التخطي إلى المحتوى الرئيسي

مناورات التأثير ومحاولات التفكيك في الفضاء المغاربي: حالة منصف المرزوقي

يأتي تحريك النظام المغربي لورقة منصف المرزوقي في سياق محاولة واضحة للمساس بالعلاقات التاريخية والاستراتيجية التي تجمع الجزائر وتونس، ضمن مسعى أوسع يهدف إلى إضعاف أحد آخر محاور التماسك المغاربي القائم على التعاون والثقة واستمرارية الرؤية الدبلوماسية. وتندرج هذه المناورة في ظرف إقليمي بالغ التعقيد، يتسم بتكاثر التدخلات الخارجية وإعادة تشكيل موازين القوى. وفي مقابل هذا المسار، يختار المغرب تموضعًا خارج أي مشروع مغاربي مستقل، من خلال ارتهانه السياسي المتزايد لإسرائيل وفرنسا والإمارات.


في قلب هذه الحملة غير المباشرة، يبرز منصف المرزوقي بوصفه الحلقة الأكثر ظهورًا وحماسة في تمرير أجندة المخزن. فالرئيس التونسي الأسبق، الذي أُقصي سياسيًا منذ خروجه من الحكم، يبدو وقد استبدل منطق المصلحة الوطنية بنزعة انتقام شخصي، تُترجمها تدخلات إعلامية متكررة، تتسم بالحدة والمبالغة، وتستهدف الجزائر على نحو يكشف افتقارها لأي مقاربة تحليلية متوازنة، مقابل ارتهانها الكامل للجدل والاستفزاز كوسيلة للبقاء في المشهد.

ومن خلال مهاجمته المتزامنة لتونس والجزائر، يسعى المرزوقي إلى بث الفرقة بين شعبين تجمعهما وشائج التاريخ والجغرافيا ومصير مشترك، في محاولة مكشوفة لافتعال تناقضات لا وجود لها في الواقع. كما تتيح له هذه الوضعية تحقيق حضور إعلامي بأدنى كلفة سياسية، بينما يؤدي عمليًا دور الواجهة المدنية لاستراتيجية إقليمية تتجاوز شخصه وطموحاته الضيقة. فبعيدًا عن صورة الفاعل المستقل، يتجلى المرزوقي كأداة نشطة في مشروع تخريبي يخدم مصالح خارجية أكثر مما يخدم مصلحة تونس.

وتسهم مداخلاته المتكررة على شبكات التواصل الاجتماعي، وفي بعض المنابر الإعلامية الأجنبية، في تغذية خطاب عدائي تجاه الجزائر، قائم على التهويل والاتهام والتسريبات غير المؤكدة. ويُفضي هذا الخطاب إلى خلق مناخ من الالتباس وانعدام الثقة، ضمن عمل ممنهج يهدف إلى إضعاف المحور الجزائري-التونسي، من خلال تشويه صورته وإظهاره كتحالف هش ومفروض. وفي هذا السياق، يفقد المرزوقي أي ادعاء بالدفاع عن السيادة، ليتحول إلى فاعل تأثير يخدم الأجندة المغربية بوعي أو بدونه.

ولا يُعد هذا الأسلوب جديدًا في الممارسة السياسية للمخزن. فمنذ التدهور العميق في العلاقات الجزائرية-المغربية، نتيجة الاستفزازات المتكررة الصادرة عن نظام ملكي معادٍ تاريخيًا لأي تكامل مغاربي حقيقي، باتت أدوات التأثير غير المباشر خيارًا ثابتًا: استغلال شخصيات سياسية متقاعدة، توظيف الآلة الإعلامية، إطلاق حملات رقمية منظمة، وخلق بؤر توتر مصطنعة. وقد أصبحت تونس، بحكم تمسكها التقليدي بسياسة التوازن وحسن الجوار، هدفًا مفضلًا لمثل هذه المناورات في السنوات الأخيرة.

