كثيراً ما تقدّم السلطات المصرية تنويع مصادر التسليح باعتباره تجسيداً لاستعادة الاستقلالية الاستراتيجية. ويبدو هذا المنطق منسجماً للوهلة الأولى: فشراء معدات عسكرية من الولايات المتحدة وروسيا وفرنسا والصين وألمانيا وكوريا الجنوبية، إضافة إلى الإنتاج الوطني، يخفف من تبعية القاهرة لأي شريك واحد ويحافظ على هامش واسع من المناورة الدبلوماسية.
وتحقق هذه السياسة بالفعل عدداً من المزايا. فهي تحدّ من قدرة أي مورد منفرد على ممارسة الضغوط السياسية على مصر، وتتيح التفاوض على شروط تجارية أفضل، كما توفر بدائل في حال فرض حظر أو قيود تكنولوجية أو تدهور العلاقات السياسية.
غير أن الاستقلالية الدبلوماسية لا تعني بالضرورة فعالية عسكرية أكبر. فعندما لا تكون مصحوبة باستراتيجية صناعية ولوجستية وعقائدية متماسكة، قد يقود تنويع المصادر إلى تضخم المعايير الفنية وتعددها بصورة مفرطة. وما يشكل مكسباً على الصعيد السياسي قد يتحول إلى نقطة ضعف على الصعيد العملياتي.
وعليه، فإن المشكلة لا تكمن في التنويع بحد ذاته، بل في حجمه واتساعه، وفي طابعه الذي يبدو أحياناً انتهازياً، إلى جانب محدودية آليات دمج أنظمة صُممت وفق فلسفات عسكرية مختلفة.
القوات البرية: مرآة لتراكم تاريخي طويل
يعكس أسطول المركبات المدرعة واللوجستية في الجيش المصري هذه الإشكالية بوضوح. فهو يضم، أو ضم في فترات مختلفة، ناقلات الجنود السوفييتية BTR-50، ومركبات "وليد" المصنعة محلياً على هياكل ألمانية، وM113 الأمريكية، وYPR-765 الهولندية، و"فهد" ذات التصميم الألماني، وPanthera T6 الإماراتية، ومركبات "تمساح" المصرية، وST500 وST100 المستوحاة من النماذج الجنوب إفريقية، إضافة إلى مركبات Humvee الأمريكية، وKader 320، ومنصات K10 وK11 الكورية الجنوبية المرتبطة ببرنامج المدفعية K9.
ويضاف إلى ذلك عدد من المركبات المقاومة للألغام التي تم اقتناؤها خلال العمليات في سيناء، فضلاً عن أسطول أقدم من الشاحنات والمركبات الخفيفة ووسائل الدعم الموروثة من الحقبة السوفييتية. ويستمر تشغيل بعض هذه المعدات بفضل عمليات الإصلاح المتكررة أو إعادة استخدام القطع أو تفكيك مركبات أخرى لتوفير قطع الغيار.
ولا يمثّل هذا الأسطول مجرد قائمة بالمعدات العسكرية، بل يروي تاريخ التحالفات المصرية وتحولات السياسة الخارجية وردود الفعل تجاه الأزمات الأمنية وأولويات القيادة السياسية عبر العقود. فكل جيل من المعدات يعكس مرحلة سياسية معينة.
ومع ذلك، فإن هذا التراكم التاريخي لا يصنع بالضرورة منظومة متجانسة، بل يبدو أقرب إلى تراكب متتالٍ لدورات شراء مختلفة منه إلى تطبيق مستمر لنموذج قوات واضح المعالم.
التجزئة اللوجستية: نقطة الضعف الصامتة للجيوش
لكل منصة عسكرية بيئتها التقنية الخاصة: المحرك، وناقل الحركة، والإطارات، والأنظمة الكهربائية، وأدوات الصيانة، وأدلة التشغيل، وقطع الغيار، وإجراءات الإصلاح.
إلى جانب ذلك، توجد اختلافات كبيرة في تدريب الأطقم، وتنظيم الورش الفنية، وأنظمة الاتصالات، ودمج التسليح.
فالميكانيكي المتخصص في مركبات M113 لن يكون قادراً فوراً على صيانة مركبة "تمساح" أو Panthera. وبالمثل، فإن الطاقم المدرب على مركبة مجنزرة لا يمكن نقله مباشرة إلى منصة مدولبة تختلف من حيث الحركة والحماية والاستخدام التكتيكي.
وتتفاقم هذه التحديات بفعل البيئة الصحراوية. فالحرارة والرمال والتآكل تؤثر بشكل مختلف على المحركات وأنظمة الترشيح والمواد المستخدمة ومعايير التصنيع. ولذلك تحتاج كل عائلة من المركبات إلى مخزونها الخاص من القطع والخبراء والإجراءات.
