التخطي إلى المحتوى الرئيسي

برنار لوغان والجزائر: حين تحاول السجالات أن تحل محل التاريخ

في مقال بعنوان «إلى متى سيواصل المؤرخون الجزائريون امتطاء أساطير التاريخ المزيّف؟»، نُشر على أحد المواقع المغربية، عاد برنار لوغان إلى ما يبدو أنه موضوعه المفضل: إعادة قراءة تاريخ الجزائر من منظورٍ مراجِع يسعى إلى التشكيك في عمقها التاريخي واستمراريتها الحضارية.

إن هذه المقاربة تكشف في حد ذاتها طبيعة الإشكال. فبدلاً من مناقشة المصادر والوثائق والوقائع التاريخية، يفضّل لوغان نقل النقاش إلى المجال النفسي والإيديولوجي. فتصبح القضية ليست فحص الحجج، بل التشكيك في دوافع من يقدّمها. وهو أسلوب قد يكون مريحاً في الجدل، لكنه يظل فقيراً من الناحية العلمية، لأنه يتجنب السؤال الجوهري: هل تمتلك الجزائر عمقاً تاريخياً سابقاً للاستعمار الفرنسي أم لا؟

منطق الإلغاء بدل منطق البحث

تكمن المعضلة في أن لوغان، لكي يثبت أن الجزائر «صناعة استعمارية فرنسية»، يضطر إلى ممارسة عملية محو متواصلة للتاريخ. فهو يستبعد الشعوب القديمة، ويتجاهل الممالك الوسيطة، ويهمّش الحواضر العلمية، ويقلل من شأن السلالات الحاكمة، ويختزل الوصاية العثمانية في استعمار مباشر، ثم يقدم الفراغ الذي صنعه بنفسه كدليل على صحة أطروحته.

بهذا المعنى، لا يتقدم من الوقائع نحو الاستنتاج، بل ينطلق من استنتاج مسبق ثم يعيد ترتيب الوقائع بما يخدمه. إنها ليست منهجية المؤرخ الذي يبحث في الوثائق، بل منهجية تسعى إلى تجريد الجزائر من تراكمها التاريخي حتى تبدو وكأنها وُلدت سنة 1830.

ازدواجية في المعايير

يظهر التناقض بوضوح عندما يتعلق الأمر بالمغرب. فلوغان يقبل بسهولة الحديث عن استمرارية تاريخية مغربية تمتد عبر الإدريسيين والمرابطين والموحدين والمرينيين والسعديين والعلويين، رغم ما تخلل تلك الفترات من انقطاعات وصراعات وتحولات.

أما عندما يتعلق الأمر بالجزائر، فإن كل انقطاع يصبح دليلاً على عدم وجودها، وكل ولاء أو تبعية سياسية يُقدَّم بوصفه استعماراً، وكل تعقيد تاريخي يتحول إلى حجة لنفي الكيان بأكمله.

ولو طُبقت المعايير نفسها على المغرب، لوجدنا أن جزءاً كبيراً من السردية التاريخية المغربية سيتعرض هو الآخر للاهتزاز. ولهذا فإن المشكلة ليست في المنهج التاريخي نفسه، بل في انتقائيته.

شعوب شمال إفريقيا القديمة والامتداد التاريخي

عندما يتحدث المؤرخون الجزائريون عن الليبيين القدماء أو النوميديين أو المور أو الجيتول، فإنهم لا يدّعون أن هذه الشعوب كانت تحمل هوية جزائرية معاصرة. القضية تتعلق بالاستمرارية الحضارية والثقافية والإنسانية في فضاء المغرب الكبير.

فالمؤرخون الإغريق والرومان، من هيرودوت إلى سالوست وسترابون وبلينيوس، لا يتحدثون عن دول حديثة، وإنما عن مجتمعات وممالك وشعوب وأقاليم تشكل المادة الخام لتاريخ المنطقة.

ورفض إدراج هذه الحقبة ضمن العمق التاريخي للجزائر، مع قبول توظيف العصور القديمة في سرديات أمم أخرى، لا يعكس حرصاً على تجنب الإسقاط التاريخي، بل يكشف عن انتقائية واضحة في التعامل مع الذاكرة.

ماسينيسا ويوبا الثاني: حدود لم تكن موجودة

إن ممالك ماسينيسا ويوبا الثاني امتدت على فضاءات تتجاوز الحدود المعاصرة لكل من الجزائر والمغرب. وإذا كان تجاوز حدود الدول الحالية يمنع الانتساب إلى التاريخ الوطني، فإن ذلك سيقود إلى استبعاد معظم تاريخ الأمم القديمة.