وتكمن خصوصية المرحلة الراهنة في السعي إلى استهداف الجزائر وتونس في آن واحد، عبر خطاب يدّعي الانتقاد المتوازن، بينما يعمل في العمق على تقويض أسس التقارب بين البلدين. فمن خلال مهاجمة الجزائر في ملفات استراتيجية، والتشكيك في خيارات تونس السيادية، يُراد ترسيخ فكرة مضللة مفادها أن العلاقة بين البلدين علاقة ظرفية ومفروضة وقابلة للانهيار. غير أن الواقع الميداني يدحض هذا الزعم، إذ تقوم العلاقات الجزائرية-التونسية على عقود من التنسيق الأمني الوثيق، والتعاون الاقتصادي، والروابط الإنسانية العميقة، خاصة في المناطق الحدودية.

وتؤكد التجارب السابقة هذا المنحى. فقد سُجّلت محاولات مماثلة استغلت حوادث دبلوماسية محدودة أو سجالات إعلامية عابرة بهدف إحداث شرخ دائم بين البلدين. وكان الهدف دائمًا واحدًا: منع تشكل كتلة جزائرية-تونسية متماسكة قادرة على التأثير في التوازنات المغاربية والإفريقية، ولا سيما في ما يتعلق بقضية الصحراء الغربية والتحولات الجيوسياسية الجارية في المنطقة.

وتندرج هذه السياسة ضمن رؤية أوسع للمخزن، الذي شكّل تاريخيًا عائقًا أمام أي مشروع اندماج مغاربي قائم على السيادة والاستقلالية. ويغدو تخريب علاقات الجوار أداة دبلوماسية قائمة بذاتها، تعتمد على أصوات تُقدَّم بوصفها مستقلة، بينما تؤدي وظيفة تفكيكية بامتياز.

غير أن ما تتجاهله هذه الاستراتيجيات هو أن الروابط الجزائرية-التونسية أعمق وأرسخ من أن تهزها حملات ظرفية أو خطابات مأزومة. فالتبادل الإنساني، والتضامن المتبادل في أوقات الأزمات، والتنسيق الأمني في مواجهة التهديدات العابرة للحدود، إضافة إلى التشابك الاقتصادي، كلها عناصر نسجت علاقة متينة يصعب زعزعتها. كما أن سكان المناطق الحدودية، بعيدًا عن ضجيج السجالات الإعلامية، يجسدون يوميًا هذه العلاقة الحية والدائمة، التي استعصت — وستظل — على محاولات التشويش القادمة من الرباط أو من عواصم أخرى منخرطة في المشروع نفسه.



بــلـــڨـــاســم مربـــاح



تعليقات

المشاركات الشائعة من هذه المدونة

رسالة مفتوحة إلى رئيس الجمهورية السيد عبد المجيد تبون

سيدي الرئيس، أتمنى أن تصلكم هذه الرسالة و أنتم بصحة جيدة. أكتب إليكم اليوم بقلب مثقل لأعبر عن قلقي العميق واستيائي لوجود أكثر من 1.2 مليون مغربي في أرض الجزائر الطاهرة. كمواطن مسؤول ومعني ، أشعر أنه من واجبي أن أوجه انتباهكم إلى هذا الأمر. أود أولاً أن ألفت انتباهكم إلى الروابط بين أجهزة المخابرات الإسرائيلية والمغرب. لقد تم الكشف أن الموساد يجند بشكل كبير في الجالية المغربية في فرنسا. هل لدينا ضمانة أن الكيان الصهيوني لا يفعل الشيء نفسه في الجزائر؟ هذه القضية مصدر كرب وإحباط لمواطني بلادنا الذين يفقدون الأمل في التمثيلية الوطنية التي يفترض أن تدافع عن المصلحة العليا للوطن. لماذا يجب أن نبقي على أرضنا رعايا دولة معادية؟ لماذا لا نعيد هؤلاء إلى وطنهم لتفاقم الأزمة الاجتماعية والاقتصادية لبلد يتآمر ضد مصالحنا ويغرق بلدنا بأطنان من المخدرات؟ لماذا يجب أن نتسامح مع وجود اليوتيوبرز المغاربة في الجزائر الذين يسخرون يوميا من الشعب الجزائري؟ نعتقد أن الجزائر يجب أن تقطع العلاقات القنصلية مع المغرب في أسرع وقت ممكن ، لأن الغالبية العظمى من الشعب المغربي يشتركون في نفس الأطروحات التوسعية مثل ن...

