تحليل · المغرب العربي والقوى الكبرى
أراد جزءٌ من الصحافة أن يرى في قمة موسكو منعطفاً في ملف الصحراء الغربية، غير أنّ الوقائع تروي قصةً مغايرة تماماً: قصةَ ثباتٍ في الموقف الروسي، وشراكةٍ جزائرية–روسية لم يمسّها شيء.
بقلم بلقاسم مرباح · 30 أكتوبر 2026
ما إن افتُتحت القمة الروسية–الإفريقية الثالثة في موسكو يوم 28 أكتوبر، حتى سارع جزءٌ من الصحافة المغربية إلى الحديث عن «صفعة» للجزائر و«منعطف» في الموقف الروسي من الصحراء الغربية. والحجّة المرفوعة: أنّ الجمهورية العربية الصحراوية الديمقراطية لم تُدعَ إلى القمة. قراءةٌ مغرية لمن يرغب في تصديقها، لكنها لا تصمد طويلاً أمام محكّ الوقائع.
حدثٌ عاديّ يُقدَّم في ثوب الفتح
الانتصار يفترض تغيّراً، ولم يتغيّر شيء. فالجمهورية الصحراوية لم تُدعَ إلى سوتشي سنة 2019، ولا إلى سان بطرسبرغ سنة 2023. ولم يعترف بها الاتحاد السوفياتي يوماً، ولا روسيا الاتحادية من بعده. وموسكو في 2026 إنما تلتزم القاعدة ذاتها التي اعتمدتها منذ الدورة الأولى: صيغةٌ ثنائية تُبنى خارج إطار الاتحاد الإفريقي، وتقتصر على الدول الأعضاء في الأمم المتحدة.
إنّ تقديم استمرار ممارسةٍ عمرها سبع سنوات على أنه نجاحٌ دبلوماسي خلطٌ بين الاستمرارية والمكسب. فالرباط لم تحصل في أكتوبر 2026 على شيء لم يكن في يدها منذ 2019.
معيارٌ شكليّ لا موقفٌ من جوهر النزاع
المعيار الذي اعتمدته موسكو لا يقول شيئاً عن السيادة على الإقليم. فروسيا لا تعترف بالسيادة المغربية على الصحراء الغربية، ولا تتبنّى مخطط الحكم الذاتي حلاً وحيداً. وموقفها الرسمي ما يزال قائماً على تسويةٍ في إطار الأمم المتحدة.
وفي مجلس الأمن، لا تصوّت موسكو إلى جانب الرباط، بل تمتنع عادةً عن التصويت على القرارات المتعلقة بالصحراء، متمايزةً بذلك عن الصياغات التي تحملها واشنطن. ولو أرادت روسيا أن تبعث إشارة تقاربٍ مع المغرب، لفعلت ذلك في نيويورك، لا عبر غياب بطاقة دعوة في موسكو.
لو أرادت روسيا أن تبعث إشارة تقاربٍ مع المغرب، لفعلت ذلك في نيويورك، لا عبر غياب بطاقة دعوة في موسكو.
بل إنّ انتقائية هذا المعيار نفسها تؤكد ذلك؛ فروسيا اعترفت بأبخازيا وأوسيتيا الجنوبية، وهما ليستا عضوين في الأمم المتحدة. فحجّة «الدول المعترف بها وحدها» أقرب إلى اختيارٍ تنظيمي منها إلى عقيدةٍ ثابتة، وهو اختيارٌ يرمي قبل كل شيء إلى ألّا تتحول القمة رهينةً لخلافٍ بين شريكين لموسكو.
الركيزة الجزائرية–الروسية باقية كما هي
تقوم العلاقات بين الجزائر وموسكو على ركيزةٍ لا تهزّها قائمة مدعوّين. فإعلان الشراكة الاستراتيجية الموقّع سنة 2001 تعمّق سنة 2023 خلال زيارة الدولة التي قام بها الرئيس تبون. وما تزال الجزائر من أوائل زبائن الصناعة الدفاعية الروسية في إفريقيا. ويواصل التعاون العسكري، والتنسيق داخل المنتديات الطاقوية، والتقارب حول إصلاح الحوكمة العالمية، رسمَ ملامح هذه العلاقة.
إنها علاقة دولةٍ بدولة، راسخةٌ في الزمن، ومنسجمةٌ مع عقيدة عدم الانحياز التي تتمسّك بها الجزائر. ولا يتوقف مصيرها على حضور الجمهورية الصحراوية في قمةٍ تنظّمها موسكو.
المغرب شريكٌ تجاريّ لا حليفٌ استراتيجي
في المقابل، تبقى العلاقات الروسية–المغربية حقيقيةً لكنها محدودة النطاق: الصيد البحري، وتجارة الحبوب والأسمدة، وبعض المبادلات الاقتصادية. أما على الصعيد الاستراتيجي، فقد حسم المغرب خياراته؛ فهو حليفٌ رئيسي من خارج حلف شمال الأطلسي منذ 2004، وتقارب مع إسرائيل في إطار اتفاقيات التطبيع سنة 2020. وانتماؤه الأمني غربيٌّ بوضوح.
تُراعي موسكو الرباط كما تُراعي معظم محاوريها الأفارقة، وهي في سعيٍ حثيث إلى كسب الدعم في وجه العزلة الغربية. لكنّ المراعاة ليست اصطفافاً، ولا شيء في قمة موسكو يدلّ على تقاربٍ استراتيجي بين روسيا والمغرب.
دبلوماسية العناوين
يبقى السؤال: لماذا أثار حدثٌ عاديّ كلّ هذا الضجيج؟ للتوقيت نصيبٌ كبير في ذلك؛ إذ انعقدت القمة في خضمّ مفاوضات مجلس الأمن حول الصحراء الغربية، حيث تُرصد كل إشارة وتُضخَّم، بل وتُختلق أحياناً. فبعض الأخبار التي جرى تداولها على نطاق واسع، كخبر منع ممثلين صحراويين من دخول قاعة الأشغال، تستند إلى مصدرٍ وحيد، ولم يؤكدها أيّ مصدرٍ مستقل.
خلاصة القول
تُقاس الدبلوماسية بالتصويت والمعاهدات والالتزامات، لا بعدد المقاعد الشاغرة في قاعة مؤتمرات. وبهذا المقياس، لم تُغيّر قمة موسكو لا الموقف الروسي من الصحراء الغربية، ولا توازن علاقات موسكو في المغرب العربي.
— بلقاسم مرباح
تعليقات
إرسال تعليق