في أوقات السلم يمكن إدارة هذا التعقيد عبر تنظيم مركزي وميزانيات صيانة كبيرة. أما في حالة حرب طويلة الأمد، فقد يتحول إلى عبء ثقيل يرهق سلاسل الإمداد ويعطل القدرة على التعويض السريع للخسائر.
ومن ثم، فإن السؤال الحقيقي ليس عدد المركبات التي تمتلكها مصر، بل نسبة تلك المركبات القادرة على العمل والصيانة والتزود بالإمدادات في آن واحد خلال حرب عالية الكثافة.
القوة الجوية في مواجهة تعدد المنظومات
ينطبق المنطق نفسه على القوات الجوية. فمصر تشغل عدة عائلات من الطائرات المقاتلة، أبرزها F-16 الأمريكية، ورافال الفرنسية، وMiG-29M الروسية، ومختلف نسخ الميراج.
دبلوماسياً، يمنح هذا التنوع القاهرة هامشاً مهماً من الاستقلالية، ويحد من الاعتماد الكامل على واشنطن، كما يقلل من خطر شلّ كامل الأسطول بسبب قرار صادر عن مورد واحد.
لكن عسكرياً، تنتمي كل طائرة إلى منظومة تقنية مختلفة. فالذخائر ليست بالضرورة قابلة للتبادل، كما تختلف أنظمة تخطيط المهام والبرمجيات ومنظومات الحرب الإلكترونية وأجهزة المحاكاة وإجراءات الصيانة ومسارات التدريب.
وبالتالي، يتطلب تشغيل هذه الأساطيل المتعددة الحفاظ على بنى تحتية متوازية، وقد يحد من القدرة على تبادل المعلومات التكتيكية بشكل فوري بين الطائرات ومراكز القيادة وأنظمة الدفاع الجوي.
ولا تعد هذه التعددية مشكلة حتمية، إذ تعتمدها عدة جيوش حديثة. غير أنها تعوض ذلك عبر معايير اتصال مشتركة وعقيدة تشغيل صارمة وتمارين مشتركة منتظمة وبنية وطنية متكاملة تربط بين مختلف المنصات.
وفي غياب هذه الشروط، لا تنتج عملية التنويع قوة جوية أكثر مرونة، بل عدة قوات جوية تعمل داخل المؤسسة نفسها.
الدفاع الجوي: الاختبار الحقيقي للتكامل
يتضح التحدي بشكل أكبر في مجال الدفاع الجوي. ففعالية أي شبكة دفاع جوي لا تعتمد فقط على مدى الصواريخ أو قوتها، بل على قدرة الرادارات ومراكز القيادة وأنظمة التعريف والبطاريات الصاروخية على تبادل البيانات لحظياً.
وقد بنت مصر منظومة دفاعية تضم تجهيزات روسية وصينية وأمريكية ونرويجية وألمانية، إضافة إلى أنظمة أقدم ومنظومات قصيرة المدى.
وعلى الورق، يسمح هذا التنوع ببناء دفاع متعدد الطبقات يجمع بين الأنظمة بعيدة ومتوسطة وقصيرة المدى، ويُجبر الخصم على التعامل مع تقنيات وأساليب توجيه مختلفة.
لكن هذه الميزة تعتمد كلياً على جودة التكامل. فكل نظام قد يستخدم بروتوكولاته الخاصة وصيغ البيانات المختلفة وبرمجياته ومعايير اتصالاته الخاصة. كما أن بعض الموردين قد يرفضون مشاركة الشيفرات المصدرية أو الواجهات اللازمة لتحقيق الربط الكامل.
إذا نجحت منظومة وطنية للقيادة والسيطرة في دمج هذه البيانات، فإن التنوع يصبح ميزة حقيقية. أما في حال الفشل، فقد تتحول المنظومة إلى مجموعة فقاعات دفاعية منفصلة بدلاً من شبكة متكاملة.
سياسة التسليح وعلاقتها ببنية السلطة
قد لا تكون هذه التجزئة نتيجة اعتبارات تقنية فقط، بل ترتبط أيضاً بالتاريخ السياسي للمؤسسة العسكرية المصرية.
فمنذ ثورة الضباط الأحرار عام 1952، تأثرت بنية الأجهزة العسكرية والأمنية بهاجس منع الانقلابات. إذ لم تكن التهديدات تُرى دائماً على أنها خارجية فقط، بل كان يُنظر أيضاً إلى احتمال ظهور منافس من داخل المؤسسة العسكرية نفسها.
