الصحراء الغربية: حين تخلط "هسبريس" بين المسودة والحكم النهائي
ردٌّ على مقال "مسودة واشنطن حول الصحراء تضع الجزائر والبوليساريو أمام خيارات صعبة"
لو صدّقنا ما نشرته "هسبريس"، لكانت مجرّد مسودة أولية لمشروع قرار أمريكي كافية لمحاصرة الجزائر وبثّ "الذعر" في صفوف جبهة البوليساريو. العنوان يتحدّث عن "خيارات صعبة"، والرسم الكاريكاتوري يصوّر البوليساريو معزولة، والمتحدّثان الوحيدان في المقال يخلصان إلى "ضربة قاضية". روايةٌ مغرية لقارئ مقتنعٍ سلفاً، لكنها لا تصمد أمام القراءة المتأنية، وأولها قراءة المقال نفسه.
أولاً: المسودة ليست قراراً
يقوم البناء كلّه على صيغة أولية وُزّعت في الكواليس ولم تُنشر رسمياً. والخبير الثاني الذي استجوبته "هسبريس"، هشام معتضد، يقرّ بنفسه بأن المسودات الأولية قابلة للتعديل ولا تكتسب أي صفة إلزامية بمجرّد تداولها. وسابقة سنة 2025 تدعو إلى الحذر: فالمسودة الأمريكية للعام الماضي قُدّمت هي الأخرى على أنها قطيعة نهائية، ثم رُوجعت ثلاث مرات ونوقشت مطوّلاً داخل مجلس الأمن منذ صيغتها الأولى في 22 أكتوبر. إعلان النصر على أساس مسودة، هو بيعٌ لجلد الدبّ قبل اصطياده.
ثانياً: القرار 2797 لا يقول ما يُنسب إليه
يقدّم المقال القرار 2797 وكأنه شهادة وفاة لحقّ تقرير المصير. غير أن نصّه النهائي يبدأ بالتذكير بجميع قرارات مجلس الأمن السابقة بشأن الصحراء الغربية وإعادة تأكيدها. وتنصّ فقرته التنفيذية على البحث عن حلّ سياسي نهائي ومقبول من الطرفين يكفل تقرير المصير لشعب الصحراء الغربية، ولا يزيد على اعتبار أن حكماً ذاتياً حقيقياً "قد يمثّل" أحد أكثر الحلول قابلية للتطبيق. وصيغة الاحتمال ليست تكريساً.
ومن ثَمّ، فإن الادّعاء بأن نصاً جديداً سيجعل القرار 2797 "المرجعية الوحيدة" ويُلغي كل ما سبقه، يستند في الواقع إلى قرارٍ أعاد هو نفسه تأكيد كل ما سبقه.
ثالثاً: "إجماع" لم يكن إجماعاً
تُغفل رواية "العزلة الجزائرية" تفصيلاً جوهرياً: لقد اعتُمد القرار 2797 بأحد عشر صوتاً مؤيداً، دون أي صوت معارض، مع امتناع ثلاث دول هي روسيا والصين وباكستان. أي أن عضوين دائمين في مجلس الأمن رفضا منح النصّ تزكيتهما. وهذا أبعد ما يكون عن الإجماع الذي يبشّر به بعض المعلّقين منذ الآن لتصويت نهاية الشهر.
رابعاً: مصادر منتقاة ومعجم دعائي
لم تمنح "هسبريس" الكلمة إلا لصوتين: قيادي سابق في البوليساريو انتقل إلى الضفة المغربية، وباحث مغربي. لا صوت صحراوي، ولا دبلوماسي جزائري، ولا خبير قانوني مستقل. ثم يتكفّل المعجم بالباقي: "الذعر"، "الأطروحات المتجاوزة"، "الجبهة الانفصالية". هذا ليس عملاً إخبارياً، بل بيان انتصار.
خامساً: الاعتراف غير المقصود
أكثر مقاطع المقال دلالةً هو ذاك الذي يحتفي بكون النصّ لا يوجّه أي مطلب إلى المغرب، ويُلقي بكامل الالتزامات على عاتق البوليساريو والجزائر. والحال أن نصاً يُحمّل طرفاً واحداً كل الأعباء لا يمكن أن يُفضي إلى حلّ "مقبول من الطرفين"، وهو الهدف المعلن لمجلس الأمن نفسه. فالتسوية لا تُفرض، بل يُتفاوض عليها.
سادساً: القانون الدولي لم يتغيّر
لا تزال الصحراء الغربية مدرجة على قائمة الأمم المتحدة للأقاليم غير المتمتّعة بالحكم الذاتي. ولم يعترف الرأي الاستشاري لمحكمة العدل الدولية سنة 1975 بأي رابطة سيادة إقليمية تبرّر الضمّ. وفي سنة 2024، ذكّرت محكمة العدل للاتحاد الأوروبي بأن موافقة شعب الصحراء الغربية شرطٌ لأي اتفاق يشمل هذا الإقليم. ولا توجد مسودة دبلوماسية قادرة على إلغاء هذه الأسس.
سابعاً: الجزائر ليست طرفاً في النزاع
يكرّر المقال أن الجزائر في "مأزق حقيقي". غير أن الجزائر ما فتئت تؤكّد أنها ليست طرفاً ولا صاحبة مطالب ترابية، وأنها تدافع عن مبدأ كرّسه ميثاق الأمم المتحدة. بل إن وزير الخارجية أحمد عطاف صرّح، بعد اعتماد القرار 2797، بأن هذا القرار حافظ على جميع ثوابت حلّ قضية الصحراء الغربية. وموقف الحكومة الجزائرية القائمة لم يتبدّل: ستدعم كل حلّ يقبله الشعب الصحراوي بإرادته الحرّة.
خاتمة
منذ خمسين عاماً، يحمل كل شهر أكتوبر نصيبه من الإعلانات عن "نهاية" القضية الصحراوية. ومع ذلك، لا يزال الملف مدرجاً على جدول أعمال مجلس الأمن، وهذا وحده دليل على أنه لم يُحسم بعد. فلننتظر التصويت النهائي: هناك، لا على صفحات "هسبريس"، ستُكتب الحلقة القادمة.
بلقاسم مرباح

تعليقات
إرسال تعليق