جيوسياسة · الساحل
الجزائر – الإمارات: معركة النفوذ في الساحل
تراهن أبوظبي على الذهب ورؤوس الأموال والخدمات اللوجستية، فيما تملك الجزائر الجغرافيا والطاقة والأمن. ومنذ القطيعة الدبلوماسية في 10 سبتمبر 2026، باتت المنافسة بين البلدين في الساحل علنية. قراءة في موازين القوى وفي الأوراق التي تملكها الجزائر.
بقلم بلقاسم مرباح · 26 أكتوبر 2026
في 10 سبتمبر 2026، أبلغت وزارة الشؤون الخارجية الجزائرية سفير دولة الإمارات العربية المتحدة بقطع العلاقات الدبلوماسية، مع مهلة 48 ساعة لمغادرة التراب الوطني. وتحدث البيان عن «تعدد التصرفات الاستفزازية أو العدائية». وفي اليوم التالي، أُغلق المجال الجوي الجزائري أمام الطائرات الإماراتية. ويأتي هذا القرار تتويجًا لسنوات من التوتر غذّتها الملفات الليبية والسودانية، وعلى وجه الخصوص ملف الساحل. ففي الساحل، الحدود الجنوبية للجزائر، لم تعد المسألة دبلوماسية فحسب، بل صارت تمس الأمن الوطني.
النموذج الإماراتي: نفوذ بلا حدود
لا تتقاسم الإمارات أي حدود مع الساحل، وهذا بالضبط ما يمنح نموذجها مرونته. فنفوذها لا يقوم على الحضور الميداني، بل على شبكات مالية ولوجستية وتجارية.
الذهب، الركيزة الأساسية
تُعد دبي المركز الرئيسي لتجارة ذهب الساحل. ففي عام 2024، بلغت صادرات الذهب الحرفي من تشاد إلى الإمارات وحدها ملياري دولار. كما تقدم أبوظبي نفسها شريكًا تقنيًا لإعادة تنظيم قطاع الذهب، لا سيما في مالي وتشاد. ويمنح هذا الموقع الإمارات ورقة ضغط مباشرة على إيرادات دول ذات ميزانيات هشة، مع ما يثيره من تساؤلات مستمرة حول إمكانية تتبع مصدر هذا الذهب.
دبلوماسية القرب مع السلطات الانتقالية
بعد رحيل القوات الفرنسية وخروج مالي وبوركينا فاسو والنيجر من المجموعة الاقتصادية لدول غرب إفريقيا (إيكواس)، قدمت أبوظبي نفسها شريكًا بلا شروط. وقد أجرى وزير دولة إماراتي، في أقل من 24 ساعة، زيارات متتالية إلى باماكو وواغادوغو ونيامي، ووسّع خلالها بروتوكول الدفاع الموقع مع مالي عام 2019. كما أسفرت اللجنة المشتركة الإماراتية-المالية في أغسطس 2025 عن أحد عشر اتفاقًا تشمل الأمن والزراعة والطاقات المتجددة.
العتاد العسكري والمساعدات الإنسانية
مدرعات سُلّمت لجيوش مالي والنيجر وبوركينا فاسو، ومدرسة عسكرية ممولة في موريتانيا، و30 مليون يورو وُعدت بها القوة المشتركة لمجموعة دول الساحل الخمس: التعاون الأمني حقيقي. أما المساعدات الغذائية، التي تمر عبر المنصات اللوجستية في دبي وأبوظبي، فتخلق من جهتها تبعية صامتة لكنها دائمة.
غير أن لهذا النموذج كلفة متزايدة. فقد وصف تقرير لمحققين أمميين طرق إمداد لقوات الدعم السريع في السودان تمر عبر تشاد وجنوب شرق ليبيا، وهو ما تنفيه الإمارات. وكلما زاد توثيق الحرب في السودان، تراجعت صورة أبوظبي في إفريقيا.
الرد الجزائري: العودة عبر الملموس
كان عام 2025 صعبًا على الجزائر. فبعد حادثة إسقاط الجيش الوطني الشعبي لطائرة مسيّرة مالية في أبريل، استدعت مالي وبوركينا فاسو والنيجر سفراءها. وبدت الجزائر معزولة على جناحها الجنوبي. لكن عام 2026 قلب المعادلة بفضل منهج بسيط: مشاريع ملموسة بدل التصريحات.
أنبوب الغاز العابر للصحراء: من الإعلان إلى الإنجاز
في 16 فبراير 2026، وفي ختام زيارة الجنرال تياني إلى الجزائر، أعلن الرئيس تبون أن سوناطراك ستتكفل بإنجاز المقطع النيجري من أنبوب الغاز العابر للصحراء. وفي مارس، كان فريق من سوناطراك في نيامي لتحضير المسار والتراخيص. وفي 3 يونيو، اعتمدت الجزائر والنيجر ونيجيريا التقرير النهائي لدراسة الجدوى، وابتداءً من 4 يونيو انطلقت أشغال المقطع الجزائري في أولف بولاية أدرار.
المشروع ضخم: 4128 كيلومترًا إجمالًا، منها 841 في النيجر، بطاقة تتراوح بين 20 و30 مليار متر مكعب من الغاز سنويًا، موجهة خصوصًا نحو أوروبا. وهو يمثل لنيامي رسوم عبور وفرص عمل ونقلًا للخبرات، فيما يربط بالنسبة للجزائر النيجرَ بشبكة اعتماد متبادل تمتد لعقود.