ولذلك جرى توزيع مراكز القوة، وتعدد المؤسسات الأمنية، والتحكم في الترقيات والتعيينات، ومنع أي طرف داخل الجيش من امتلاك استقلالية مفرطة.
ويُعرف هذا التوجه في الأدبيات السياسية بمفهوم "التحصين ضد الانقلابات" (Coup-Proofing)، حيث تكون الأولوية للحفاظ على ولاء المؤسسة أكثر من تعظيم كفاءتها القتالية.
التجزئة المادية انعكاس للتجزئة المؤسسية
من هذا المنظور، لا تبدو تعددية المعدات مجرد ظاهرة تقنية عابرة، بل انعكاساً مادياً لثقافة مؤسسية أوسع.
فالجيش المعتاد على العمل عبر دوائر بيروقراطية منفصلة قد يجد من الطبيعي أن تمتلك كل منظومة تسليح شبكتها اللوجستية الخاصة وخبراءها وعلاقاتها المستقلة مع الموردين.
وعندها تتحول سياسة التسلح إلى أداة للسياسة الخارجية وإدارة التوازنات الداخلية بقدر ما هي أداة للتحضير للحرب.
وهذا لا يعني أن المؤسسة العسكرية المصرية تتجاهل مفهوم التشغيل البيني، بل يعني أن الكفاءة القتالية ليست دائماً المعيار الوحيد عند اتخاذ قرارات الشراء، بل قد تخضع أيضاً لاعتبارات سياسية واقتصادية ومؤسسية.
المعضلة الاستراتيجية للرئيس السيسي
يواجه الرئيس عبد الفتاح السيسي معضلة بنيوية واضحة.
فإذا أراد رفع الكفاءة القتالية للجيش، فسيحتاج إلى تشجيع التفويض، وتعزيز التنسيق الأفقي بين الأفرع، وزيادة استقلالية القادة الميدانيين، ورفع مستوى التكامل العملياتي.
لكن هذه الإصلاحات نفسها قد تمنح بعض القيادات العسكرية قدرة أكبر على المبادرة، وربما على بناء نفوذ سياسي مستقل مستقبلاً.
ومن هنا يحاول النظام تحديث القوات المسلحة مع الحفاظ في الوقت ذاته على آليات الرقابة والضبط التي تضمن استقرار السلطة.
قوة عسكرية كبيرة... لكن هل هي متكاملة؟
لا شك أن مصر تمتلك واحدة من أكبر القوات المسلحة في المنطقة، إلى جانب قاعدة صناعية عسكرية مهمة وموقع جغرافي استراتيجي يربط بين البحر المتوسط والبحر الأحمر وقناة السويس والمشرق العربي وليبيا والقرن الإفريقي.
لكن حجم الترسانة وحده لا يكفي للحكم على الفعالية القتالية الحقيقية.
فالقوة العسكرية لا تُقاس بعدد الدبابات والطائرات والصواريخ فقط، بل تعتمد على:
- الجاهزية الفنية للمعدات.
- توحيد الذخائر وقطع الغيار.
- كفاءة شبكات القيادة والسيطرة.
- جودة التدريب المشترك.
- سرعة الإصلاح في الميدان.
- مستوى التفويض للقادة الأدنى.
- الاتساق العقائدي.
- صلابة سلاسل الإمداد.
- تكامل الاستخبارات والنيران.
- القدرة على مواصلة القتال رغم الخسائر والاضطرابات.
الخلاصة: بين التنويع السياسي والتماسك العسكري
إن تنويع مصادر التسليح المصرية يستند إلى منطق استراتيجي مفهوم، فهو يمنح القاهرة هامشاً أوسع للاستقلال الدبلوماسي ويحد من التبعية لأي قوة كبرى.
غير أن هذا الخيار يطرح مفارقة أساسية: فكلما زاد عدد الموردين، ازدادت الحاجة إلى الاستثمار في التوحيد القياسي، والربط التقني، والتدريب المشترك، والقيادة الرقمية، والتكامل العقائدي.
ومن دون هذه الجهود، قد يتحول التنويع من أداة للحماية من التبعية إلى مصدر للتجزئة.
لذلك لا يتمثل التحدي الرئيسي أمام مصر في نقص المعدات الحديثة، بل في قدرتها على تحويل هذا المخزون الضخم والمتنوع إلى منظومة قتالية متماسكة وفعالة.
وهنا تكمن المفارقة الأبرز: فالإجراءات المصممة تاريخياً لحماية النظام من مخاطر الانقلاب قد تكون هي نفسها من العوامل التي تحد من قدرة المؤسسة العسكرية على العمل كقوة موحدة ومتكاملة في زمن الحرب.
بــلـــڨـــاســم مربـــاح
تعليقات
إرسال تعليق