تحتل مدينتا سبتة ومليلية مكانة خاصة في الجغرافيا السياسية لحوض البحر الأبيض المتوسط. فهما تقعان على الساحل الشمالي لإفريقيا وتحدهما المملكة المغربية، ولذلك كثيراً ما تقدمهما الرباط باعتبارهما «مدينتين محتلتين». غير أن القراءة التاريخية والقانونية والمؤسساتية تُظهر أن ارتباطهما بإسبانيا أقدم بكثير من مرحلة الاستعمار الأوروبي الحديث خلال القرنين التاسع عشر والعشرين.
فسبتة ومليلية ليستا من مخلفات نظام الحماية الإسبانية على المغرب، بل كانتا خاضعتين للسيادة الإيبيرية منذ قرون طويلة قبل إنشاء الحماية الإسبانية سنة 1912، وقبل استقلال المغرب سنة 1956. ولهذا يرى المدافعون عن الموقف الإسباني أن وضع المدينتين لا يمكن مقارنته بالحالات الكلاسيكية للاستعمار أو تصفية الاستعمار.
والخطأ الشائع يتمثل في الحكم على وضع سبتة ومليلية انطلاقاً من موقعهما الجغرافي فقط. ففي القانون الدولي لا تكفي الجغرافيا وحدها لإثبات السيادة. فهناك العديد من الأمثلة لأقاليم تتبع دولاً رغم انفصالها الجغرافي عنها. وفي حالة سبتة ومليلية تستند إسبانيا إلى الاستمرارية التاريخية والإدارة الفعلية والمعاهدات الدولية والاندماج الكامل للمدينتين داخل الدولة الإسبانية.
أولاً: وجود إيبيري سابق لقيام المغرب الحديث
بدأ ارتباط سبتة بالقوى الإيبيرية سنة 1415 عندما سيطرت عليها البرتغال خلال توسعها البحري. وعندما استعاد البرتغال استقلاله عن التاج الإسباني سنة 1640، اختارت سبتة البقاء تحت السيادة الإسبانية، وهو ما تم تكريسه رسمياً في معاهدة لشبونة سنة 1668.
أما مليلية فقد خضعت للسيطرة الإسبانية سنة 1497 بعد الحملة التي قادها بيدرو دي إستوبينيان باسم دوق مدينة سيدونيا. ومنذ ذلك التاريخ ظلت المدينة تحت الإدارة الإسبانية دون انقطاع.
ويرى أنصار الموقف الإسباني أن هذا التسلسل الزمني مهم للغاية، لأن المدينتين أصبحتا إسبانيتين قبل قرون من إقامة الحماية الإسبانية والفرنسية على المغرب، وقبل تشكل الدولة المغربية الحديثة بحدودها الحالية.
لذلك يعتبرون أن وضع سبتة ومليلية يختلف عن حالات أخرى مثل الصحراء الغربية أو المستعمرات الأوروبية التقليدية في إفريقيا خلال القرنين التاسع عشر والعشرين.
ثانياً: وضع قانوني منفصل عن الحماية الإسبانية في المغرب
من أبرز الحجج الإسبانية أن سبتة ومليلية لم تكونا جزءاً من منطقة الحماية الإسبانية على المغرب التي أُنشئت سنة 1912.
فعندما أُقيمت الحماية كانت المدينتان تُداران بالفعل باعتبارهما مدينتين إسبانيتين، ولم تكونا خاضعتين للنظام القانوني الخاص بالأراضي الموضوعة تحت الحماية.
وعندما حصل المغرب على استقلاله سنة 1956 استعاد الأراضي التي كانت تدخل ضمن نظام الحماية، لكن سبتة ومليلية بقيتا تحت السيادة الإسبانية لأن مدريد تعتبرهما جزءاً من أراضيها الوطنية وليس مجرد مناطق خاضعة لإدارة استعمارية مؤقتة.
وتُعد هذه النقطة من أهم عناصر التمييز التي تعتمدها إسبانيا لرفض مقارنة المدينتين بالمستعمرات التقليدية.
ثالثاً: المعاهدات والاستمرارية التاريخية
تشير إسبانيا إلى مجموعة من المعاهدات والعلاقات الدبلوماسية التاريخية التي كرست وجودها في المدينتين.
ومن بين هذه الوثائق معاهدة تطوان لعام 1860 التي أُبرمت بعد الحرب الإسبانية المغربية، والتي تعاملت مع سبتة ومليلية باعتبارهما واقعاً قائماً ضمن العلاقات الثنائية بين الطرفين.
وفي القانون الدولي لا تقوم السيادة فقط على حدث تاريخي مؤسس، بل تعتمد كذلك على الممارسة المستمرة للسلطة. فعلى مدى قرون مارست إسبانيا وظائف الدولة كاملة في المدينتين، من إدارة وقضاء وأمن وخدمات وبنية تحتية وسكان دائمين وتشريعات وطنية.
