التخطي إلى المحتوى الرئيسي

أن تكون معارضًا لا يعني أبدًا أن تكون ضدّ المصالح الحيوية للجزائر

معارض جزائري في المنفى خلال مداخلة تلفزيونية
لقطة شاشة من قناة i24NEWS

يمكن معارضة الحكومة القائمة دون التنكّر للوطن. أمّا دعوة الجزائر إلى الاعتراف بـ«مغربية» الصحراء الغربية، فلم تعد معارضة، بل هي فتحٌ لبابٍ يأمرنا تاريخنا بأن نُبقيه موصدًا.

في الجزائر تقليدٌ عريق من المعارضة الشريفة. فمن مناضلي الحركة الوطنية إلى وجوه الحراك، ناضلت أجيالٌ من الجزائريين ضد السلطة القائمة دون أن تتنكّر يومًا للوطن. لقد اعترضوا على حكّام وأساليب وانتخابات، لكنهم لم يعترضوا قطّ على الجزائر نفسها، ولا على ترابها، ولا على انسجام التزاماتها التاريخية.

هذا هو الحدّ الذي تجاوزه بعض المعارضين في المنفى. فحين تدعو أصواتٌ مثل صوت عبدو سمار الجزائرَ علنًا إلى الاعتراف بـ«مغربية» الصحراء الغربية، فإنها لم تعد تنتقد الحكومة الجزائرية القائمة فحسب، بل تطالب الأمة بالتخلي عن أحد المبادئ التي تقوم عليها سياستها الخارجية منذ الاستقلال. يمكن للمرء أن يعارض حكومةً بكل ما أوتي من قوة، لكنه لا يخدم بلده حين يردّد، حرفًا بحرف، حجج دبلوماسية جارٍ لا يزال النزاع معه قائمًا.

المبدأ الذي يحمينا

ليس موقف الجزائر من الصحراء الغربية نزوةَ جنرالات، خلافًا لما يردّده هؤلاء المعلّقون. إنه يقوم على مبدأ جوهري: عدم المساس بالحدود الموروثة عن الاستعمار، وهو المبدأ الذي كرّسته منظمة الوحدة الإفريقية منذ عام 1964. هذا المبدأ هو الذي جنّب القارة حروبًا لا تنتهي، وهو أيضًا ما يحمي الوحدة الترابية للجزائر.

ذلك أنه لا بدّ من تذكير ذوي الذاكرة القصيرة بأن الجزائر نفسها كانت هدفًا للمطالب الترابية المغربية. فعقيدة «المغرب الكبير» التوسعية، التي حملها حزب الاستقلال منذ خمسينيات القرن الماضي، كانت تطالب بتندوف وبشار وجزء من الصحراء الجزائرية، بل وبموريتانيا كلها وجزء من مالي. وفي عام 1963، بعد عام واحد فقط من استقلالنا، وبينما كانت البلاد لا تزال تضمّد جراح سبع سنوات من الحرب، أشعلت المملكة حرب الرمال. أما اتفاقية الحدود الموقّعة عام 1972، فقد صادقت عليها الجزائر في العام التالي، في حين ماطل المغرب في المصادقة عليها قرابة عقدين من الزمن.

صندوق باندورا

إن الاعتراف بالسيادة المغربية على الصحراء الغربية لن يكون مجرد بادرة «واقعية»، بل سيكون قبولًا بإمكانية إعادة رسم حدود موروثة عن الاستعمار بقوة الاحتلال والأمر الواقع، باسم «حقوق تاريخية» يتذرّع بها أحد الجيران. وهذا المنطق لا يتوقف من تلقاء نفسه عند إقليم بعينه؛ فـ«الحقوق التاريخية» التي تبرّر اليوم المطالبة بالصحراء هي ذاتها التي كانت تبرّر بالأمس المطالبة بتندوف.

والإشارات الأخيرة لا تبعث على الاطمئنان. ففي عام 2020، وصف قنصل مغربي في وهران الجزائرَ علنًا بأنها «بلد عدو». وفي عام 2021، تحدّث ممثل المغرب لدى الأمم المتحدة رسميًا عن حقٍّ مزعوم في تقرير المصير لمنطقة القبائل، في تدخّل مباشر في الوحدة الوطنية الجزائرية. فمن يستطيع أن يصدّق جديًّا أن مغربًا ترسّخت لديه قراءته التوسعية للتاريخ سيتوقف عند الحدود التي تُمنح له؟

المعارضة والوفاء للوطن

إن الشجاعة الحقيقية للمعارض هي أن يحارب الظلم في بلده دون أن يقدّم الحجج لمن يتربّصون بضعف الوطن. يحقّ للمعارضين الصادقين أن يطالبوا بدبلوماسية أكثر حنكة وشفافية وأقل جمودًا، وأن يشترطوا ألا يُستعمل ملف الصحراء أبدًا ستارًا لإخفاء الإخفاقات الداخلية. هذا نقاش مشروع، وعلى جزائرٍ ديمقراطية أن تخوضه.

لكن المطالبة بأن تتخلى الجزائر عن مبادئها خلطٌ بين رحيل حكومة وإضعاف أمة.

الحكومات تزول، والحدود باقية.

والتاريخ نادرًا ما يرحم أولئك الذين دافعوا، نكايةً في حكّامهم، عن قضية خصوم شعبهم.

بلڤاسم مرباح

مقال رأي. التصريحات المذكورة تصريحات علنية.

تعليقات

  1. عبدو مصمار مصدي مثله مثل زيطوط والمازدا وبن قزديرة وأظلم هالك... هم عبارة عن مرتزقة جيعانين يبحثون عن بقشيش مروكي وحماراتي، ليسوا بمعارضين ولكنهم عارضين للخدمات لمن يدفع أكثر. لكن للجزائر ❤️ 🇩🇿 ❤️ العظمى أبناء ها ونساءها يردون لها جميل الإيواء والدراسة المجانية والمنح والعلاج المجاني...

