الصحراء الغربية: درسٌ في الجيوستراتيجيا تلقّنه واشنطن للرباط
أربع ملاحظات، صاغها المبعوث الأمريكي بنبرة هادئة محسوبة، كانت كافية لتصدّع روايةٍ ظنّت الدبلوماسية المغربية أنها نُقشت على الحجر.
قد يحدث أن تكشف مقابلةٌ إعلامية لا تتجاوز دقائق معدودة عن موازين القوى أكثر مما يكشفه قرارٌ كامل لمجلس الأمن. والمقابلة الأخيرة التي أجراها مسعد بولس، مستشار الرئيس دونالد ترامب لشؤون إفريقيا والعالم العربي، تنتمي إلى هذا الصنف تحديدًا. فخلف نبرةٍ متعمَّدة الخفوت، أدلى المبعوث الأمريكي بأربع ملاحظات تهزّ، إذا قُرئت بأدوات الجيوستراتيجيا، البناءَ السردي الذي شيّده المغرب بصبرٍ منذ خريف 2025.
الإطار ليس هو التسوية
الملاحظة الأولى بسيطةٌ إلى حدّ يُربك: لا وجود، حتى الساعة، لأي حلٍّ ملموس، ولا لأي مخرجٍ يمكن الإمساك به. فبعد ثلاث جولات من المحادثات، ما يزال الملف متوقفًا في مكانه.
يمسّ هذا التصريح جوهر تمييزٍ محوري في نظرية التفاوض الدولي: التمييز بين الإطار والتسوية. فالإطار يحدّد قواعد اللعبة، ويرسم حقل النقاش، ويلوّح بأفقٍ منشود، لكنه لا يُنتج بذاته أي نتيجة. أما التسوية فتفترض انخراط الأطراف، أي نشوء منطقة اتفاقٍ يجد فيها كلٌّ منهم مكسبًا يفوق مكسب الإبقاء على الوضع القائم.
غير أن الرباط قرأت القرار 2797 بوصفه أمرًا واقعًا دبلوماسيًا، ونصرًا نهائيًا لم يبقَ سوى جني ثماره. وهذا ما يسمّيه الاستراتيجيون خطأ الإدراك: الخلط بين أفضلية الموقع وأفضلية النتيجة. وحين تذكّر واشنطن بأن لا شيء ملموسًا بعد، فإنها تعلن أن النص الأممي فتح مرحلةً، ولم يُغلقها قطّ.
الصبر الاستراتيجي في مواجهة الدبلوماسية القسرية
الملاحظة الثانية أدقّ وأعمق. يؤكد المبعوث أنه ينتظر ردّ جبهة البوليساريو، دون تحديد مهلة ولا التلويح بإنذار.
ولهذا الاختيار دلالةٌ ثقيلة. فقد راهنت الدبلوماسية المغربية على الدبلوماسية القسرية: الضغط، والمهلة المفروضة، والتهديد الضمني، وكلها أدواتٌ غايتها إرغام الخصم على التنازل. وكانت تأمل أن يُعجّل نفادُ الصبر الأمريكي، مسنودًا بقوة واشنطن، باستسلام الطرف الآخر.
لكن الولايات المتحدة اختارت على النقيض الصبر الاستراتيجي، وهو سجلٌّ تنتهجه قوةٌ لا مصلحة حيوية عاجلة لها في مآل النزاع، وتفضّل صون موقعها كحَكَم على الاصطفاف التام خلف أحد الطرفين. وبرفضها استعجال البوليساريو، تُفهِم واشنطن الجميع أن وساطتها ليست أداةً حصرية في يد أحد.
الجزائر: قوةٌ مُيسِّرة لا قوةُ إغلاق
أما الملاحظة الثالثة فتُحدث انقلابًا رمزيًا. فبينما يصوّر الخطاب المغربي الجزائرَ منذ سنوات على أنها العقبة الرئيسية أمام التسوية، يُشيد المبعوث الأمريكي على العكس بشراكةٍ بنّاءة، ويتوجّه بالشكر إلى السلطات الجزائرية.
تميّز الجيوسياسة بين قوة الإغلاق، التي تعرقل المسار بقدرتها على الإضرار، والقوة المُيسِّرة، التي ترافق الديناميكية دون أن تكون طرفها الرئيسي. وواشنطن تضع الجزائر، دون لبس، في الصنف الثاني.
