التخطي إلى المحتوى الرئيسي

الصحراء الغربية: الحكم الذاتي ليس تقرير المصير

تحليل · القانون الدولي

بقلم بلقاسم مرباح

الصحراء الغربية، إقليم غير متمتع بالحكم الذاتي مدرج في قائمة الأمم المتحدة منذ عام 1963 (خريطة تخطيطية).

مع اقتراب موعد 31 أكتوبر 2026، وهو التاريخ الذي يُنتظر أن يبتّ فيه مجلس الأمن في مستقبل بعثة المينورسو، تُلحّ الدبلوماسية المغربية على فكرة بسيطة: أنّ تقرير مصير الشعب الصحراوي قد صار يتحقق بالحكم الذاتي، وبالحكم الذاتي وحده. وهذا الاستدلال جدير بالفحص الدقيق، لأنه يقوم على مقدّمة لم يُقرّها القانون الدولي قط: أنّ سيادة المغرب على الصحراء الغربية أمرٌ محسوم، وأنه لم يبقَ سوى تنظيم ممارستها.

والحال أنّ هذه السيادة هي بعينها موضوع النزاع. وأن يُجعل منطلقًا ما ينبغي أن يكون ثمرة اختيار حرّ، فذلك إفراغٌ لحقّ تقرير المصير من مضمونه مع الإبقاء على لفظه.

01تعريف مفصَّل على المقاس

المبادرة المغربية للحكم الذاتي، التي أُحيلت إلى الأمم المتحدة في أبريل 2007، صريحة في هذا الباب. فهي تُدرج النظام المقترح «في إطار سيادة المملكة ووحدتها الوطنية»، ثم تنصّ على أنّ هذا النظام، بعد التفاوض عليه، يُعرض على «السكان المعنيين» في استشارة استفتائية، تُعدّ بحسب النص ممارسةً حرّة لحقهم في تقرير المصير.

إنه بناء بارع. فالشعب المعنيّ لا يختار وضعه، بل يصادق، أو لا يصادق، على وضعٍ حُدِّد إطاره السيادي قبله ومن دونه. والاستقلال هنا ليس خيارًا أسقطته صناديق الاقتراع، بل خيارٌ سُحب من ورقة التصويت. وبهذا الانزلاق يتحوّل حقّ الاختيار إلى مجرّد إجراء شكلي للموافقة.

02ما الذي يقوله قانون الأمم المتحدة حقًّا؟

قانون تصفية الاستعمار ليس مادة غامضة. فقد دوّنته الجمعية العامة في ثلاثة نصوص يكمّل بعضها بعضًا.

  • القرار 1514 (د-15) المؤرخ في 14 ديسمبر 1960 يعلن أنّ لجميع الشعوب الحقّ في تقرير مصيرها، وأنها بمقتضى هذا الحق تحدّد بحرية مركزها السياسي. فصاحب الحق هو الشعب، لا القوة التي تسيطر على الإقليم.
  • القرار 1541 (د-15) المؤرخ في 15 ديسمبر 1960 يحدّد، في مبدئه السادس، السبل التي يبلغ بها الإقليم غير المتمتع بالحكم الذاتي قدرًا كاملًا من الحكم الذاتي: الاستقلال، أو الارتباط الحرّ بدولة مستقلة، أو الاندماج في دولة مستقلة. ويضيف أنّ الارتباط والاندماج يجب أن يكونا نتيجة اختيار حرّ وطوعي، يُعبَّر عنه بوسائل ديمقراطية وعن علم ودراية.
  • القرار 2625 (د-25) المؤرخ في 24 أكتوبر 1970 يقبل أيّ مركز سياسي آخر، بشرط صريح هو أن يكون مما «يقرّره الشعب بحرية». ويذكّر على وجه الخصوص بأنّ لإقليم المستعمرة أو الإقليم غير المتمتع بالحكم الذاتي وضعًا مستقلًّا ومتميّزًا عن إقليم الدولة القائمة بإدارته.

ويترتّب على ذلك درسان. الأول أنّ الحكم الذاتي ليس محظورًا البتّة، بل قد يكون مخرجًا مشروعًا تمامًا. والثاني أنه لا يكون كذلك إلا بشرط واحد: أن يُختار من بين خيارات أخرى مفتوحة فعلًا. فالحكم الذاتي المختار تقريرٌ للمصير، والحكم الذاتي المفروض أفقًا وحيدًا ليس إلا مظهرًا له.

