التخطي إلى المحتوى الرئيسي

ديناميات التدخل وإعادة تشكيل المجال العربي: قراءة نقدية في السلوك الإقليمي الإماراتي

يشكّل البيان الأخير الصادر عن المملكة العربية السعودية، بلهجته غير المألوفة تجاه دولة الإمارات العربية المتحدة، مؤشراً دالاً على تصدعات بنيوية ظلت كامنة داخل النسق الإقليمي العربي لسنوات طويلة. ولا يمكن فهم هذا الموقف باعتباره خلافاً عابراً أو تبايناً ظرفياً، بقدر ما يعكس مراجعة متأخرة لنهج تدخلي انتهجته أبوظبي على مدى أكثر من عقد، وما خلّفه من آثار سلبية عميقة على الاستقرار الإقليمي. كما يؤكد هذا التحول، من زاوية أخرى، صحة التحذيرات التي أطلقتها دول قليلة، وفي مقدمتها الجزائر، بشأن مخاطر عسكرة الأزمات والانخراط في سياسات الهيمنة غير المباشرة.

 

منذ مطلع العقد الثاني من الألفية، برزت دولة الإمارات العربية المتحدة كأحد أكثر الفاعلين العرب انخراطاً في النزاعات الإقليمية، من خلال مقاربة تقوم على إسقاط القوة الصلبة وتوظيف الفاعلين المحليين بالوكالة. وتحت غطاء خطاب رسمي يروّج للحداثة والاستقرار ومحاربة التطرف، بلورت القيادة الإماراتية، بقيادة محمد بن زايد، عقيدة سياسية–أمنية قوامها التدخل المباشر وغير المباشر، ودعم التشكيلات المسلحة، وتقويض مبدأ السيادة الوطنية للدول. وقد أسهم هذا النهج في تعميق الانقسامات الداخلية وإطالة أمد النزاعات، بدلاً من معالجتها في إطار سياسي تفاوضي.

وتُعدّ الحالة الليبية نموذجاً إشكالياً لهذا السلوك التدخلي. فقد لعبت الإمارات دوراً محورياً في تأجيج الصراع الليبي عبر دعمها العسكري والمالي للواء المتقاعد خليفة حفتر، في خرق صريح لقرارات مجلس الأمن الدولي. هذا الدعم لم يُجهض فقط المسارات السياسية الرامية إلى حل توافقي شامل، بل ساهم أيضاً في تفكيك البنية المؤسسية للدولة الليبية وتعميق حالة الفوضى الأمنية، بما انعكس مباشرة على أمن منطقة المغرب العربي والساحل الإفريقي. وفي مقابل هذه المقاربة التصعيدية، التزمت الجزائر بعقيدتها الدبلوماسية الثابتة القائمة على مبدأ عدم التدخل، والدعوة إلى حوار ليبي–ليبي، واحترام وحدة ليبيا وسيادتها، مع التحذير المستمر من التداعيات الإقليمية الخطيرة للحرب بالوكالة.

ويظهر نمط مشابه في الساحة السودانية، حيث وُجهت اتهامات متكررة للإمارات بدعم أطراف مسلحة بعينها على حساب مسار الانتقال المدني الديمقراطي. وقد أدى هذا الانخراط الانتقائي إلى تغذية حالة عدم الاستقرار وإطالة أمد نزاع دموي ذي كلفة إنسانية وجيوسياسية مرتفعة. ومرة أخرى، حافظت الجزائر على موقف مبدئي واضح، رافضةً أي تدخل خارجي في الشأن السوداني، ومؤكدة ضرورة التوصل إلى حل سوداني سيادي نابع من الإرادة الوطنية، بعيداً عن منطق توظيف الانقسامات الداخلية لخدمة أجندات إقليمية.

غير أن أخطر تجليات النشاط الإماراتي تتبدى عند الحدود الغربية للجزائر، حيث يتقاطع الدور الإماراتي مع السياسات المغربية في إطار شراكة أمنية ودبلوماسية مكثفة. فقد أسهم الدعم الإماراتي في تسريع وتكريس مسار التطبيع المغربي مع الكيان الصهيوني، بما أفضى إلى إدخال إسرائيل كلاعب أمني واستخباراتي في الفضاء المغاربي. وتمثل هذه التطورات، من منظور استراتيجي، تحولاً عميقاً في موازين القوى الإقليمية، وتهديداً مباشراً للأمن القومي الجزائري. إزاء ذلك، عبّرت الجزائر عن رفضها القاطع لأي وجود إسرائيلي في محيطها الجيوسياسي، وجدّدت تمسكها المبدئي بالقضية الفلسطينية باعتبارها قضية تحرر وطني لا تقبل المساومة.

أمام هذه السياقات المتداخلة، حافظت الجزائر على خط دبلوماسي متسق يستند إلى الشرعية الدولية واحترام سيادة الدول، بعيداً عن الحسابات الظرفية أو منطق المحاور. فقد عملت على تعزيز حضورها الإفريقي والمتوسطي، والدفع نحو حلول سياسية سلمية للأزمات، وتكريس دورها كفاعل توازني في بيئة إقليمية تتسم بقدر عالٍ من الهشاشة وعدم اليقين.

خلاصة القول، إن التحذيرات التي تصدر اليوم من بعض العواصم العربية بشأن خطورة الاستراتيجيات الإماراتية، وإن جاءت متأخرة، تؤكد وجاهة الرؤية الجزائرية التي أدركت مبكراً مخاطر هذا النهج التدخلي. وفي ظل إعادة تشكّل النظام الإقليمي العربي، تبرز الجزائر كأحد الفاعلين القلائل الذين حافظوا على وضوح الرؤية، وثبات الموقف، والالتزام بمنطق الدولة والقانون، بما يمنحها مكانة خاصة كقطب للاستقرار والعقلانية السياسية في محيط إقليمي مضطرب.