وينبع هذا التموضع من قراءةٍ واقعية للتوازنات الإقليمية. فالجزائر دولةٌ محورية بالمعنى الذي قصده بريجنسكي: فاعلٌ يُشرط استقرارُه وموقعُه الجغرافي وقدراتُه أمنَ فضاءٍ أوسع بكثير، يمتد من الحوض المتوسطي إلى الساحل. وفي زمنٍ تعيد فيه المنطقة الساحلية الصحراوية تشكيل تحالفاتها، ويتراجع فيه الحضور الغربي، وتتمدّد فيه نفوذاتٌ جديدة، لا يمكن لأي قوةٍ عقلانية أن تسمح لنفسها بترف تصنيف الجزائر خصمًا. إن السياسة الأمريكية هنا من صميم منطق الموازنة: مراعاة الضفتين بدل التضحية بإحداهما لصالح الأخرى.
ليس الإطار سوى وعدٍ بالتفاوض، ولا قيمة له إلا برضا من يُلزمهم.
أطراف النزاع: العودة إلى القانون
الملاحظة الرابعة هي بلا ريب الأكثر حسمًا. إذ يوضح المبعوث أن الجزائر لا تستطيع فرض حلٍّ في الصحراء الغربية، لكنها قادرة على تشجيع المسار، وهو ما فعلته بحسب واشنطن.
هذه الصيغة، التي تبدو عابرة، تنسف إحدى ركائز الاستراتيجية المغربية: إعادة توصيف النزاع. فمنذ سنوات، تسعى الرباط إلى تحويل قضية تصفية استعمار إلى خلافٍ ثنائي جزائري مغربي. والرهان هنا جسيم: فالنزاع بين الدول يُحسم بمساومةٍ بين حكومات، أما قضية تقرير المصير فتقتضي رضا الشعب المعني.
والإطار الأممي ثابتٌ لا يتبدّل في هذه النقطة: طرفا النزاع هما المغرب وجبهة البوليساريو، أما الجزائر وموريتانيا فحاضرتان بصفتهما بلدين جارين مدعوّين إلى التعاون. وحين تقرّ واشنطن بأن الجزائر لا تملك مفتاح التسوية، فإنها تعيد التأكيد ضمنيًا على هذا البناء القانوني. فتعود البوليساريو محاورًا لا غنى عنه، ويغدو انخراطها شرطًا لا بديل عنه لأي مخرجٍ دائم.
حرب الروايات وحدودها
تتلاقى هذه الملاحظات الأربع عند خلاصةٍ واحدة: لم توقّع الولايات المتحدة يومًا للمغرب شيكًا على بياض. صحيحٌ أن اعتراف 2020 ودعم مخطط الحكم الذاتي منحا الرباط أفضليةً دبلوماسية حقيقية، لكنهما لا يُعفيانها من أشقّ مراحل أي تفاوض: انتزاع موافقةٍ حرّة وطوعية من الطرف الآخر.
لقد قامت الاستراتيجية المغربية إلى حدٍّ بعيد على حرب الروايات، أي فنّ فرض قراءةٍ للأحداث قبل أن تُحسم. وقد يُحدث هذا النهج أثرًا قصير المدى في الرأي العام ولدى بعض الشركاء، لكنه ينقلب على صاحبه متى ناقض الداعمُ الدولي الأول الروايةَ المقدَّمة علنًا. عندها تولّد الهوّة بين النشوة المُعلنة والتحفّظ الأمريكي كلفةً في المصداقية.
ومع ذلك، يظلّ الحذر في التحليل واجبًا. فواشنطن ما تزال تؤيد مخطط الحكم الذاتي أساسًا للنقاش، وتصريحات مبعوثٍ لا ترقى إلى تحوّلٍ عقائدي. كما يمكن للولايات المتحدة أن توظّف موقف التوازن هذا لانتزاع تنازلاتٍ من الجميع، بما في ذلك الجزائر، في ملفاتٍ إقليمية أخرى. إن ما تغيّر هو النبرة أكثر من الجوهر: فالوساطة الأمريكية باتت تقدّم نفسها وساطةَ حَكَمٍ يتريّث، لا حليفٍ يستعجل.
الزمن الطويل في مواجهة الأمر الواقع
في العمق، يضع هذا المشهد مفهومين للزمن الاستراتيجي وجهًا لوجه. راهنت الرباط على التسريع، مقتنعةً بأن اصطفافًا دبلوماسيًا مواتيًا يكفي لإغلاق الملف. وتذكّر واشنطن بأن نزاعات السيادة تخضع للزمن الطويل، زمن الشرعية والرضا.
وما دامت جبهة البوليساريو لم تنخرط في المسار انخراطًا كاملًا، فإن الصحراء الغربية تبقى قضيةً مفتوحة. وهذا بالضبط ما قالته الدبلوماسية الأمريكية للتوّ، بوضوحٍ كانت الرباط تفضّل ألا تسمعه أبدًا.
بلڤاسم مرباح
شكرا أخي
ردحذف