واشنطن – طهران: هل تكون الجزائر حجرَ الزاوية في دبلوماسية الظلّ بعد انسداد خيار القوة؟
قراءة في عودة "الوسيط الموثوق" إلى قلب المعادلة الأمريكية–الإيرانية، بين ذاكرة اتفاقيات 1981 وإشارات نيويورك ومطار هواري بومدين
حين تبلغ سياسات القوة حدودها القصوى، يعود التاريخ ليطرح سؤاله القديم: من يملك القدرة على فتح الأبواب المغلقة؟ وفي الملف الأمريكي–الإيراني، يتردّد اسمٌ واحد كلما ضاقت السبل: الجزائر.
انسداد القوة وحدود "الضغط الأقصى"
لم تُفضِ سياسة "الضغط الأقصى" التي أرساها دونالد ترامب، منذ انسحابه الأحادي من الاتفاق النووي عام 2018، إلى استسلام طهران ولا إلى تغيير سلوكها الاستراتيجي، بل أفرزت مشهدًا إقليميًا أكثر هشاشة، تتراكم فيه بؤر التوتر وتتسع فيه دوائر الحروب بالوكالة. وبعد سنوات من العقوبات والتهديدات والضربات المتبادلة، تجد واشنطن نفسها أمام معادلة معقّدة: كلفة التصعيد باتت أعلى من عائده، والتراجع العلني عنه يبدو مكلفًا سياسيًا.
في هذا السياق، تتعالى أصوات من داخل المؤسسة الأمريكية ذاتها تُقرّ بمحدودية الخيار العسكري. فقد رأى العقيد الأمريكي المتقاعد والمحلل الاستراتيجي دوغلاس ماكغريغور، في حوار أجرته معه صحيفة "ألجيري باتريوتيك"، أن إيران نجحت في إحباط الرهانات العسكرية الغربية، وأنها غدت قلعة يصعب اختراقها. وسواء اتفقنا مع هذا التقدير كليًا أو جزئيًا، فإن دلالته واضحة: حين تُستنفد أدوات الإكراه، لا يبقى أمام القوى الكبرى سوى طاولة التفاوض، ولا طاولة بلا وسيط يحظى بثقة الطرفين.
ذاكرة 1981: رأسمال دبلوماسي لا يتقادم
ليست فرضية الوساطة الجزائرية ضربًا من الخيال السياسي، بل امتدادٌ لسابقة تاريخية محفورة في الذاكرة الدبلوماسية الأمريكية. ففي نوفمبر 1979، احتُجز اثنان وخمسون دبلوماسيًا أمريكيًا داخل سفارة بلادهم في طهران، ودامت الأزمة أربعمئة وأربعة وأربعين يومًا، عصفت خلالها بإدارة جيمي كارتر وأسهمت في خسارته الانتخابية.
وحين عجزت القنوات كافة، تقدّمت الدبلوماسية الجزائرية، بقيادة وزير الخارجية الراحل محمد الصديق بن يحيى، لتدير مفاوضات دقيقة وشاقة عبر جولات مكّوكية بين العاصمتين، انتهت بتوقيع "اتفاقيات الجزائر" في 19 جانفي 1981. أفضت تلك الاتفاقيات إلى الإفراج عن الرهائن مقابل رفع التجميد عن الأصول الإيرانية وتخفيف العقوبات، كما أرست آلية قانونية دائمة لتسوية النزاعات المالية بين البلدين، هي محكمة المطالبات الإيرانية–الأمريكية في لاهاي، التي لا تزال قائمة إلى اليوم.
لم تكن اتفاقيات الجزائر مجرّد صفقة لتبادل الرهائن بالأموال، بل كانت شهادةً على أن الدولة الصغيرة بحجم نفوذها الصلب قد تكون كبيرةً بحجم ثقة الآخرين فيها.
والأهم أن تلك الوساطة لم تكن حادثة معزولة؛ فقبلها بست سنوات، رعت الجزائر في عهد الرئيس هواري بومدين اتفاق 1975 بين إيران والعراق حول شط العرب. وبعدها، دفع بن يحيى حياته ثمنًا لهذا النهج حين سقطت طائرته عام 1982 على الحدود الإيرانية–التركية وهو في مهمة وساطة لوقف الحرب العراقية–الإيرانية. إنها سلسلة متصلة من الالتزام بدبلوماسية الحلول، لا بدبلوماسية الاصطفاف.
إشارات نيويورك ومطار هواري بومدين
على هامش الدورة الحادية والثمانين للجمعية العامة للأمم المتحدة، تكثّفت المؤشرات على حركية دبلوماسية جزائرية لافتة. فقد أجرى وزير الخارجية أحمد عطاف سلسلة لقاءات رفيعة، أبرزها مع مسعد بولس، كبير مستشاري الرئيس الأمريكي للشؤون العربية والإفريقية، ومع نائب وزير الخارجية الأمريكي كريستوفر لانداو. لقاءات لا تُعلَن تفاصيلها، لكن توقيتها ومستواها يكفيان لإثارة التساؤل.
غير أن الإشارة الأكثر إثارة جاءت من مطار الجزائر الدولي هواري بومدين، حيث حطّت يوم 22 سبتمبر طائرة الرئيس الإيراني مسعود بزشكيان في توقف وُصف بـ"التقني"، قبل مواصلة رحلتها نحو نيويورك. استُقبل الرئيس الإيراني في القاعة الشرفية من قبل وزير الداخلية سعيد سعيود وكاتب الدولة سفيان شايب، في محطة لم تكن مدرجة في أي جدول معلن.