ويرى المدافعون عن الموقف المغربي أن هذا الواقع نتج عن ميزان قوى تاريخي غير متكافئ، لكن إسبانيا تجادل بأن المطالبة السياسية وحدها لا تكفي قانونياً لإلغاء سيادة تمارس بشكل متواصل منذ عدة قرون.
رابعاً: اندماج كامل داخل الدولة الإسبانية
لا تُدار سبتة ومليلية اليوم كمستعمرتين أو أقاليم خارجية منفصلة، بل هما جزء من النظام الدستوري الإسباني.
وبموجب قوانين سنة 1995 حصلت المدينتان على صفة «مدينتين ذاتيتي الحكم»، مع مؤسسات محلية وصلاحيات إدارية وتمثيل سياسي داخل الدولة الإسبانية.
كما أن سكان المدينتين يحملون الجنسية الإسبانية كاملة، ويشاركون في الانتخابات العامة الإسبانية، ويتمتعون بجميع الحقوق الدستورية التي يتمتع بها المواطنون الإسبان في بقية أنحاء البلاد.
ومن وجهة النظر الإسبانية، فإن هذا الاندماج السياسي والمؤسساتي يميز سبتة ومليلية عن الأوضاع الاستعمارية التقليدية التي تكون فيها الشعوب الخاضعة للحكم الأجنبي محرومة من التمثيل السياسي الكامل.
خامساً: الاتحاد الأوروبي والأمم المتحدة
تتمتع سبتة ومليلية بوضع خاص داخل الاتحاد الأوروبي، وتُعتبران جزءاً من الأراضي الخاضعة للسيادة الإسبانية، رغم وجود ترتيبات خاصة تتعلق بالجمارك والضرائب وحركة الأشخاص.
كما تمثل حدودهما مع المغرب إحدى النقاط البرية النادرة التي تفصل بين الاتحاد الأوروبي والقارة الإفريقية، مما يمنحهما أهمية استراتيجية في ملفات الهجرة والأمن والتجارة.
ومن الحجج التي تستند إليها مدريد أيضاً أن المدينتين غير مدرجتين ضمن قائمة الأمم المتحدة للأقاليم غير المتمتعة بالحكم الذاتي الخاضعة لمسار تصفية الاستعمار، بخلاف الصحراء الغربية.
وترى إسبانيا أن عدم إدراج المدينتين ضمن تلك القائمة يعزز موقفها القائل إن المجتمع الدولي لا يتعامل معهما قانونياً باعتبارهما مستعمرتين ينبغي تصفية الاستعمار فيهما.
سادساً: المطالبة المغربية
منذ استقلاله سنة 1956 يطالب المغرب بسبتة ومليلية ويعتبرهما جزءاً من أراضيه الوطنية.
وتستند هذه المطالبة إلى معطيات جغرافية وتاريخية ورؤية تقوم على استكمال الوحدة الترابية.
غير أن إسبانيا ترد بأن المطالبة المغربية تصطدم بعدة عناصر أساسية، منها قدم الوجود الإسباني في المدينتين، والاندماج الدستوري والمؤسساتي الكامل لهما داخل الدولة الإسبانية، وتمتع سكانهما بالجنسية الإسبانية، وعدم وجود اعتراف دولي بوضعهما كأراضٍ استعمارية.
كما أن التعاون المستمر بين المغرب وإسبانيا في إدارة الحدود ومكافحة الهجرة غير النظامية يُظهر أن الخلاف السياسي حول السيادة لم يمنع التعامل العملي مع واقع الإدارة الإسبانية القائم.
خاتمة
وفق الرؤية التاريخية والقانونية الإسبانية، تُعتبر سبتة ومليلية مدينتين إسبانيتين لأن سيادة إسبانيا عليهما تعود إلى عدة قرون، ولأن هذه السيادة مورست بشكل متواصل وثابت، ولأن المدينتين مندمجتان بالكامل في النظام الدستوري والمؤسساتي الإسباني.
وتستند هذه الرؤية إلى ثلاثة مرتكزات رئيسية:
- التاريخ: قرون من الوجود والسيطرة الإسبانية المستمرة.
- القانون: معاهدات وإدارة فعلية وغياب أي تصنيف أممي لهما كأراضٍ خاضعة لتصفية الاستعمار.
- المؤسسات: اندماج كامل داخل الدولة الإسبانية وامتلاك السكان لجميع حقوق المواطنة الإسبانية.
وفي المقابل، يواصل المغرب التمسك بمطالبته السياسية بالمدينتين باعتبارهما جزءاً من وحدة أراضيه. لذلك يبقى الملف موضوع خلاف سياسي ودبلوماسي قائم، رغم أن الواقع القانوني والإداري الحالي يتمثل في خضوع سبتة ومليلية للسيادة الإسبانية ومشاركتهما الكاملة في مؤسسات الدولة الإسبانية والفضاء الأوروبي.
بــلـــڨـــاســم مربـــاح
تعليقات
إرسال تعليق