افتتاحية · شؤون مغاربية
بنكيران: «أمّه جزائرية ويحفظ القرآن؟»… جحودٌ في ثوب الدعابة
سخر رئيس الحكومة المغربية الأسبق من دين الجزائريين، ونسي أنّ الإسلام بلغ بلاده عابرًا أرض الجزائر، وأنّ الطريقة التي يتباهى بها المغرب وُلدت على تراب جزائري.
ثمّة كلماتٌ تُدين قائلها أبلغ من أيّ مرافعة، وعبارة عبد الإله بنكيران الأخيرة منها. ففي اللقاء الأسبوعي لفريق حزبه بمجلس النواب في الرباط، وحين اقتُرح اسم النائب مصطفى الإبراهيمي لافتتاح الجلسة بتلاوة آيةٍ من الذكر الحكيم، لم يجد الأمين العام لحزب العدالة والتنمية ما يقوله سوى التهكّم: «وخّا مّو جزائرية كيعرف يقرا القرآن؟». ثم ضحك، وضحكت القاعة معه.
إنّها ضحكةُ عار. فليست هذه زلّة مغمورٍ على مواقع التواصل، بل كلام رجلٍ حكم بلدًا، ولا يزال يقود حزبًا يتدثّر بالمرجعية الإسلامية، وبنى مسيرته على ادّعاء حراسة الدين والأخلاق. وها هو هذا «الحارس» يشكّك، بجملةٍ واحدة، في تديّن شعبٍ مسلمٍ بأكمله. ولا ندري أيّها الغالب هنا: الجهل، أم الغرور، أم الدناءة.
الإسلام بلغ المغرب عبر الجزائر
وما دام السيد بنكيران قد نسي دروس التاريخ، فلنذكّره بها. لم يولد الإسلام في الرباط ولا في فاس، بل جاء من المشرق، ولم يكن له أن يبلغ أقصى المغرب إلا عابرًا المغرب الأوسط، أي جزائر اليوم. فهناك، في نواحي تلمسان، حمل أبو المهاجر دينار رسالة الإسلام واستمال الزعيم الأمازيغي كسيلة. وعبر هذه الأرض نفسها قاد عقبة بن نافع زحفه الكبير نحو المحيط الأطلسي، نحو سنة 62 للهجرة. فقبل أن يُبلَّغ القرآن في المغرب، كان يُتلى في الجزائر.
فيا للمفارقة! يتساءل بنكيران إن كان الجزائريون يحسنون قراءة القرآن، وما وصل هذا القرآن إلى أجداده إلا مارًّا بأرضهم. إنه التلميذ يتطاول فيمتحن أستاذه.
قبل أن يُبلَّغ القرآن في المغرب، كان يُتلى في الجزائر.
التجانية… كنزٌ جزائري
وتزداد الإساءة سخفًا حين نستحضر الطريقة التجانية. فهذه الطريقة الصوفية، وهي من أوسع الطرق انتشارًا في العالم الإسلامي، يتّبعها الملايين من السنغال إلى نيجيريا، ومن مالي إلى السودان، وُلدت في الجزائر. فمؤسّسها سيدي أحمد التجاني وُلد سنة 1737 في عين ماضي قرب الأغواط، وفي الجزائر، بواحة بوسمغون، أسّس طريقته قبل أن يستقرّ في فاس حيث دُفن. ولا تزال عين ماضي وتماسين إلى اليوم منارتين حيّتين لهذه الطريقة.
إنّ المغرب يستمدّ من ضريح فاس إشعاعًا روحيًا ودبلوماسيًا واسعًا في إفريقيا، وهو مدينٌ بذلك لرجلٍ جزائري. فأن يسخر زعيمٌ مغربي من دين الجزائريين وهو ينعم بميراث وليٍّ جزائري، فذلك جحودٌ يلامس الوقاحة.
أرض العلماء والشهداء
وهل نحتاج بعد ذلك إلى التذكير بالزوايا والكتاتيب التي حفظت جذوة الإيمان قرونًا؟ وبعبد الحميد بن باديس وجمعية العلماء المسلمين الجزائريين الذين أنقذوا العربية والدين من استعمارٍ أراد محوهما؟ وبأجيال المجاهدين الذين صعدوا إلى الجبال باسم الله والوطن؟ مئةٌ واثنان وثلاثون عامًا والشعب الجزائري يذود عن عقيدته بدمه، وما زال أطفاله إلى اليوم يحصدون الجوائز في المسابقات الدولية لحفظ القرآن الكريم.
إنّ شعبًا كهذا لا يتلقّى دروسًا في التديّن من أحد، وقطعًا ليس من خطيبٍ يتسوّل الضحك الرخيص.
عذرٌ أقبح من ذنب
ولمّا اشتدّ الاستنكار، حاول بنكيران تدارك الموقف، فزعم أنه «يفتخر» بالأصول الجزائرية لنائبه، ثم أردف، ضاحكًا دائمًا، بأنّ الجزائريين «راسهم قاسح». أراد أن يمحو صورةً نمطية فأتبعها بأخرى. ذلك ليس اعتذارًا، بل عودٌ إلى الإساءة. ولم يصدر عنه حرفُ ندمٍ واحد، لا للنائب، ولا لوالدته، ولا للشعب الجزائري.
عَرَضٌ لمناخٍ عام
ليست هذه الواقعة زلّةً عابرة، بل حلقةٌ في مناخٍ صار فيه النيلُ من الجزائر، لدى دوائر سياسية وإعلامية في المملكة، ردّةَ فعلٍ مربحة: الطعن في الجار يُضحك، ويحشد، ويصرف الأنظار عن المشكلات الحقيقية. وحين يبلغ هذا المنعكس رئيسَ حكومةٍ سابقًا في قلب اجتماعٍ برلماني، فذاك دليلٌ على أنه تجذّر عميقًا.
ويبلغ النفاق ذروته حين نتذكّر أنّ حزب بنكيران هو الذي وقّع، بيد خلفه سعد الدين العثماني، على اتفاق التطبيع مع الكيان الصهيوني. ومن ابتلع تلك الخطيئة لا يملك ذرّةً من الأهلية ليحاكم إيمان الآخرين.
الحكم
حين سخر عبد الإله بنكيران من دين الجزائريين، لم ينل من الجزائر شيئًا. بل كشف جهله بتاريخ بلاده، وتنكّر للدَّين الروحي الذي يدين به لجيرانه، وحطّ من قدر المنصب الذي شغله يومًا.
﴿ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا يَسْخَرْ قَوْمٌ مِّن قَوْمٍ عَسَىٰ أَن يَكُونُوا خَيْرًا مِّنْهُمْ ﴾
سورة الحجرات، الآية 11
وكان الأجدر بالسيد بنكيران، وهو الذي دأب على الاستشهاد بالآيات القرآنية، أن يتدبّر هذه الآية ويستحضر معانيها قبل أن يطلق لسانه، وأن يتذكّر جيدًا من أيّ طريقٍ وصل إليه القرآن الذي يستشهد به اليوم.
بلقاسم مرباح
تعليقات
إرسال تعليق