إن الادعاء بأن المغرب لا يؤدي دور "شرطي أوروبا" يتعارض مع الوقائع والمعطيات المتاحة. فمنذ أكثر من عقد، يضخ الاتحاد الأوروبي مئات الملايين من اليوروهات لتعزيز قدرات المغرب على مراقبة الحدود، حيث خُصصت مبالغ ضخمة لسياسات إدارة الهجرة، ويُوجَّه الجزء الأكبر منها نحو الأجهزة الأمنية وآليات المراقبة.
ولا تندرج هذه التمويلات ضمن إطار المساعدات المجردة أو التضامن الإنساني، بل تأتي في سياق استراتيجية أوروبية واضحة تهدف إلى تصدير مراقبة الحدود خارج المجال الأوروبي، وهو ما جعل المغرب أحد الأعمدة الأساسية لسياسة احتواء تدفقات الهجرة قبل وصولها إلى الضفة الشمالية للمتوسط. وبذلك أصبح الرباط شريكاً محورياً في منظومة تسعى قبل كل شيء إلى إبقاء الضغوط الهجرية بعيدة عن الحدود الأوروبية.
في المقابل، لا تستفيد الجزائر من أي آلية مماثلة. فهي لا تتلقى تمويلاً أوروبياً مخصصاً لمراقبة حدودها، كما أنها لم تقبل يوماً أن تُدار سياستها الهجرية وفق أجندات أو مصالح خارجية. لقد اختارت الجزائر نهجاً يقوم على السيادة الكاملة في إدارة هذا الملف الاستراتيجي، متحملة بمفردها تكاليفه ومسؤولياته.
ويكشف هذا التباين عن رؤيتين مختلفتين جذرياً: فمن جهة، شراكة ممولة بشكل مكثف بين الرباط وبروكسل حول إدارة الهجرة؛ ومن جهة أخرى، مقاربة جزائرية تقوم على استقلال القرار الوطني والحفاظ على السيادة.
أولاً: النفي الرسمي في مواجهة الأرقام
إن الخطاب الذي نقلته الصحيفة عن مصدر حكومي مغربي يندرج ضمن ممارسة إعلامية مألوفة: نفي الطابع التبادلي للعلاقة مع أوروبا في اللحظة التي يصبح فيها هذا الطابع أكثر وضوحاً من أي وقت مضى.
فالقول إن التمويلات الأوروبية "لم تكن أبداً محركاً للسياسة المغربية" يتجاهل منظومة مالية موثقة على مدى سنوات طويلة. إذ تُقدِّر وزارة الداخلية المغربية نفسها تكلفة مراقبة الحدود بحوالي 100 مليون يورو سنوياً. وإلى جانب هذا الإنفاق الوطني، تتدفق الأموال الأوروبية عبر برامج متعددة تشمل:
- 500 مليون يورو مبرمجة للفترة 2021-2027 في مجال التعاون المرتبط بالهجرة.
- 152 مليون يورو مخصصة لتعزيز مراقبة الحدود بموجب اتفاق وُقِّع سنة 2023.
- أكثر من 170 مليون يورو صُرفت بين 2020 و2022 لدعم أنظمة المراقبة والتتبع الحدودي.
والأكثر دلالة أن عدة دراسات تشير إلى أن نحو 80% من هذه التمويلات تُوجَّه إلى الجوانب الأمنية والرقابية، وليس إلى إدماج المهاجرين أو تحسين أوضاعهم. بمعنى آخر، فإن ما تموله بروكسل أساساً ليس مشروعاً إنسانياً، بل خدمة أمنية هدفها الحد من تدفق المهاجرين نحو أوروبا.
ثانياً: الحدود كأداة سياسية ودبلوماسية
غير أن القضية لا تتوقف عند الجانب المالي فقط.
فالحدود بالنسبة للمغرب لم تعد مجرد فضاء للمراقبة، بل تحولت إلى أداة سياسية يمكن تشديدها أو تخفيفها وفقاً للظروف الدبلوماسية.
وتبرز عدة محطات خلال السنوات الأخيرة هذا النمط بشكل لافت:
2019
أغلقت الرباط المعبر التجاري في الفنيدق، تحت مبرر مكافحة التهريب، في وقت تزامن مع توترات مرتبطة بملف الصحراء الغربية، وهو قرار كان له أثر اقتصادي بالغ على سكان المنطقة.