بــلـــڨـــاســم مربـــاح


تعليقات

المشاركات الشائعة من هذه المدونة

رسالة مفتوحة إلى رئيس الجمهورية السيد عبد المجيد تبون

سيدي الرئيس، أتمنى أن تصلكم هذه الرسالة و أنتم بصحة جيدة. أكتب إليكم اليوم بقلب مثقل لأعبر عن قلقي العميق واستيائي لوجود أكثر من 1.2 مليون مغربي في أرض الجزائر الطاهرة. كمواطن مسؤول ومعني ، أشعر أنه من واجبي أن أوجه انتباهكم إلى هذا الأمر. أود أولاً أن ألفت انتباهكم إلى الروابط بين أجهزة المخابرات الإسرائيلية والمغرب. لقد تم الكشف أن الموساد يجند بشكل كبير في الجالية المغربية في فرنسا. هل لدينا ضمانة أن الكيان الصهيوني لا يفعل الشيء نفسه في الجزائر؟ هذه القضية مصدر كرب وإحباط لمواطني بلادنا الذين يفقدون الأمل في التمثيلية الوطنية التي يفترض أن تدافع عن المصلحة العليا للوطن. لماذا يجب أن نبقي على أرضنا رعايا دولة معادية؟ لماذا لا نعيد هؤلاء إلى وطنهم لتفاقم الأزمة الاجتماعية والاقتصادية لبلد يتآمر ضد مصالحنا ويغرق بلدنا بأطنان من المخدرات؟ لماذا يجب أن نتسامح مع وجود اليوتيوبرز المغاربة في الجزائر الذين يسخرون يوميا من الشعب الجزائري؟ نعتقد أن الجزائر يجب أن تقطع العلاقات القنصلية مع المغرب في أسرع وقت ممكن ، لأن الغالبية العظمى من الشعب المغربي يشتركون في نفس الأطروحات التوسعية مثل ن...

دعم فرنسي للخطة المغربية للحكم الذاتي للصحراء الغربية

 أعربت الجزائر، يوم الخميس، عن "استنكارها الشديد" للقرار الفرنسي الأخير بدعم خطة الحكم الذاتي المغربية للصحراء الغربية. وقد وصف هذا الموقف بأنه "غير متوقع، وغير مناسب، وغير مجدي" من قبل وزارة الخارجية الجزائرية. وقد أكدت الحكومة الجزائرية بوضوح أنها ستستخلص جميع العواقب المترتبة عن هذا القرار، محملة الحكومة الفرنسية المسؤولية الكاملة. وقد أثار الاعتراف الفرنسي بخطة الحكم الذاتي المغربية، التي تُعتبر إضفاءً للشرعية على السيادة المتنازع عليها للمغرب على الصحراء الغربية، رد فعل حاد في الجزائر. ونددت وزارة الخارجية الجزائرية بهذا القرار باعتباره عملاً داعماً "لفعل استعماري"، يتعارض مع مبادئ إنهاء الاستعمار التي تدعمها المجتمع الدولي. ويعتبر هذا الموقف أكثر إثارة للجدل بالنظر إلى أنه صادر عن عضو دائم في مجلس الأمن التابع للأمم المتحدة، الذي من المفترض أن يحترم ويعزز الشرعية الدولية. وتعتبر الجزائر هذا القرار عائقاً أمام الحل السلمي لقضية الصحراء الغربية، مشيرة إلى أن خطة الحكم الذاتي المغربية قد أدت إلى مأزق مستمر منذ أكثر من سبعة عشر عاماً. وأعربت الوزارة عن أ...

لماذا الحديث عن "اتفاقية سلام" بين الجزائر والمغرب في حين لا توجد حرب؟

الإعلان الأخير بأن ستيف ويتكوف، المبعوث الخاص الأمريكي المعيَّن من قبل دونالد ترامب، يسعى إلى “إنهاء الأزمة الدبلوماسية بين الجزائر والمغرب” أثار العديد من ردود الفعل والتساؤلات. ووفقًا لتصريحاته، يأمل في التوصل إلى «اتفاق سلام» بين البلدين خلال الشهرين المقبلين، مؤكّدًا في الوقت نفسه أنه يعمل بالتوازي على مفاوضات بين إيران والولايات المتحدة. لكن هذه العبارة — «اتفاق سلام» — تطرح سؤالًا جوهريًا: عن أي حرب نتحدث؟ قراءة خاطئة للوضع الجزائر والمغرب ليسا في حالة حرب. لا يوجد نزاع مسلح ولا مواجهة مباشرة بين الدولتين. ما يفصل بينهما هو أزمة سياسية عميقة، ناتجة عن مواقف متناقضة حول قضايا السيادة والأمن الإقليمي والاحترام المتبادل. اختزال هذه الحقيقة المعقدة في مجرد “خلاف” يمكن تسويته بوساطة ظرفية يعكس إما سوء فهم لطبيعة النزاع، أو محاولة متعمدة لوضع البلدين على قدم المساواة أخلاقيًا ودبلوماسيًا، وهو ما ترفضه الجزائر رفضًا قاطعًا. الموقف الجزائري واضح وثابت شروط أي تطبيع مع المغرب معروفة، وقد جرى التأكيد عليها بقوة من قبل وزير الخارجية رمطان لعمامرة عند إعلان قطع العلاقات الدبلوماسية في 24 أغس...