17 أكتوبر 1961 — يومٌ كتب الجزائريون فيه بالدم معنى الكرامة

في مساءٍ باردٍ من أمسيات باريس، خرج أبناء الجزائر، حفاةَ القلب لكن شامخي الرأس، يحملون راية الوطن في صمتٍ مهيب، يهتفون للحياة والحرية والكرامة. لكن المستعمر الذي ضاق بصوت الحق، أطلق رصاصه على الجموع، فاهتزّت ضفاف السين بدمٍ طاهرٍ عربيٍّ أمازيغيٍّ جزائريٍّ لا يُنسى. سقطوا شهداء، لا في ساحات الوطن، بل في قلب عاصمةٍ ادّعت الحضارة، لتغسل بدمائهم وجهها الملطّخ بالنفاق. سقطوا وهم يرددون في سرّهم: تحيا الجزائر… ولن تموت. يا من أُلقيتم في نهر السين كأنكم أرقام، أنتم في قلوبنا رايات. أنتم النور الذي لا ينطفئ في ذاكرة الجزائر، أنتم الجسر بين المنفى والوطن، بين الألم والنصر. دماؤكم كانت الوضوء الذي طهّر تراب الاستقلال، وصراخكم في ليل باريس كان الأذان الأول لحرية الجزائر. سبعة عشر أكتوبر لم يكن يوماً من التقويم، بل صفحةً من البطولة، وشاهداً على أن الجزائري لا يركع إلا لله. ومن باريس إلى الجزائر، ظلّ النداء واحداً: لن ننسى… ولن نغفر… وسنبقى أوفياء لدم الشهداء. المجد والخلود لشهداء 17 أكتوبر 1961، ولتحيا الجزائر حرةً أبيةً، كما أرادوها. ✍️ بلقاسم مرباح وطني جزائري، حرّ في قلمه كما في مواقفه. العريضة...

لماذا الحديث عن "اتفاقية سلام" بين الجزائر والمغرب في حين لا توجد حرب؟

الإعلان الأخير بأن ستيف ويتكوف، المبعوث الخاص الأمريكي المعيَّن من قبل دونالد ترامب، يسعى إلى “إنهاء الأزمة الدبلوماسية بين الجزائر والمغرب” أثار العديد من ردود الفعل والتساؤلات. ووفقًا لتصريحاته، يأمل في التوصل إلى «اتفاق سلام» بين البلدين خلال الشهرين المقبلين، مؤكّدًا في الوقت نفسه أنه يعمل بالتوازي على مفاوضات بين إيران والولايات المتحدة. لكن هذه العبارة — «اتفاق سلام» — تطرح سؤالًا جوهريًا: عن أي حرب نتحدث؟ قراءة خاطئة للوضع الجزائر والمغرب ليسا في حالة حرب. لا يوجد نزاع مسلح ولا مواجهة مباشرة بين الدولتين. ما يفصل بينهما هو أزمة سياسية عميقة، ناتجة عن مواقف متناقضة حول قضايا السيادة والأمن الإقليمي والاحترام المتبادل. اختزال هذه الحقيقة المعقدة في مجرد “خلاف” يمكن تسويته بوساطة ظرفية يعكس إما سوء فهم لطبيعة النزاع، أو محاولة متعمدة لوضع البلدين على قدم المساواة أخلاقيًا ودبلوماسيًا، وهو ما ترفضه الجزائر رفضًا قاطعًا. الموقف الجزائري واضح وثابت شروط أي تطبيع مع المغرب معروفة، وقد جرى التأكيد عليها بقوة من قبل وزير الخارجية رمطان لعمامرة عند إعلان قطع العلاقات الدبلوماسية في 24 أغس...