الجزائر وإسبانيا: تقارب براغماتي... لكن هل ستغيّر مدريد موقفها من الصحراء الغربية للتقرب من الجزائر؟
تشكّل زيارة رئيس الوزراء الإسباني بيدرو سانشيز إلى الجزائر محطة دبلوماسية مهمة في مسار العلاقات بين البلدين. فبعد سنوات من التوتر السياسي والدبلوماسي، والتي اندلعت أساساً بسبب التحول الإسباني في ملف الصحراء الغربية سنة 2022، يبدو أن مدريد والجزائر قررتا فتح صفحة جديدة قائمة على المصالح الاستراتيجية المشتركة والتعاون الاقتصادي والأمني.
عودة الواقعية السياسية الإسبانية
تدرك إسبانيا اليوم أن الجزائر ليست مجرد دولة مجاورة في جنوب البحر الأبيض المتوسط، بل هي شريك استراتيجي لا يمكن الاستغناء عنه في عدة مجالات حيوية، وعلى رأسها الطاقة والأمن ومكافحة الإرهاب والهجرة والتعاون الاقتصادي. وقد برزت هذه الحقيقة بشكل أكبر بعد الأزمات الدولية في سوق الطاقة، حيث استعادت الجزائر مكانتها كمورد رئيسي للغاز الطبيعي إلى أوروبا، وخاصة إلى إسبانيا.
ومن هذا المنطلق، فإن التقارب الحالي لا يستند إلى الاعتبارات العاطفية أو الرمزية، بل إلى حسابات واقعية مرتبطة بالمصالح الوطنية الإسبانية. فمدريد تدرك أن استمرار القطيعة مع الجزائر يضر بمصالحها الاقتصادية والاستراتيجية، ويمنح منافسين أوروبيين آخرين فرصة لتعزيز حضورهم في السوق الجزائرية.
الصحراء الغربية: العقدة التي لم تُحل
رغم مؤشرات الانفراج، يبقى ملف الصحراء الغربية هو التحدي الأكبر أمام التطبيع الكامل للعلاقات الجزائرية الإسبانية. فمن المعروف أن الجزائر اعتبرت الموقف الذي أعلنه سانشيز في مارس 2022، عندما وصف مقترح الحكم الذاتي المغربي بأنه "الأكثر جدية وواقعية ومصداقية"، خروجاً عن الحياد التقليدي الذي التزمت به مدريد لعقود.
من وجهة نظر الجزائر، لا يتعلق الأمر بنزاع إقليمي بين طرفين، بل بقضية تصفية استعمار تخضع لقرارات الأمم المتحدة ومبدأ تقرير المصير. ولا تزال الأمم المتحدة تعتبر الصحراء الغربية إقليماً غير متمتع بالحكم الذاتي، كما أن بعثة "المينورسو" أُنشئت أصلاً لتنظيم استفتاء يتيح للشعب الصحراوي الاختيار بين الاستقلال أو الاندماج مع المغرب.
هل يمكن أن تتراجع إسبانيا عن موقفها؟
على المدى القصير، يبدو من المستبعد أن تُقدم الحكومة الإسبانية على تراجع رسمي ومباشر عن موقفها المعلن سنة 2022. فمثل هذه الخطوة قد تؤدي إلى أزمة جديدة مع الرباط، بينما تعتمد مدريد على التعاون المغربي في ملفات حساسة مثل الهجرة والأمن والتجارة والتنسيق الحدودي.
لكن السياسة لا تُدار دائماً عبر القرارات الصريحة. فهناك احتمال كبير أن تلجأ إسبانيا إلى ما يمكن تسميته بـ"التراجع الهادئ" أو "إعادة التوازن التدريجية". أي أنها قد تحافظ شكلياً على موقفها الحالي، لكنها في الوقت نفسه تعود إلى التركيز على الشرعية الدولية ودور الأمم المتحدة والحل السياسي المتفاوض عليه بين الأطراف.