الحكم الذاتي المختار تقريرٌ للمصير، والحكم الذاتي المفروض أفقًا وحيدًا ليس إلا مظهرًا له.

03مقدّمة السيادة لا تصمد أمام الفحص

الصحراء الغربية مدرجة منذ عام 1963 في قائمة الأمم المتحدة للأقاليم غير المتمتعة بالحكم الذاتي. ومنذ عام 1966 طالب القرار 2229 (د-21) إسبانيا بتنظيم استفتاء فيها تحت رعاية الأمم المتحدة.

وبطلب من الجمعية العامة، أصدرت محكمة العدل الدولية في 16 أكتوبر 1975 رأيًا استشاريًّا لا لبس فيه. فقد أقرّت بوجود روابط بيعة بين السلطان وبعض القبائل، لكنها خلصت إلى أنّ العناصر المعروضة عليها لا تثبت أيّ رابطة سيادة إقليمية بين الصحراء الغربية والمملكة المغربية. ومن ثَمّ لم تجد ما من شأنه أن يغيّر تطبيق القرار 1514 ومبدأ تقرير المصير عبر التعبير الحرّ والحقيقي عن إرادة سكان الإقليم.

وما تلا ذلك يؤكد هذه القراءة:

  • قرار الجمعية العامة 34/37 (1979) يأسف لتفاقم الوضع الناجم عن استمرار احتلال المغرب للصحراء الغربية؛
  • رأي المستشار القانوني للأمم المتحدة، هانس كوريل، المؤرخ في 29 يناير 2002، يسجّل أنّ اتفاق مدريد لعام 1975 لم ينقل أيّ سيادة ولم يمنح أيًّا من الموقّعين صفة الدولة القائمة بالإدارة؛
  • محكمة العدل الأوروبية، في 2016 و2018 ثم في أحكامها الصادرة في 4 أكتوبر 2024، تقضي بأنّ للصحراء الغربية وضعًا مستقلًّا ومتميّزًا عن وضع المغرب، وبأنّ الموافقة المطلوبة هي موافقة شعب الإقليم، وهو لا يتطابق مع السكان المقيمين فيه اليوم.

وهذا التدقيق الأخير يمسّ لبّ المسألة. فالقانون الدولي يتحدث عن «شعب الصحراء الغربية»، والنص المغربي يتحدث عن «السكان المعنيين». وليس الفارق أسلوبيًّا: إنه يحدّد من يصوّت.

04الاعترافات السياسية لا تُنشئ سندًا قانونيًّا

واشنطن في 2020، ومدريد في 2022، وباريس في 2024، ولندن في 2025: عواصم عدّة أعلنت دعمها لمخطط الحكم الذاتي، وذهب بعضها إلى حدّ الاعتراف بالسيادة المغربية. ولهذه المواقف وزن دبلوماسي ثقيل. غير أنها لا تغيّر وضع الإقليم، لأسباب ثلاثة.

فاقد الشيء لا يعطيه. السيادة على إقليم غير متمتع بالحكم الذاتي ليست ملكًا للدول الغير. فلا هي تملك أن تتنازل عنها، ولا أن تقرّرها نيابةً عن الشعب صاحب الحق.

حقّ تقرير المصير حجّة على الكافة. فقد وصفته محكمة العدل الدولية بأنه حقّ erga omnes في قضية تيمور الشرقية (1995) وفي رأيها بشأن الجدار (2004). كما تنصّ مواد لجنة القانون الدولي المتعلقة بمسؤولية الدول (2001) على التزامٍ بعدم الاعتراف بشرعية وضع ناشئ عن إخلال جسيم بقاعدة آمرة.

سابقة تشاغوس كاشفة. ففي رأيها الصادر في 25 فبراير 2019، قضت محكمة العدل الدولية بأنّ تصفية استعمار موريشيوس لم تُستكمل على نحو صحيح، على الرغم من اتفاق أُبرم عام 1965 وعقود من الإدارة البريطانية الفعلية. فلا مرور الزمن، ولا الترتيب السياسي، ولا قوة الدولة المعنية كانت كافية لتطهير العيب الأصلي: غياب التعبير الحرّ والحقيقي عن إرادة الشعب.

ولا يخرج إقليم من قائمة الأقاليم غير المتمتعة بالحكم الذاتي إلا بفعل تقرير مصير تعاينه الجمعية العامة. وما من إعلان ثنائي يملك هذه السلطة.