مايو 2021
عبر ما بين 8 آلاف و10 آلاف شخص نحو سبتة خلال ساعات قليلة بعد ما بدا أنه تخفيف للرقابة الحدودية المغربية، وذلك عقب استقبال إسبانيا لزعيم جبهة البوليساريو إبراهيم غالي لتلقي العلاج. وبعد أشهر قليلة، شهد الموقف الإسباني تحولاً جذرياً بشأن قضية الصحراء الغربية.
2026
سُجلت موجة جديدة من التدفقات البشرية نحو سبتة في سياق اتسم بتقارب جزائري إسباني متزايد وزيارة رسمية لرئيس الحكومة الإسبانية إلى الجزائر.
وعند النظر إلى هذه الوقائع مجتمعة، تتشكل صورة متماسكة: فالحدود لا تُقدَّم فقط كخدمة أمنية ممولة من أوروبا، بل تبدو أيضاً أداة ضغط يمكن استخدامها عند الحاجة لتحقيق أهداف سياسية أو دبلوماسية.
وهنا يبرز التناقض: فالمغرب يتلقى تمويلاً مقابل مراقبة الحدود، لكنه يحتفظ في الوقت ذاته بالقدرة على تعديل مستوى هذه الرقابة عندما تقتضي مصالحه ذلك. وهكذا تتحول الحدود إلى مصدر دخل وإلى ورقة نفوذ في آن واحد.
ثالثاً: الاستثناء الجزائري
يختلف النموذج الجزائري جذرياً عن هذه المقاربة.
فالجزائر لم تربط إدارة ملف الهجرة بعلاقة تمويلية مع الاتحاد الأوروبي، ولا تتلقى مقابلاً مالياً لمراقبة حدودها البرية أو البحرية، كما أنها لم تستخدم التدفقات البشرية كوسيلة تفاوض دبلوماسية.
ولا شك أن هذا الاختيار يفرض أعباء مالية إضافية ويحرم الجزائر من الامتيازات السياسية والاقتصادية التي قد ترافق مثل هذه الشراكات. لكنه يمنحها في المقابل ميزة أساسية: الحفاظ على استقلال القرار الاستراتيجي.
وعليه، تبقى إدارة الحدود الجزائرية خاضعة للاعتبارات الوطنية وحدها، بعيداً عن أي شروط خارجية أو اعتماد على ما يمكن وصفه بـ"الريع الأمني" المرتبط بالملف الهجري.
رابعاً: ما الذي يتجاهله الخطاب الرسمي؟
عندما تُقدَّم الشراكة الحالية مع الاتحاد الأوروبي على أنها علاقة غير متوازنة ومجحفة في حق المغرب، فإن هذا الخطاب يقلب معادلة الواقع.
فالسؤال ليس فقط ما إذا كانت أوروبا تستفيد من المغرب، بل أيضاً كيف نجح المغرب في تحويل موقعه الجغرافي والتحكم في تدفقات الهجرة إلى أصل استراتيجي قابل للتوظيف مالياً ودبلوماسياً.
ومن هذا المنطلق، تبدو التصريحات الرافضة لوصف المغرب بـ"شرطي أوروبا" أقل شبهاً بتفنيد للوقائع وأكثر قرباً من محاولة لتخفيف وقع حقيقة باتت واضحة: وجود علاقة اعتماد متبادل منظمة، حيث تشكل التمويلات الأوروبية من جهة، والقدرة على التأثير في ملف الهجرة من جهة أخرى، وجهين لآلية واحدة.
وفي النهاية، لم يعد النقاش يدور حول وجود هذه العلاقة من عدمه، فوجودها موثق ومعروف، بل حول التسمية التي ينبغي إطلاقها عليها. فبينما يصفها البعض بشراكة استراتيجية، يرى آخرون أنها تعاقد غير معلن يمنح المغرب مقابلاً مالياً للقيام بوظيفة أمنية، مع احتفاظه بإمكانية توظيفها كورقة ضغط دبلوماسية عندما تملي مصالحه ذلك.
بلقاسم مرباح
تعليقات
إرسال تعليق