وبذلك تستطيع مدريد أن تبعث برسائل إيجابية إلى الجزائر دون الدخول في مواجهة مباشرة مع المغرب.
السيناريو الأكثر ترجيحاً: الغموض البناء
يبدو أن السيناريو الأكثر واقعية خلال السنوات المقبلة يتمثل في تبني إسبانيا سياسة توازن دقيقة بين الجزائر والمغرب. فمدريد لن تتخلى رسمياً عن دعمها للمبادرة المغربية، لكنها في المقابل قد تقلل من إبراز هذا الدعم في خطابها السياسي والدبلوماسي، وستعطي أهمية أكبر لمسار الأمم المتحدة.
هذا النهج يسمح لإسبانيا بالحفاظ على مصالحها مع الرباط، وفي الوقت نفسه استعادة الثقة الجزائرية وتعزيز التعاون الاقتصادي والاستراتيجي مع الجزائر.
هل حققت الجزائر مكسباً دبلوماسياً؟
يمكن القول إن الجزائر حققت بالفعل مكسباً مهماً، حتى وإن لم تحصل بعد على تغيير رسمي في الموقف الإسباني. فمجرد عودة الحوار السياسي رفيع المستوى بين البلدين، وقرار مدريد إعادة بناء الشراكة الاستراتيجية مع الجزائر، يعكس اعترافاً بأهمية الدور الجزائري في المنطقة. كما أنه يؤكد أن إسبانيا أدركت صعوبة بناء سياسة مغاربية متوازنة تتجاهل الجزائر أو تراهن حصراً على المغرب.
غير أن هذا المكسب يبقى جزئياً، لأن القضية الأساسية بالنسبة للجزائر لا تزال دون حل، وهي موقف مدريد من حق الشعب الصحراوي في تقرير مصيره.
العوامل التي قد تدفع إسبانيا نحو مزيد من التقارب مع الجزائر
هناك أربعة عوامل رئيسية قد تدفع مدريد مستقبلاً إلى إعادة النظر تدريجياً في مقاربتها:
- أهمية الجزائر كمصدر للطاقة بالنسبة لإسبانيا وأوروبا.
- الرغبة في استعادة المبادلات التجارية والاستثمارات الثنائية إلى مستويات ما قبل أزمة 2022.
- الحاجة إلى الحفاظ على التوازن الجيوسياسي في المغرب العربي وعدم الارتهان لطرف واحد.
- وجود معارضة داخل بعض الأوساط السياسية الإسبانية للتحول الذي قام به سانشيز سنة 2022.
خلاصة
من غير المرجح أن تعلن إسبانيا في المستقبل القريب تراجعاً رسمياً عن موقفها الداعم للمقترح المغربي بشأن الصحراء الغربية. لكن من المرجح أن نشهد تحولاً تدريجياً في الممارسة الدبلوماسية الإسبانية، يتمثل في العودة إلى خطاب أكثر توازناً يركز على الأمم المتحدة والشرعية الدولية.
وبعبارة أخرى، فإن مدريد قد لا تغيّر موقفها المعلن فوراً، لكنها قد تعمل على تخفيف آثاره السياسية من أجل تعزيز شراكتها مع الجزائر. وفي حال استمر التقارب الاقتصادي والاستراتيجي بين البلدين، فقد تجد إسبانيا نفسها مضطرة مستقبلاً إلى الاقتراب أكثر من الرؤية الجزائرية القائمة على أولوية الحل الأممي وحق الشعب الصحراوي في تقرير مصيره.
إن مستقبل العلاقات الجزائرية الإسبانية يبدو واعداً، لكنه سيظل مرتبطاً بقدرة الطرفين على إدارة ملف الصحراء الغربية بحكمة وواقعية، بعيداً عن منطق الاصطفافات الحادة، وفي إطار احترام القانون الدولي والبحث عن الاستقرار الإقليمي الدائم.
✍️ بلقاسم مرباح
وطني جزائري، حرّ في قلمه كما هو حرّ في قناعاته.
تعليقات
إرسال تعليق