في سباق النفوذ، من يُنجز يتفوق على من يَعِد.
العودة الدبلوماسية والأمنية
أصبحت النيجر محور هذه الاستعادة، إذ أُهديت لها أربع مروحيات عسكرية في 9 أغسطس 2026. وتبعتها بوركينا فاسو باتفاقيات في مجالات المناجم والطاقة والمحروقات، وُقّعت خلال زيارة وفد وزاري جزائري إلى واغادوغو في فبراير. أما مالي، الشريك الأصعب، فقد أعلنت في أغسطس رغبتها في طي صفحة التوتر مع الجزائر. وفي روما، أشادت رئيسة مجلس الوزراء الإيطالي بالدور الأساسي للجزائر في استقرار الساحل، في إشارة إلى أن هذه العودة تحظى باعتراف أوروبي أيضًا.
ميزان قوى غير متكافئ
لا يلعب البلدان على الأرضية نفسها. فالجزائر تكسب بالاستمرارية والقرب، والإمارات بالسرعة والمرونة المالية.
| الجزائر | الإمارات العربية المتحدة | |
|---|---|---|
| نقاط القوة | الجغرافيا، الجيش، الغاز، الشرعية التاريخية كوسيط | رؤوس الأموال، مركز دبي المالي، قطاع الذهب، شبكة التحالفات |
| نقاط الضعف | إمكانات مالية أكثر محدودية، جوار متوتر | غياب الحدود، صورة متضررة بسبب الملف السوداني |
| أسلوب العمل | من دولة إلى دولة: الأمن، الطاقة، البنى التحتية | الشبكات: المال، اللوجستيات، تجارة الذهب |
ثلاثة سيناريوهات لـ 2027-2028
منافسة طويلة الأمد
هو السيناريو الأرجح. تعزز الجزائر مكانتها لدى النيجر وبوركينا فاسو عبر الطاقة والأمن، فيما تحتفظ الإمارات بزمام الذهب والمال. وتتعامل عواصم الساحل مع الشريكين معًا، دون منتصر واضح، لكن مع جزائر عادت لتكون لا غنى عنها على الصعيد الأمني.
أفضلية جزائرية
إذا تقدم المقطع النيجري من أنبوب الغاز بالوتيرة المعلنة، وزاد الملف السوداني من عزلة أبوظبي، خاصة لدى الاتحاد الأوروبي والمملكة العربية السعودية، فبإمكان الجزائر أن تعود الشريك الرئيسي لوسط الساحل. وقد جعل الانطلاق الفعلي للأشغال هذا السيناريو أكثر مصداقية مما كان عليه قبل عام.
أفضلية إماراتية
انسحاب روسي من مالي، أو تراجع دائم لأسعار الغاز، أو تسارع الممر الأطلسي المنافس، كلها عوامل قد تخلق فراغًا ستملؤه رؤوس الأموال الإماراتية بسرعة. وستجد الجزائر نفسها حينها أمام جيران أكثر ارتباطًا بأبوظبي، وعلى حدود أقل استقرارًا.
أوراق استعادة زمام المبادرة
إقصاء الإمارات كليًا من الساحل ليس هدفًا واقعيًا، فنفوذها يمر عبر دبي لا عبر الميدان. أما الهدف القابل للتحقيق فهو جعلها شريكًا ثانويًا، من خلال تقديم خيارات أفضل لدول الساحل.
- قطع التبعية للذهب. اقتراح مصافٍ ومراكز شراء إقليمية، وتعزيز مكافحة التهريب على الحدود الجنوبية، حتى لا يمر ذهب الساحل بشكل منهجي عبر دبي.
- الإنجاز بسرعة وبشكل مرئي. جعل المقطع النيجري من أنبوب الغاز واجهة، ومضاعفة المشاريع الملموسة: الربط الكهربائي، الطريق العابر للصحراء، الألياف البصرية، حفر الآبار.
- فرض الذات كشريك أمني مرجعي. إعادة تفعيل لجنة الأركان العملياتية المشتركة (CEMOC) مع مالي وموريتانيا والنيجر، والعمل حصرًا من دولة إلى دولة لتعزيز الثقة المستعادة مع باماكو.
- بناء التحالفات. التقارب مع الرياض والقاهرة، اللتين لهما خلافاتهما الخاصة مع أبوظبي، وإشراك إيطاليا والمؤسسات الإفريقية (البنك الإفريقي للتنمية، أفريكسيم بنك) في تمويل المشاريع لتعويض فارق الإمكانات.
- الاستثمار في الإنسان. منح جامعية، وتكوين الإطارات والضباط، ووسائل إعلام باللغات المحلية: استثمار متواضع بآثار دائمة.
خاتمة
استراتيجية الحكومة الجزائرية متماسكة: فهي تراهن على ما لا تستطيع الإمارات شراءه، أي القرب الجغرافي والأمن والطاقة. وقد بدّد انتقال أنبوب الغاز العابر للصحراء إلى مرحلة الإنجاز جزءًا من الشكوك حول قدرتها على التنفيذ. يبقى الصمود على المدى الطويل: تأمين المسار في النيجر، وتعبئة التمويلات، وتحويل الثقة المستعادة مع تحالف دول الساحل إلى شراكات متينة. على هذه الأرضية، أكثر من أرضية البيانات، سيُحسم مآل هذا التنافس.
◆ ◆ ◆
تعليقات
إرسال تعليق