفرا وأنبوب الغاز العابر للصحراء واستقرار شريك جار.
وبعبورها حدودها بقوات عسكرية لأول مرة منذ 1973، لا تتخلى الجزائر عن عقيدتها الدفاعية، بل تكيّفها مع جغرافيتها. فأمنها بات يبدأ حيث تبدأ الطرق المؤدية إليها.
* مسافات تقديرية في خط مستقيم.
المصادر
Afrik.com – Drone au Niger : l'Algérie, futur bouclier aérien de Niamey ?
TSA – L'Algérie envoie des troupes au Niger
TSA – L'Algérie déploie son armée au Niger
Algérie Eco – Le Parlement approuve l'envoi d'unités de l'ANP au Niger
AllAfrica / Confidentiel Afrique – Niger-Libye, Tiani-Haftar
Le360 – La nouvelle politique algérienne au Sahel
UNESCO – Plateau et Fortin du Djado
Mountain-forecast – Passe de Salvador
تعليقات
إرسال تعليق