05وماذا عن القرار 2797؟

أقوى حجج الرباط حديثة العهد. ففي 31 أكتوبر 2025 اعتمد مجلس الأمن القرار 2797 بأحد عشر صوتًا وامتناع ثلاثة أعضاء. وهو يتخذ المخطط المغربي أساسًا للمفاوضات، ويرى أنّ حكمًا ذاتيًّا حقيقيًّا قد يشكّل حلًّا من أكثر الحلول قابلية للتطبيق. ومن عدم الأمانة التهوين من أثره السياسي.

لكن ينبغي قراءة النص كاملًا. فالقرار نفسه يشترط حلًّا «مقبولًا من الطرفين» يكفل «تقرير مصير شعب الصحراء الغربية»، ويريده متوافقًا مع ميثاق الأمم المتحدة. والمجلس يستعمل صيغة الاحتمال، ويعيّن أساسًا للنقاش لا نتيجةً له، ويُبقي على الإحالة إلى الشعب وإلى حقه.

والأهم أنّ مجلس الأمن ليس مشرّعًا طليق اليد. فالمادة 24 من الميثاق تُلزمه بأن يعمل وفقًا لمقاصد الأمم المتحدة ومبادئها، ومن بينها، في المادة الأولى، حقّ الشعوب في تقرير مصيرها. والقرار المتخذ في إطار التسوية السلمية للنزاعات يوجّه التفاوض، لكنه لا يفصل في سند السيادة ولا يعيد كتابة القرارات 1514 و1541 و2625.

06لا تصنع دولةٌ قانونًا دوليًّا خاصًّا بها

القانون الدولي ينشأ من رضا الدول، معبَّرًا عنه بالمعاهدات والعرف، وتفسّره محاكم وهيئات لا تستمدّ سلطتها من الطرف صاحب المصلحة. وللدولة أن تدافع عن تفسيرها، لكن ليس لها أن تُحلّه محلّ القاعدة المشتركة.

والقبول بأن تعيد قوةٌ ما تعريف تقرير المصير انطلاقًا من مطلبها الإقليمي معناه التسليم بأن ينتج كل أمر واقع قانونه الخاص. ومبدأ ex injuria jus non oritur، أي أنّ الحق لا ينشأ عن الفعل غير المشروع، وُجد تحديدًا لمنع ذلك.

خاتمة

لا شيء يمنع الشعب الصحراوي من أن يختار الحكم الذاتي داخل المغرب. ولو كان ذلك اختياره، معبَّرًا عنه بحرية ومن بين خيارات حقيقية، لأقرّه القانون الدولي بلا تحفّظ، ولكسب المغرب ما ينقصه منذ نصف قرن: سندًا لا يُنازَع فيه.

هنا مكمن الإشكال كلّه. فالرباط، حين تختزل تقرير المصير في خيار الحكم الذاتي وحده، تطلب من القانون الدولي أن يفترض سلفًا جواب السؤال الذي أُنيط به طرحه. وقد يغيّر الدعم الدبلوماسي ميزان القوى، لكنه لا يغيّر الطبيعة القانونية للإقليم. وما دام شعب الصحراء الغربية لم يقرّر بنفسه، فسيبقى وضع الإقليم على ما هو عليه منذ 1963: تصفية استعمار لم تكتمل.

تعليقات

المشاركات الشائعة من هذه المدونة

رسالة مفتوحة إلى رئيس الجمهورية السيد عبد المجيد تبون

سيدي الرئيس، أتمنى أن تصلكم هذه الرسالة و أنتم بصحة جيدة. أكتب إليكم اليوم بقلب مثقل لأعبر عن قلقي العميق واستيائي لوجود أكثر من 1.2 مليون مغربي في أرض الجزائر الطاهرة. كمواطن مسؤول ومعني ، أشعر أنه من واجبي أن أوجه انتباهكم إلى هذا الأمر. أود أولاً أن ألفت انتباهكم إلى الروابط بين أجهزة المخابرات الإسرائيلية والمغرب. لقد تم الكشف أن الموساد يجند بشكل كبير في الجالية المغربية في فرنسا. هل لدينا ضمانة أن الكيان الصهيوني لا يفعل الشيء نفسه في الجزائر؟ هذه القضية مصدر كرب وإحباط لمواطني بلادنا الذين يفقدون الأمل في التمثيلية الوطنية التي يفترض أن تدافع عن المصلحة العليا للوطن. لماذا يجب أن نبقي على أرضنا رعايا دولة معادية؟ لماذا لا نعيد هؤلاء إلى وطنهم لتفاقم الأزمة الاجتماعية والاقتصادية لبلد يتآمر ضد مصالحنا ويغرق بلدنا بأطنان من المخدرات؟ لماذا يجب أن نتسامح مع وجود اليوتيوبرز المغاربة في الجزائر الذين يسخرون يوميا من الشعب الجزائري؟ نعتقد أن الجزائر يجب أن تقطع العلاقات القنصلية مع المغرب في أسرع وقت ممكن ، لأن الغالبية العظمى من الشعب المغربي يشتركون في نفس الأطروحات التوسعية مثل ن...

