التخطي إلى المحتوى الرئيسي

المشاركات

مناورات التأثير ومحاولات التفكيك في الفضاء المغاربي: حالة منصف المرزوقي

يأتي تحريك النظام المغربي لورقة منصف المرزوقي في سياق محاولة واضحة للمساس بالعلاقات التاريخية والاستراتيجية التي تجمع الجزائر وتونس، ضمن مسعى أوسع يهدف إلى إضعاف أحد آخر محاور التماسك المغاربي القائم على التعاون والثقة واستمرارية الرؤية الدبلوماسية. وتندرج هذه المناورة في ظرف إقليمي بالغ التعقيد، يتسم بتكاثر التدخلات الخارجية وإعادة تشكيل موازين القوى. وفي مقابل هذا المسار، يختار المغرب تموضعًا خارج أي مشروع مغاربي مستقل، من خلال ارتهانه السياسي المتزايد لإسرائيل وفرنسا والإمارات. في قلب هذه الحملة غير المباشرة، يبرز منصف المرزوقي بوصفه الحلقة الأكثر ظهورًا وحماسة في تمرير أجندة المخزن. فالرئيس التونسي الأسبق، الذي أُقصي سياسيًا منذ خروجه من الحكم، يبدو وقد استبدل منطق المصلحة الوطنية بنزعة انتقام شخصي، تُترجمها تدخلات إعلامية متكررة، تتسم بالحدة والمبالغة، وتستهدف الجزائر على نحو يكشف افتقارها لأي مقاربة تحليلية متوازنة، مقابل ارتهانها الكامل للجدل والاستفزاز كوسيلة للبقاء في المشهد. ومن خلال مهاجمته المتزامنة لتونس والجزائر، يسعى المرزوقي إلى بث الفرقة بين شعبين تجمعهما وشائج التاريخ...

كرة القدم كرمز سياسي في بلاد مراكش: كيف وقع المغرب في الفخ

لم تعد كرة القدم في المغرب تُعامَل رياضةً خالصة، بل رُفِعت إلى مرتبة  العقيدة الوطنية . ما كان ينبغي أن يظلّ مجرد تدبيرٍ تنظيميٍّ لبطولةٍ قاريةٍ، انقلب  طقسًا دعائيًّا سياسيًّا  تُحمَّل فيه كل مباراةٍ واجبَ إثبات التفوق الرمزي والسياسي، وتُقرأ كل نتيجةٍ بوصفها شهادةً على «القدرة الوطنية». في هذا السرد المُبالَغ فيه أصبحت الكرة  الألف والأوميغا : رافعة للترويج الاقتصادي، قناعًا للإخفاقات الاجتماعية، أداةً دبلوماسية، وسلاحًا رمزيًّا موجَّهًا نحو جارٍ حاضرٍ دائمًا في النصوص: الجزائر، حتى عندما لا تكون طرفًا أصيلًا. ومقال «هسبريس» الأخير  نموذجٌ صارخٌ  لهذا الانحراف: تحت غطاء الاحتفال الرياضي، نلمح  هوسًا مُفرِطًا بالجزائر ، محمولًا على قلقٍ من ردود فعلٍ لا وجود لها أصلًا؛ فوفقًا للسرد، الجزائر «مرتبكة» أو «مصدومة» أو حتى «مهووسة» بحدثٍ لا يعدّه الجزائريون قضيةً مصيرية. الجزائر المزعومة… صورةٌ لا تعيش إلا في مخيلة الإعلام الجزائر التي يُقال إنها صُدمت بتنظيم المغرب لا وجود لها إلا في المقالات ؛ لا الشارع، ولا المؤسسات، ولا الإعلام الجزائري، ولا حتى المشجّع...

