رأي · فرنسا
إطلاق النار في تراب ولا فيريير: كفى نفاقًا!
الوحش الحقيقي ليس فقط من يرتكب المجزرة، بل هو أيضًا من يُسهم في صنع المناخ الذي تصبح فيه الوحشية ممكنة، من يزرع الكراهية ثم يحصد الثمار المسمومة لخطاباته.
ما نعرفه. صباح يوم الجمعة 23 أكتوبر 2026، نحو الساعة العاشرة والنصف، أطلق رجل النار مرّات عدّة من داخل سيارة في بلدتَي تراب ولا فيريير بمقاطعة إيفلين. واستهدف خصوصًا محطة وقود ومركزًا صحيًّا وساحة لعب للأطفال. قُتل شاب في السادسة والعشرين من عمره، وأصيب عدّة أشخاص، من بينهم طفلة في الثانية عشرة إصابتها بالغة الخطورة.
أوقفت فرقة مكافحة الجريمة المشتبه به في بلدة كوانيار. وكان قد فخّخ مسكنه في بلدة بليزير بقوارير غاز. وتولّت النيابة الوطنية لمكافحة الإرهاب التحقيق بتهمة القتل العمد ومحاولات القتل العمد المرتبطة بمشروع إرهابي، مع الظرف المشدّد المتمثّل في ارتكاب الجرائم بسبب الأصل أو الدين، الحقيقي أو المفترض، للضحايا. وقد عُلّق الاحتجاز الاحتياطي للمشتبه به منذ ذلك الحين لإخضاعه لفترة مراقبة نفسية.
ثمّة صباحات ينظر فيها بلد إلى نفسه في المرآة فلا يعجبه ما يرى. في الثالث والعشرين من أكتوبر، في تراب ولا فيريير، جاب رجل مسلّح برشّاش أحياءً شعبية يطلق النار على المارّة. مات شاب، وتصارع طفلة في الثانية عشرة من أجل حياتها. تحدّث رئيس بلدية تراب عن احتمال هجوم عنصري، معاديًا للإسلام على الأرجح. وقال رئيس بلدية لا فيريير إنّ مطلق النار بدا وكأنّه يستهدف أشخاصًا ملوّنين. ووصف وزير الداخلية ما جرى بالجريمة الإرهابية. أمّا القضاء، فقد احتفظ بالدافع المرتبط بأصل الضحايا أو دينهم.
أمام مأساة كهذه، تفرض الحِشمة أوّلًا أن نبكي الضحايا. لكنّها تفرض أيضًا أن نطرح سؤالًا يودّ كثيرون التهرّب منه: كيف وصلنا إلى هنا؟
الجريمة والمناخ
الإرهابي هو أوّلًا المجرم الذي قرّر أن يحمل سلاحًا ويطلق النار على أبرياء لأنّهم مسلمون أو من أصول أجنبية، أو يبدون كذلك. مسؤوليته كاملة، وهي من اختصاص القضاء الجنائي. ولا شيء يخفّفها.
لكنّ الانتقال إلى الفعل لا يولد أبدًا من فراغ. إنّه يتغذّى من مخيال، ومن مفردات، ومن شعور بالشرعية. ويستند إلى فكرة تُكرَّر حتى الغثيان، مفادها أنّ جزءًا من السكان يمثّل تهديدًا، وجسمًا غريبًا، وعدوًّا من الداخل. ليس في قول ذلك إساءة إلى الحقيقة، بل هو شرط النظر إليها وجهًا لوجه.
إنّ المسؤولية الأخلاقية والسياسية تطال إذن أيضًا أولئك الذين حوّلوا البلاتوهات التلفزيونية إلى منابر للوصم، والذين جعلوا من شيطنة المسلمين تجارة رابحة، ومن تأجيج الكراهية أداة للسلطة.
من يُشعل الفتيل ليس دائمًا من يمسك السلاح. لكنّه يعرف ما يفعل حين يصبّ البنزين.
صناعة العدوّ الداخلي
الآلية معروفة، وهي ذات فعالية مخيفة. تبدأ بالخلط: حادثة عابرة، أو فعل معزول، أو سلوك فردي، يصبح الدليل المزعوم على الطبيعة العميقة لجماعة بأكملها. ثمّ تستمرّ بالتكرار: يومًا بعد يوم، وبرنامجًا بعد برنامج، يعود الشكّ ذاته حتى يبدو بديهيًّا. وتنتهي بنزع الإنسانية: يكفّ الجار والزميل والمواطن عن أن يكون إنسانًا ليصير فئة، ثمّ تهديدًا.