المنهج السليم يقتضي الاعتراف بأن هذه الكيانات تنتمي إلى تاريخ شمال إفريقيا المشترك، مع الإقرار بأن المغرب الأوسط ـ وهو الاسم التاريخي للجزائر ـ كان أحد المراكز السياسية الرئيسية لهذه التجارب.

إيالة الجزائر: دولة قائمة وليست فراغاً سياسياً

تشكل إيالة الجزائر إحدى أكبر العقبات أمام مقولة أن الجزائر لم تكن موجودة قبل الاحتلال الفرنسي. فقد امتلكت مؤسسات حكم وإدارة وجيشاً وبحرية وعملة ونظاماً جبائياً وعلاقات دبلوماسية مع القوى الأوروبية.

ولم تكن مجرد مقاطعة تابعة تُدار مباشرة من إسطنبول. فقد تفاوضت ووقعت المعاهدات واستقبلت القناصل وأدارت شؤونها الداخلية والخارجية بدرجة كبيرة من الاستقلالية.

ولذلك فإن وصفها بمجرد «مستعمرة تركية» لا يعبر عن مفهوم تاريخي دقيق، بقدر ما يعكس رغبة في نفي أي استمرارية سياسية جزائرية قبل سنة 1830.

فرنسا غزت الجزائر لكنها لم تخلقها

الخطأ الجوهري في أطروحة لوغان يكمن في الخلط بين الفتح الاستعماري والخلق التاريخي.

نعم، فرنسا احتلت الجزائر وأعادت رسم حدودها الإدارية وفرضت قوانينها واستغلت مواردها وغيرت معالم كثيرة من مجتمعها. لكنها لم تخلق النوميديين، ولم تؤسس تلمسان، ولم تنشئ الجزائر العاصمة، ولم ترسم تاريخ الصحراء، ولم تبتكر مؤسسات المجتمع التي سبقتها.

لقد غزت بلداً قائماً، ولم تُنشئ بلداً من العدم.

الجزائر: تاريخ حي لا يمكن محوه

إن تاريخ الجزائر ليس مجرد مادة أكاديمية، بل هو ذاكرة حية تشكل جزءاً من الوعي الجماعي للشعب الجزائري. فمن الممالك النوميدية إلى الدول الوسيطة، ومن المقاومة الشعبية إلى ثورة التحرير، تمتد سلسلة من التجارب التاريخية التي تمنح هذا البلد عمقه وخصوصيته.

ولهذا فإن النقاش حول تاريخ الجزائر لا يتعلق بتفصيل أكاديمي معزول، بل بمسألة الهوية والذاكرة والسيادة الرمزية.

الخاتمة

إن القول بأن الجزائر وُلدت مع الاستعمار الفرنسي لا يصمد أمام الوقائع التاريخية ولا أمام تعدد الشواهد السياسية والحضارية التي سبقت الاحتلال بقرون طويلة.

قد تكون فرنسا قد غزت الجزائر، لكنها لم تخلقها. وقد تكون قد فرضت حكمها عليها، لكنها لم تصنع تاريخها.

فالجزائر، بممالكها ومدنها وصحاريها ومؤسساتها وذاكرتها الجماعية، كانت موجودة قبل الاستعمار، واستمرت بعد رحيله، وستظل جزءاً أصيلاً من التاريخ الطويل للمغرب الكبير وشمال إفريقيا.