    ردحذف

إرسال تعليق

المشاركات الشائعة من هذه المدونة

رسالة مفتوحة إلى رئيس الجمهورية السيد عبد المجيد تبون

سيدي الرئيس، أتمنى أن تصلكم هذه الرسالة و أنتم بصحة جيدة. أكتب إليكم اليوم بقلب مثقل لأعبر عن قلقي العميق واستيائي لوجود أكثر من 1.2 مليون مغربي في أرض الجزائر الطاهرة. كمواطن مسؤول ومعني ، أشعر أنه من واجبي أن أوجه انتباهكم إلى هذا الأمر. أود أولاً أن ألفت انتباهكم إلى الروابط بين أجهزة المخابرات الإسرائيلية والمغرب. لقد تم الكشف أن الموساد يجند بشكل كبير في الجالية المغربية في فرنسا. هل لدينا ضمانة أن الكيان الصهيوني لا يفعل الشيء نفسه في الجزائر؟ هذه القضية مصدر كرب وإحباط لمواطني بلادنا الذين يفقدون الأمل في التمثيلية الوطنية التي يفترض أن تدافع عن المصلحة العليا للوطن. لماذا يجب أن نبقي على أرضنا رعايا دولة معادية؟ لماذا لا نعيد هؤلاء إلى وطنهم لتفاقم الأزمة الاجتماعية والاقتصادية لبلد يتآمر ضد مصالحنا ويغرق بلدنا بأطنان من المخدرات؟ لماذا يجب أن نتسامح مع وجود اليوتيوبرز المغاربة في الجزائر الذين يسخرون يوميا من الشعب الجزائري؟ نعتقد أن الجزائر يجب أن تقطع العلاقات القنصلية مع المغرب في أسرع وقت ممكن ، لأن الغالبية العظمى من الشعب المغربي يشتركون في نفس الأطروحات التوسعية مثل ن...

17 أكتوبر 1961 — يومٌ كتب الجزائريون فيه بالدم معنى الكرامة

في مساءٍ باردٍ من أمسيات باريس، خرج أبناء الجزائر، حفاةَ القلب لكن شامخي الرأس، يحملون راية الوطن في صمتٍ مهيب، يهتفون للحياة والحرية والكرامة. لكن المستعمر الذي ضاق بصوت الحق، أطلق رصاصه على الجموع، فاهتزّت ضفاف السين بدمٍ طاهرٍ عربيٍّ أمازيغيٍّ جزائريٍّ لا يُنسى. سقطوا شهداء، لا في ساحات الوطن، بل في قلب عاصمةٍ ادّعت الحضارة، لتغسل بدمائهم وجهها الملطّخ بالنفاق. سقطوا وهم يرددون في سرّهم: تحيا الجزائر… ولن تموت. يا من أُلقيتم في نهر السين كأنكم أرقام، أنتم في قلوبنا رايات. أنتم النور الذي لا ينطفئ في ذاكرة الجزائر، أنتم الجسر بين المنفى والوطن، بين الألم والنصر. دماؤكم كانت الوضوء الذي طهّر تراب الاستقلال، وصراخكم في ليل باريس كان الأذان الأول لحرية الجزائر. سبعة عشر أكتوبر لم يكن يوماً من التقويم، بل صفحةً من البطولة، وشاهداً على أن الجزائري لا يركع إلا لله. ومن باريس إلى الجزائر، ظلّ النداء واحداً: لن ننسى… ولن نغفر… وسنبقى أوفياء لدم الشهداء. المجد والخلود لشهداء 17 أكتوبر 1961، ولتحيا الجزائر حرةً أبيةً، كما أرادوها. ✍️ بلقاسم مرباح وطني جزائري، حرّ في قلمه كما في مواقفه. العريضة...

لماذا الحديث عن "اتفاقية سلام" بين الجزائر والمغرب في حين لا توجد حرب؟

الإعلان الأخير بأن ستيف ويتكوف، المبعوث الخاص الأمريكي المعيَّن من قبل دونالد ترامب، يسعى إلى “إنهاء الأزمة الدبلوماسية بين الجزائر والمغرب” أثار العديد من ردود الفعل والتساؤلات. ووفقًا لتصريحاته، يأمل في التوصل إلى «اتفاق سلام» بين البلدين خلال الشهرين المقبلين، مؤكّدًا في الوقت نفسه أنه يعمل بالتوازي على مفاوضات بين إيران والولايات المتحدة. لكن هذه العبارة — «اتفاق سلام» — تطرح سؤالًا جوهريًا: عن أي حرب نتحدث؟ قراءة خاطئة للوضع الجزائر والمغرب ليسا في حالة حرب. لا يوجد نزاع مسلح ولا مواجهة مباشرة بين الدولتين. ما يفصل بينهما هو أزمة سياسية عميقة، ناتجة عن مواقف متناقضة حول قضايا السيادة والأمن الإقليمي والاحترام المتبادل. اختزال هذه الحقيقة المعقدة في مجرد “خلاف” يمكن تسويته بوساطة ظرفية يعكس إما سوء فهم لطبيعة النزاع، أو محاولة متعمدة لوضع البلدين على قدم المساواة أخلاقيًا ودبلوماسيًا، وهو ما ترفضه الجزائر رفضًا قاطعًا. الموقف الجزائري واضح وثابت شروط أي تطبيع مع المغرب معروفة، وقد جرى التأكيد عليها بقوة من قبل وزير الخارجية رمطان لعمامرة عند إعلان قطع العلاقات الدبلوماسية في 24 أغس...