إنّ تجّار الكراهية هؤلاء، وسماسرة الفرقة، ومحترفي الاستفزاز، يسمّمون العقول وهم يتدثّرون بثوب حرّية التعبير. يصفون ملايين المسلمين بأنّهم أعداء للمجتمع، ثمّ يتظاهرون بالبراءة حين تتحوّل خطابات الكراهية إلى أفعال إجرامية. وحين يُختزل المواطن في دينه، وحين يُقدَّم فرنسيّ على أنّه مشبوه بسبب إيمانه، فنحن أمام انحراف خطير لا يمكن لأحد أن يدّعي جهل عواقبه.
كفى نفاقًا. لا يمكن ادّعاء مكافحة العنف مع التطبيع في الوقت ذاته مع الخطابات التي تغذّي الأحكام المسبقة والضغائن والعداء تجاه جزء كامل من السكان. ولا يمكن البكاء على الوحدة الوطنية مع الإسهام، كلّ مساء، في تأليب المواطنين بعضهم على بعض.
حرّية التعبير ليست حصانة
لنكن واضحين مع ذلك: المسؤولية الجنائية عن إطلاق النار تقع على عاتق مرتكبه، وعلى عاتقه وحده ما لم يُثبت التحقيق خلاف ذلك. إنّ التنديد بخطابات الكراهية لا يعني تبرير الجريمة، ولا الدعوة إلى الانتقام، ولا تقديم أحد كبش فداء للغضب العامّ. بل يعني المطالبة بأن يُحاسَب كلّ امرئ على أفعاله.
وفرنسا ليست عاجزة في هذا الشأن. فمنذ عام 1881، يعاقب قانون حرّية الصحافة على التحريض على التمييز أو الكراهية أو العنف بسبب الدين أو الأصل. وعلى القنوات التلفزيونية التزامات، وثمّة هيئة تنظيمية مكلّفة بفرض احترامها. فالمشكلة إذن ليست في غياب القواعد، بل في التساهل الذي تُطبَّق به، وفي الحصانة الفعلية التي يتمتّع بها من يملكون ميكروفونًا أو جمهورًا أو نفوذًا إعلاميًّا.
حرّية التعبير قيمة ثمينة. إنّها تحمي النقاش والنقد، بما في ذلك نقد الأديان. لكنّها لم تُصمَّم يومًا لحماية تعيين كبش فداء. والخلط بين الأمرين خيانة للحرّية ذاتها.
الصمت أمام هذا الانحراف ليس حكمة. والتسامح مع العنصرية ليس تسامحًا.
ما تدين به الجمهورية لجميع أبنائها
فرنسا ليست بحاجة إلى مزيد من مُضرمي الحرائق الإعلاميين، ولا إلى تجّار الخوف، ولا إلى دعاة الفرقة. إنّها بحاجة إلى العدالة، وإلى تحمّل المسؤولية، وإلى الشجاعة السياسية. وعليها أن تكافح العنصرية بلا مهادنة، سواء استهدفت المسلمين أو اليهود أو السود أو أيّ أحد. وعليها أن ترفض أن يصبح المسلمون كبش الفداء المريح لكلّ أزمات البلاد.
إنّ الشجاعة السياسية اليوم لا تقتصر على التعبير عن التأثّر. بل تعني تسمية الجريمة باسمها، والوقوف إلى جانب الضحايا وعائلاتهم، وطمأنة سكّان يتساءلون إن كان بإمكانهم بعد اليوم اصطحاب أطفالهم إلى ساحة اللعب. وتعني أيضًا أن نتساءل جماعيًّا عن نصيب كلّ منّا في المناخ الذي يجعل مثل هذه الأفعال قابلة للتصوّر.
احذروا اللعب بالنار!
الكلمات ليست دائمًا بريئة. فالخلط المتكرّر، ونزع الإنسانية، وتطبيع الكراهية، ليست مجرّد تسلية تلفزيونية. وحين لا تجد ردًّا، فإنّ المجتمع بأسره يدفع الثمن. وانتظار وقوع المأساة للتعبير عن الغضب ليس سياسة.
فإمّا أن تدافع فرنسا حقًّا عن المساواة والعدالة والتعايش بين جميع مواطنيها، وإمّا أن يواصل تجّار الكراهية جرّها نحو شرخ اجتماعي لن يخرج منه أحد منتصرًا.
✦ ✦ ✦
تعليقات
إرسال تعليق