إن هذه المقاربة تكشف في حد ذاتها طبيعة الإشكال. فبدلاً من مناقشة المصادر والوثائق والوقائع التاريخية، يفضّل لوغان نقل النقاش إلى المجال النفسي والإيديولوجي. فتصبح القضية ليست فحص الحجج، بل التشكيك في دوافع من يقدّمها. وهو أسلوب قد يكون مريحاً في الجدل، لكنه يظل فقيراً من الناحية العلمية، لأنه يتجنب السؤال الجوهري: هل تمتلك الجزائر عمقاً تاريخياً سابقاً للاستعمار الفرنسي أم لا؟
منطق الإلغاء بدل منطق البحث
تكمن المعضلة في أن لوغان، لكي يثبت أن الجزائر «صناعة استعمارية فرنسية»، يضطر إلى ممارسة عملية محو متواصلة للتاريخ. فهو يستبعد الشعوب القديمة، ويتجاهل الممالك الوسيطة، ويهمّش الحواضر العلمية، ويقلل من شأن السلالات الحاكمة، ويختزل الوصاية العثمانية في استعمار مباشر، ثم يقدم الفراغ الذي صنعه بنفسه كدليل على صحة أطروحته.
بهذا المعنى، لا يتقدم من الوقائع نحو الاستنتاج، بل ينطلق من استنتاج مسبق ثم يعيد ترتيب الوقائع بما يخدمه. إنها ليست منهجية المؤرخ الذي يبحث في الوثائق، بل منهجية تسعى إلى تجريد الجزائر من تراكمها التاريخي حتى تبدو وكأنها وُلدت سنة 1830.
ازدواجية في المعايير
يظهر التناقض بوضوح عندما يتعلق الأمر بالمغرب. فلوغان يقبل بسهولة الحديث عن استمرارية تاريخية مغربية تمتد عبر الإدريسيين والمرابطين والموحدين والمرينيين والسعديين والعلويين، رغم ما تخلل تلك الفترات من انقطاعات وصراعات وتحولات.
أما عندما يتعلق الأمر بالجزائر، فإن كل انقطاع يصبح دليلاً على عدم وجودها، وكل ولاء أو تبعية سياسية يُقدَّم بوصفه استعماراً، وكل تعقيد تاريخي يتحول إلى حجة لنفي الكيان بأكمله.
ولو طُبقت المعايير نفسها على المغرب، لوجدنا أن جزءاً كبيراً من السردية التاريخية المغربية سيتعرض هو الآخر للاهتزاز. ولهذا فإن المشكلة ليست في المنهج التاريخي نفسه، بل في انتقائيته.
شعوب شمال إفريقيا القديمة والامتداد التاريخي
عندما يتحدث المؤرخون الجزائريون عن الليبيين القدماء أو النوميديين أو المور أو الجيتول، فإنهم لا يدّعون أن هذه الشعوب كانت تحمل هوية جزائرية معاصرة. القضية تتعلق بالاستمرارية الحضارية والثقافية والإنسانية في فضاء المغرب الكبير.
فالمؤرخون الإغريق والرومان، من هيرودوت إلى سالوست وسترابون وبلينيوس، لا يتحدثون عن دول حديثة، وإنما عن مجتمعات وممالك وشعوب وأقاليم تشكل المادة الخام لتاريخ المنطقة.
ورفض إدراج هذه الحقبة ضمن العمق التاريخي للجزائر، مع قبول توظيف العصور القديمة في سرديات أمم أخرى، لا يعكس حرصاً على تجنب الإسقاط التاريخي، بل يكشف عن انتقائية واضحة في التعامل مع الذاكرة.
ماسينيسا ويوبا الثاني: حدود لم تكن موجودة
إن ممالك ماسينيسا ويوبا الثاني امتدت على فضاءات تتجاوز الحدود المعاصرة لكل من الجزائر والمغرب. وإذا كان تجاوز حدود الدول الحالية يمنع الانتساب إلى التاريخ الوطني، فإن ذلك سيقود إلى استبعاد معظم تاريخ الأمم القديمة.
المنهج السليم يقتضي الاعتراف بأن هذه الكيانات تنتمي إلى تاريخ شمال إفريقيا المشترك، مع الإقرار بأن المغرب الأوسط ـ وهو الاسم التاريخي للجزائر ـ كان أحد المراكز السياسية الرئيسية لهذه التجارب.
إيالة الجزائر: دولة قائمة وليست فراغاً سياسياً
تشكل إيالة الجزائر إحدى أكبر العقبات أمام مقولة أن الجزائر لم تكن موجودة قبل الاحتلال الفرنسي. فقد امتلكت مؤسسات حكم وإدارة وجيشاً وبحرية وعملة ونظاماً جبائياً وعلاقات دبلوماسية مع القوى الأوروبية.
ولم تكن مجرد مقاطعة تابعة تُدار مباشرة من إسطنبول. فقد تفاوضت ووقعت المعاهدات واستقبلت القناصل وأدارت شؤونها الداخلية والخارجية بدرجة كبيرة من الاستقلالية.
ولذلك فإن وصفها بمجرد «مستعمرة تركية» لا يعبر عن مفهوم تاريخي دقيق، بقدر ما يعكس رغبة في نفي أي استمرارية سياسية جزائرية قبل سنة 1830.
فرنسا غزت الجزائر لكنها لم تخلقها
الخطأ الجوهري في أطروحة لوغان يكمن في الخلط بين الفتح الاستعماري والخلق التاريخي.
نعم، فرنسا احتلت الجزائر وأعادت رسم حدودها الإدارية وفرضت قوانينها واستغلت مواردها وغيرت معالم كثيرة من مجتمعها. لكنها لم تخلق النوميديين، ولم تؤسس تلمسان، ولم تنشئ الجزائر العاصمة، ولم ترسم تاريخ الصحراء، ولم تبتكر مؤسسات المجتمع التي سبقتها.
لقد غزت بلداً قائماً، ولم تُنشئ بلداً من العدم.
الجزائر: تاريخ حي لا يمكن محوه
إن تاريخ الجزائر ليس مجرد مادة أكاديمية، بل هو ذاكرة حية تشكل جزءاً من الوعي الجماعي للشعب الجزائري. فمن الممالك النوميدية إلى الدول الوسيطة، ومن المقاومة الشعبية إلى ثورة التحرير، تمتد سلسلة من التجارب التاريخية التي تمنح هذا البلد عمقه وخصوصيته.
ولهذا فإن النقاش حول تاريخ الجزائر لا يتعلق بتفصيل أكاديمي معزول، بل بمسألة الهوية والذاكرة والسيادة الرمزية.
الخاتمة
إن القول بأن الجزائر وُلدت مع الاستعمار الفرنسي لا يصمد أمام الوقائع التاريخية ولا أمام تعدد الشواهد السياسية والحضارية التي سبقت الاحتلال بقرون طويلة.
قد تكون فرنسا قد غزت الجزائر، لكنها لم تخلقها. وقد تكون قد فرضت حكمها عليها، لكنها لم تصنع تاريخها.
فالجزائر، بممالكها ومدنها وصحاريها ومؤسساتها وذاكرتها الجماعية، كانت موجودة قبل الاستعمار، واستمرت بعد رحيله، وستظل جزءاً أصيلاً من التاريخ الطويل للمغرب الكبير وشمال إفريقيا.
بارك الله فيك
ردحذف