✍️ بقلم: بلقاسم مرباح

تعليقات

إرسال تعليق

المشاركات الشائعة من هذه المدونة

رسالة مفتوحة إلى رئيس الجمهورية السيد عبد المجيد تبون

سيدي الرئيس، أتمنى أن تصلكم هذه الرسالة و أنتم بصحة جيدة. أكتب إليكم اليوم بقلب مثقل لأعبر عن قلقي العميق واستيائي لوجود أكثر من 1.2 مليون مغربي في أرض الجزائر الطاهرة. كمواطن مسؤول ومعني ، أشعر أنه من واجبي أن أوجه انتباهكم إلى هذا الأمر. أود أولاً أن ألفت انتباهكم إلى الروابط بين أجهزة المخابرات الإسرائيلية والمغرب. لقد تم الكشف أن الموساد يجند بشكل كبير في الجالية المغربية في فرنسا. هل لدينا ضمانة أن الكيان الصهيوني لا يفعل الشيء نفسه في الجزائر؟ هذه القضية مصدر كرب وإحباط لمواطني بلادنا الذين يفقدون الأمل في التمثيلية الوطنية التي يفترض أن تدافع عن المصلحة العليا للوطن. لماذا يجب أن نبقي على أرضنا رعايا دولة معادية؟ لماذا لا نعيد هؤلاء إلى وطنهم لتفاقم الأزمة الاجتماعية والاقتصادية لبلد يتآمر ضد مصالحنا ويغرق بلدنا بأطنان من المخدرات؟ لماذا يجب أن نتسامح مع وجود اليوتيوبرز المغاربة في الجزائر الذين يسخرون يوميا من الشعب الجزائري؟ نعتقد أن الجزائر يجب أن تقطع العلاقات القنصلية مع المغرب في أسرع وقت ممكن ، لأن الغالبية العظمى من الشعب المغربي يشتركون في نفس الأطروحات التوسعية مثل ن...

17 أكتوبر 1961 — يومٌ كتب الجزائريون فيه بالدم معنى الكرامة

في مساءٍ باردٍ من أمسيات باريس، خرج أبناء الجزائر، حفاةَ القلب لكن شامخي الرأس، يحملون راية الوطن في صمتٍ مهيب، يهتفون للحياة والحرية والكرامة. لكن المستعمر الذي ضاق بصوت الحق، أطلق رصاصه على الجموع، فاهتزّت ضفاف السين بدمٍ طاهرٍ عربيٍّ أمازيغيٍّ جزائريٍّ لا يُنسى. سقطوا شهداء، لا في ساحات الوطن، بل في قلب عاصمةٍ ادّعت الحضارة، لتغسل بدمائهم وجهها الملطّخ بالنفاق. سقطوا وهم يرددون في سرّهم: تحيا الجزائر… ولن تموت. يا من أُلقيتم في نهر السين كأنكم أرقام، أنتم في قلوبنا رايات. أنتم النور الذي لا ينطفئ في ذاكرة الجزائر، أنتم الجسر بين المنفى والوطن، بين الألم والنصر. دماؤكم كانت الوضوء الذي طهّر تراب الاستقلال، وصراخكم في ليل باريس كان الأذان الأول لحرية الجزائر. سبعة عشر أكتوبر لم يكن يوماً من التقويم، بل صفحةً من البطولة، وشاهداً على أن الجزائري لا يركع إلا لله. ومن باريس إلى الجزائر، ظلّ النداء واحداً: لن ننسى… ولن نغفر… وسنبقى أوفياء لدم الشهداء. المجد والخلود لشهداء 17 أكتوبر 1961، ولتحيا الجزائر حرةً أبيةً، كما أرادوها. ✍️ بلقاسم مرباح وطني جزائري، حرّ في قلمه كما في مواقفه. العريضة...

لماذا الحديث عن "اتفاقية سلام" بين الجزائر والمغرب في حين لا توجد حرب؟

الإعلان الأخير بأن ستيف ويتكوف، المبعوث الخاص الأمريكي المعيَّن من قبل دونالد ترامب، يسعى إلى “إنهاء الأزمة الدبلوماسية بين الجزائر والمغرب” أثار العديد من ردود الفعل والتساؤلات. ووفقًا لتصريحاته، يأمل في التوصل إلى «اتفاق سلام» بين البلدين خلال الشهرين المقبلين، مؤكّدًا في الوقت نفسه أنه يعمل بالتوازي على مفاوضات بين إيران والولايات المتحدة. لكن هذه العبارة — «اتفاق سلام» — تطرح سؤالًا جوهريًا: عن أي حرب نتحدث؟ قراءة خاطئة للوضع الجزائر والمغرب ليسا في حالة حرب. لا يوجد نزاع مسلح ولا مواجهة مباشرة بين الدولتين. ما يفصل بينهما هو أزمة سياسية عميقة، ناتجة عن مواقف متناقضة حول قضايا السيادة والأمن الإقليمي والاحترام المتبادل. اختزال هذه الحقيقة المعقدة في مجرد “خلاف” يمكن تسويته بوساطة ظرفية يعكس إما سوء فهم لطبيعة النزاع، أو محاولة متعمدة لوضع البلدين على قدم المساواة أخلاقيًا ودبلوماسيًا، وهو ما ترفضه الجزائر رفضًا قاطعًا. الموقف الجزائري واضح وثابت شروط أي تطبيع مع المغرب معروفة، وقد جرى التأكيد عليها بقوة من قبل وزير الخارجية رمطان لعمامرة عند إعلان قطع العلاقات الدبلوماسية في 24 أغس...