17 أكتوبر 1961 — يومٌ كتب الجزائريون فيه بالدم معنى الكرامة

في مساءٍ باردٍ من أمسيات باريس، خرج أبناء الجزائر، حفاةَ القلب لكن شامخي الرأس، يحملون راية الوطن في صمتٍ مهيب، يهتفون للحياة والحرية والكرامة. لكن المستعمر الذي ضاق بصوت الحق، أطلق رصاصه على الجموع، فاهتزّت ضفاف السين بدمٍ طاهرٍ عربيٍّ أمازيغيٍّ جزائريٍّ لا يُنسى. سقطوا شهداء، لا في ساحات الوطن، بل في قلب عاصمةٍ ادّعت الحضارة، لتغسل بدمائهم وجهها الملطّخ بالنفاق. سقطوا وهم يرددون في سرّهم: تحيا الجزائر… ولن تموت. يا من أُلقيتم في نهر السين كأنكم أرقام، أنتم في قلوبنا رايات. أنتم النور الذي لا ينطفئ في ذاكرة الجزائر، أنتم الجسر بين المنفى والوطن، بين الألم والنصر. دماؤكم كانت الوضوء الذي طهّر تراب الاستقلال، وصراخكم في ليل باريس كان الأذان الأول لحرية الجزائر. سبعة عشر أكتوبر لم يكن يوماً من التقويم، بل صفحةً من البطولة، وشاهداً على أن الجزائري لا يركع إلا لله. ومن باريس إلى الجزائر، ظلّ النداء واحداً: لن ننسى… ولن نغفر… وسنبقى أوفياء لدم الشهداء. المجد والخلود لشهداء 17 أكتوبر 1961، ولتحيا الجزائر حرةً أبيةً، كما أرادوها. ✍️ بلقاسم مرباح وطني جزائري، حرّ في قلمه كما في مواقفه. العريضة...

وكالة المخابرات المركزية ترفع السرية عن وثيقة تسلط الضوء على الدوافع الحقيقية للمغرب في حرب الرمال عام 1963

في 23 أغسطس 1957، تم إعداد وثيقة سرية لوكالة المخابرات المركزية (CIA) تكشف عن عناصر حاسمة تتعلق بالسياسة الفرنسية تجاه الجزائر، التي كانت آنذاك في خضم حرب الاستقلال. بعد رفع السرية عنها مؤخرًا، تسلط هذه الوثيقة ضوءًا جديدًا على نوايا فرنسا فيما يخص المناطق النفطية الصحراوية واستراتيجياتها بعد الاستقلال. من خلال مناورات دبلوماسية واقتصادية وجيوسياسية، سعت باريس إلى الحفاظ على سيطرتها على هذه المنطقة الاستراتيجية. صحراء جزائرية ضرورية لفرنسا وفقًا لهذه الوثيقة، اعتبرت فرنسا الصحراء الجزائرية منطقة ذات أهمية قصوى، ليس فقط بسبب مواردها النفطية والغازية، ولكن أيضًا لموقعها الاستراتيجي في شمال إفريقيا. في هذا السياق، كانت باريس تسعى بأي ثمن إلى الحفاظ على نفوذها في المنطقة من خلال فصلها إداريًا عن بقية الجزائر. وقد تجسدت هذه السياسة في عام 1957 بإنشاء مقاطعتين صحراويتين منفصلتين، في خطوة تهدف إلى ضمان استمرار وصول فرنسا إلى حقول النفط والغاز، حتى في حالة استقلال الجزائر. استراتيجية البنية التحتية المدروسة تكشف الوثيقة أيضًا أن فرنسا لم تكن ترغب في بناء خطوط أنابيب للغاز أو النفط تربط الصحر...