ازدواجية الاتحاد الإفريقي؟ قراءة نقدية لقضية الصحراء الغربية

في أعقاب المقال المنشور على هسبريس بتاريخ 30 ديسمبر 2025 تحت عنوان «ازدواجية الاتحاد الإفريقي تهدد سيادة الدول وتفاقم النزاعات الإقليمية المفتعلة»، يبرز ضرورة إعادة قراءة موقف الاتحاد الإفريقي تجاه النزاع في الصحراء الغربية بطريقة موضوعية، بعيدًا عن الأجندات السياسية الضيقة التي يروّج لها بعض الأطراف.   أولًا، ينبغي التمييز بين مسألتين قانونيتين متباينتين: رفض الاتحاد الإفريقي الاعتراف بما يسمى “أرض الصومال” من جهة، وتعامل المنظمة مع النزاع الصحراوي من جهة أخرى. رفض الاعتراف بدولة مفترضة داخل أراضي دولة عضو هو تطبيق لمبدأ وحدة الدولة، أما دعم الاتحاد الإفريقي للشعب الصحراوي فهو دعم لحقه في تقرير المصير وفق القانون الدولي وقرارات الأمم المتحدة، وليس دعمًا للانفصال عن دولة ذات سيادة. هذه المعايير تختلف جوهريًا عن الزعم المغربي بأن هناك ازدواجية في موقف الاتحاد. ثانيًا، المزاعم المغربية حول سيادة المغرب التاريخية على الصحراء الغربية تتجاهل حقيقة أن الإقليم محتل من قبل المغرب منذ عقود، وأن سكان الصحراء الغربية لهم الحق في التعبير عن إرادتهم عبر الآليات الدولية، بما في ذلك استفتاءات تقر...

ديناميات التدخل وإعادة تشكيل المجال العربي: قراءة نقدية في السلوك الإقليمي الإماراتي

يشكّل البيان الأخير الصادر عن المملكة العربية السعودية، بلهجته غير المألوفة تجاه دولة الإمارات العربية المتحدة، مؤشراً دالاً على تصدعات بنيوية ظلت كامنة داخل النسق الإقليمي العربي لسنوات طويلة. ولا يمكن فهم هذا الموقف باعتباره خلافاً عابراً أو تبايناً ظرفياً، بقدر ما يعكس مراجعة متأخرة لنهج تدخلي انتهجته أبوظبي على مدى أكثر من عقد، وما خلّفه من آثار سلبية عميقة على الاستقرار الإقليمي. كما يؤكد هذا التحول، من زاوية أخرى، صحة التحذيرات التي أطلقتها دول قليلة، وفي مقدمتها الجزائر، بشأن مخاطر عسكرة الأزمات والانخراط في سياسات الهيمنة غير المباشرة.   منذ مطلع العقد الثاني من الألفية، برزت دولة الإمارات العربية المتحدة كأحد أكثر الفاعلين العرب انخراطاً في النزاعات الإقليمية، من خلال مقاربة تقوم على إسقاط القوة الصلبة وتوظيف الفاعلين المحليين بالوكالة. وتحت غطاء خطاب رسمي يروّج للحداثة والاستقرار ومحاربة التطرف، بلورت القيادة الإماراتية، بقيادة محمد بن زايد، عقيدة سياسية–أمنية قوامها التدخل المباشر وغير المباشر، ودعم التشكيلات المسلحة، وتقويض مبدأ السيادة الوطنية للدول. وقد أسهم هذا النهج...

“حرب المسيّرات” في الصحراء الغربية: حين تُخفي الدعاية الإعلامية مأزقًا عسكريًا

المقال الذي نشرته صحيفة هسبريس حول ما سمّته “الضربات الدقيقة” التي تنفذها القوات المسلحة الملكية ضد جبهة البوليساريو لا يندرج في خانة التحليل الاستراتيجي، بقدر ما يعكس خطابًا دعائيًا مُغلّفًا بلغة عسكرية تقنية، يهدف إلى تلميع واقع مأزوم، وتطبيع ممارسات خطيرة، وتقديم التفوق التكنولوجي كبديل عن الشرعية السياسية والقانونية. أولًا: قلب الوقائع وتبرئة المعتدي ينطلق المقال من فرضية مسبقة مفادها أن المغرب يتعامل “بضبط وحكمة” مع ما يسميه “استفزازات منخفضة الحدة”. غير أن هذه الرواية تتجاهل حقيقة موثقة في تقارير الأمم المتحدة: التدخل العسكري المغربي في منطقة الكركرات في نوفمبر 2020 هو الذي أنهى فعليًا وقف إطلاق النار الموقّع سنة 1991. ومنذ ذلك التاريخ، لم يعد النزاع “مجمّدًا”، بل دخل مرحلة صراع مفتوح منخفض الكثافة، تتحمل الرباط مسؤوليته السياسية والقانونية الكاملة. ثانيًا: شرعنة الرواية الرسمية عبر “خبراء” مُصطفّين يعتمد المقال على مجلة أجنبية هامشية تُقدَّم كمرجع دفاعي، وعلى متدخلين معروفين بانتمائهم الصريح إلى الخطاب الرسمي، دون أي حضور لرأي مخالف أو مقاربة قانونية مستقلة. وهذا الأسلوب ليس ...