في علم الإشارات الدبلوماسية، لا شيء يحدث مصادفةً على هذا المستوى. فالتوقف "التقني" لرئيس دولة في عاصمة بعينها، عشية حضوره منبرًا دوليًا يلتقي فيه الخصوم، رسالةٌ متعددة الاتجاهات: تأكيد على متانة العلاقة الجزائرية–الإيرانية، وتذكير بأن الجزائر تظل عقدة وصل بين الشرق والغرب، وربما – وهذا ما يبقى في دائرة الفرضية – قناة لتمرير ما لا يُقال علنًا.
لماذا الجزائر تحديدًا؟
مقوّمات الوسيط الموثوق
- عقيدة عدم الانحياز الفاعل: ثبات في رفض التدخل في الشؤون الداخلية للدول، ورفض الانخراط في المحاور العسكرية، ما يمنحها مصداقية لدى الطرفين.
- رصيد الثقة لدى طهران: علاقة تاريخية لم تنقطع، بما في ذلك رعاية الجزائر للمصالح الإيرانية في واشنطن لسنوات بعد قطع العلاقات عام 1980.
- ذاكرة مؤسسية في واشنطن: نجاح 1981 ما يزال مرجعًا في الأدبيات الدبلوماسية الأمريكية لإدارة الأزمات المستعصية.
- الاستقلالية الاستراتيجية: لا قواعد عسكرية أجنبية على أرضها، ولا تبعية لأي من المحاور الإقليمية المتنافسة.
- ثقافة التكتّم: مدرسة دبلوماسية تفضّل العمل الصامت والنتائج على الاستعراض الإعلامي.
هذه المقوّمات مجتمعةً تجعل من الجزائر فاعلًا نادرًا في منطقة استقطبت فيها معظم العواصم إلى هذا المعسكر أو ذاك. فالوسيط الناجح لا يُقاس بحجم قوته الصلبة، بل بقدرته على أن يكون مقبولًا لدى من لا يقبل أحدهما الآخر.
حدود الفرضية وشروط نجاحها
بيد أن التحليل الرصين يقتضي عدم الانزلاق إلى التمنّي. فالوساطة الجزائرية، إن تحققت، ستصطدم بعدة معطيات. أولها أن الساحة ليست خالية؛ إذ اضطلعت مسقط والدوحة خلال السنوات الأخيرة بأدوار قنوات اتصال بين واشنطن وطهران، وأي دور جزائري سيكون مكمّلًا أو منافسًا لها، لا بديلًا تلقائيًا. وثانيها أن الوساطة لا تنجح إلا بوجود إرادة سياسية حقيقية لدى الطرفين، وهو ما لم تثبته بعدُ مؤشرات علنية حاسمة. وثالثها أن حسابات الحلفاء الإقليميين لواشنطن، وفي مقدمتهم إسرائيل، قد تشكّل عامل كبح لأي تسوية لا تستجيب لشروطهم.
ومن ثمّ، فإن الأرجح ليس وساطة شاملة معلنة على غرار 1981، بل أدوار تيسير متدرّجة: نقل رسائل، واختبار نوايا، وبناء تفاهمات جزئية حول ملفات بعينها كالأمن البحري أو تبادل المحتجزين أو ضبط التصعيد الإقليمي. وهي أدوار أقل بريقًا، لكنها كثيرًا ما تكون المدخل الحقيقي إلى الاتفاقات الكبرى.
ما بعد الوساطة: نحو هندسة أمنية جديدة؟
إن نجاح أي مسار تفاوضي أمريكي–إيراني، بوساطة جزائرية أو بمساهمة منها، لن تقتصر آثاره على العلاقة الثنائية بين البلدين. فخفض التصعيد قد يفتح نافذة لتراجع تدريجي لمنطق الحروب بالوكالة الذي أنهك المشرق العربي، ولتأمين الممرات البحرية الحيوية في البحر الأحمر والخليج، ولإطلاق نقاش متعدد الأطراف حول منظومة أمن إقليمي تقوم على التوازن لا على الردع المتبادل وحده.
وبالنسبة للدول العربية التي تجد نفسها في كثير من الأحيان بين نارين، فإن نموذج "دبلوماسية التوازن" الذي تحمله دولة مغاربية ذات إرث تحرري عريق يقدّم بديلًا عن منطق الاصطفاف القسري، ويعيد الاعتبار لفكرة أن الشرق الأوسط ليس محكومًا بالمواجهة الدائمة، بل يمكن أن يكون فضاءً للتعايش المتفاوض عليه.
خاتمة: حين يستعيد التاريخ صوته
بين سنة 1981 وسنة 2026، تغيّر العالم جذريًا، لكن ثابتًا واحدًا بقي على حاله: حاجة القوى الكبرى، في لحظات انسدادها، إلى وسيط لا يطلب ثمنًا سياسيًا ولا يخفي أجندة. وإذا كانت واشنطن تبحث اليوم عن مخرج مشرّف من مأزق صنعته بيدها، فإن الجزائر تملك – مرة أخرى – ما لا يُشترى: الثقة.
يبقى السؤال معلّقًا على إرادة العاصمتين المعنيتين، لكن المؤكد أن الجزائر، بتاريخها ورصيدها وحضورها المتجدّد، قد عادت إلى الخريطة بوصفها عاصمةً للحلول حين تعجز عواصم القوة.
بلـڤـاسـم مربـاح
تعليقات
إرسال تعليق