عندما تتحوّل الرموز إلى أدوات: خالد، الاستفزازات المتراكمة وخط القطيعة مع الوجدان الجزائري

  لم تمرّ اللقطة التي التُقطت خلال مباراة الجزائر–بوركينا فاسو، ضمن كأس أمم إفريقيا المقامة بالمغرب، مرور الكرام. الكاميرات ركّزت بإلحاح: خالد حاج إبراهيم، المعروف فنياً بـ«الشاب خالد»، في المدرجات، يلوّح براية خضراء-بيضاء-حمراء. مشهد بدا، للوهلة الأولى، احتفالياً. لكنه، في وعي الجزائريين، كان مشهداً مفتعلاً، محسوباً، ومشحوناً بالتناقض. ما رآه كثيرون لم يكن تعبيراً صادقاً عن انتماء، بل محاولة متأخرة لترميم صورة تهشّمت بفعل سنوات من المواقف والاستفزازات والاصطفافات المعاكسة لمصالح الجزائر العليا. فالشعب الجزائري، حين يتعلّق الأمر بالرموز، لا يُخدع بالصور ولا تنطلي عليه المسرحيات. تراكم الاستفزازات: من الفنان إلى الخصم الرمزي لا يمكن قراءة هذه اللقطة بمعزل عن سياقها. فخالد لم يخطئ مرة، ولم يلتبس موقفه عفوياً، بل راكم أفعالاً ومواقف وضعتْه تدريجياً في موقع التصادم مع الوجدان الوطني الجزائري. لقد: اختار الاصطفاف العلني إلى جانب المغرب في لحظة صراع سياسي واستراتيجي مفتوح مع الجزائر؛ قبل بالجنسية المغربية ورافق ذلك بخطاب سياسي متماهٍ مع الرواية الرسمية للرباط؛ شارك في حملات رمزية وثقافية...

بومدين… أو حين فقدت الدولة الجزائرية قامتها الاستراتيجية

حين صرّح الرئيس الفرنسي الأسبق فاليري جيسكار ديستان، في مقابلة على شاشة التلفزيون الفرنسي، بأن «مأساة الجزائر أنها لم تعرف منذ رحيل هواري بومدين رئيسًا في مستوى قامته»، لم يكن ذلك تعبيرًا عن حنين عاطفي ولا مجاملة متأخرة. تكمن دلالة هذا التصريح في كونه صادرًا عن رجل دولة كان خصمًا سياسيًا لبومدين، وممثلًا لدولة اصطدمت مصالحها مباشرة بخيارات الجزائر السيادية في سبعينيات القرن الماضي. في هذا السياق، تتحول شهادة جيسكار إلى اعتراف استراتيجي صريح: بومدين لم يكن مجرد رئيس، بل كان تجسيدًا لدولة ذات إرادة مستقلة، واضحة الرؤية، قادرة على إرباك التوازنات الدولية القائمة. بعبارة أدق، كانت الجزائر آنذاك تُدار بعقل رجل دولة يفهم التاريخ ومنطق القوة، ويُحسن توظيفهما. بعد سبعة وأربعين عامًا على رحيله في 27 ديسمبر 1978، لا يزال هذا الفراغ يثقل كاهل الدولة الجزائرية. لأن الغياب لم يكن غياب شخص فحسب، بل غياب منهج في الحكم وفلسفة في ممارسة السيادة. بومدين: السيادة كفعل لا كشعار كان هواري بومدين يرى السيادة ممارسة ملموسة لا خطابًا سياسويًا. فقرار تأميم المحروقات، والمكانة المحورية للجزائر في حركة عدم الانح...