التخطي إلى المحتوى الرئيسي

لماذا طعنت الرباط حليفها سانشيز في الظهر؟ الدوافع الحقيقية وراء القطيعة المفاجئة

تُعدّ عملية اقتحام سبتة التي نظمها النظام المغربي، زلزالاً جيوسياسياً حقيقياً. فقد فاجأت هذه الحادثة العديد من المراقبين وأثارت سؤالاً جوهرياً: لماذا اختارت الرباط استهداف بيدرو سانشيز، في الوقت الذي كان يُعتبر فيه أكثر حلفائها قيمةً داخل أوروبا؟

منذ وصوله إلى السلطة، قدّم سانشيز سلسلة من التنازلات لصالح المغرب. فعلى الصعيد الدبلوماسي، أحدث تحولاً تاريخياً في الموقف الإسباني من قضية الصحراء الغربية، منهيًا عقوداً من الحذر الدبلوماسي. أما على الصعيد الاقتصادي، فقد بلغت العلاقات الثنائية مستويات قياسية، مع تزايد حضور الشركات الإسبانية في المغرب وتصاعد المبادلات التجارية بشكل غير مسبوق. كما استفاد المواطنون المغاربة من عدد من التسهيلات الخاصة، خاصة في مجالات التنقل والتعاون الإداري. ولم يحظَ أي بلد آخر على الضفة الجنوبية للمتوسط بمعاملة مماثلة من مدريد.

ومع ذلك، ورغم كل هذه الامتيازات، اختارت الرباط المواجهة.

إن القول بأن هذا الاقتحام تم تنظيمه من قبل السلطات المغربية ليس مجرد ادعاء خيالي. فالمؤشرات كثيرة ومتوافقة فيما بينها. فقد تم تداول صور تُظهر شاحنات عسكرية تنقل شباناً مغاربة نحو منطقة سبتة. كما أن قوات الأمن المغربية، المعروفة بحضورها المكثف على هذه الحدود، كانت غائبة بشكل لافت وقت الأحداث. والأكثر إثارة للانتباه أن الأسلاك الشائكة الفاصلة بين الأراضي المغربية والجيب الإسباني في سبتة قد أُزيلت قبل الأزمة بفترة قصيرة. ويُضاف إلى ذلك ما نقلته عدة وسائل إعلام بشأن أنشطة مراقبة مكثفة في المنطقة خلال الأيام التي سبقت الاقتحام. وقد يكون كل عنصر من هذه العناصر قابلاً للنقاش إذا نُظر إليه بمعزل عن غيره، لكن اجتماعها يرسم صورة يصعب تجاهلها.

وأمام هذه الوقائع، حاول البعض بناء روايات بديلة، وصلت إلى حد الحديث عن شبكات مزعوم أنها تُدار من الجزائر أو عن نشاط عصابات تهريب البشر. غير أن هذه التفسيرات تبدو ضعيفة أمام كثرة المؤشرات التي توحي بأن العملية تمت بتسهيل، بل وربما بتشجيع، من السلطات المغربية نفسها.

ولفهم هذا القرار، ينبغي التوقف عند المنطق السياسي الذي يحكم النظام المغربي. فمنذ استقلاله، بنى المغرب جزءاً أساسياً من استراتيجيته على الارتباط الوثيق بالقوى الغربية الكبرى. ولا يزال اقتصاده يعتمد بشكل كبير على رؤوس الأموال الأجنبية، ودعم المؤسسات المالية الدولية، وشركائه الأوروبيين. وهذه التبعية تحدّ بالضرورة من استقلاليته الاستراتيجية وتدفعه في كثير من الأحيان إلى التصرف وفق اعتبارات تتجاوز أولوياته الوطنية المباشرة.

في الوقت نفسه، تميز بيدرو سانشيز تدريجياً في عدد من الملفات الدولية الحساسة. فقد أدى اعترافه بدولة فلسطين وبعض مواقفه المتعلقة بتطورات الشرق الأوسط إلى إثارة استياء جهات دولية نافذة. ومن ثم، أصبح إضعاف سانشيز هدفاً تتقاطع حوله مصالح قوى سياسية متعددة، سواء داخل إسبانيا أو خارجها.

وبحسب هذا التحليل، فإن أزمة سبتة تندرج ضمن هذا السياق. فمن خلال خلق ضغط هجرة كبير على الأراضي الإسبانية، كانت الرباط تدرك تماماً أنها ستضع سانشيز في وضع سياسي شديد الحساسية. فاليمين الإسباني يتهمه منذ فترة طويلة بالتساهل مع المغرب، بينما تلومه أطراف من اليسار على تنازلاته في ملف الصحراء الغربية. وبالتالي، كانت هذه العملية مرشحة لأن تزيد من إضعاف زعيم يواجه أصلاً انتقادات متزايدة.

غير أن هناك قراءة أخرى أكثر براغماتية. فبحسب المحلل أكـرم خريف، ربما سعت الرباط إلى توجيه رسالة مباشرة إلى اليمين الإسباني. فالقادة المغاربة يدركون أن مرحلة سانشيز قد تكون في طريقها إلى النهاية، وأن موازين القوى السياسية في إسبانيا قد تتغير بعد الانتخابات المقبلة. ومن خلال إظهار قدرتهم على خلق أزمة كبرى متى أرادوا، كانوا يسعون إلى تذكير القادة الإسبان المحتملين في المستقبل بأن أي علاقة مستقرة مع المغرب لا يمكن أن تقوم دون تفاهم مسبق مع الرباط.

وبعبارة أخرى، لم يكن اقتحام سبتة موجهاً ضد سانشيز وحده، بل كان أيضاً بمثابة تحذير لمن يطمح إلى خلافته. والرسالة واضحة: المكاسب التي حصل عليها المغرب خلال عهد سانشيز يجب الحفاظ عليها أو إعادة التفاوض بشأنها وفق شروط تخدم مصالح الرباط.

ومع ذلك، فإن هذه الاستراتيجية تنطوي على خطر كبير، يتمثل في المبالغة في تقدير قدرة المغرب على الضغط، وفي المقابل التقليل من أدوات النفوذ التي تمتلكها إسبانيا.

فعلى عكس ما قد يعتقده البعض في الرباط، فإن علاقة الاعتماد المتبادل ليست أحادية الاتجاه. فإسبانيا شريك حيوي للمغرب في المجالات الطاقوية والتجارية والمالية. وأي مراجعة لبعض أوجه التعاون الاستراتيجي، وخاصة في مجالي الكهرباء والغاز، قد تكون لها تداعيات خطيرة على الاقتصاد المغربي الذي لا يزال يعتمد بشكل هيكلي على الخارج. كما أن قطاعات أساسية، وعلى رأسها صناعة الفوسفات، قد تتأثر بصورة مباشرة بأي أزمة طاقوية طويلة الأمد.

وقد اختار بيدرو سانشيز حتى الآن نهج التهدئة وضبط النفس. لكن قادة آخرين قد يتخذون خيارات مختلفة. فإذا قررت حكومة إسبانية جديدة مستقبلاً الدفاع عن مصالحها بمزيد من الحزم، فقد يكتشف المغرب أن تكلفة المواجهة مع مدريد أعلى بكثير مما يتصور.

ولهذا السبب، قد تبدو أزمة سبتة في نهاية المطاف انتصاراً تكتيكياً على المدى القصير، لكنها قد تتحول إلى خطأ استراتيجي كبير على المدى البعيد. فمن خلال سعيها إلى إظهار قوتها، قد تكون الرباط قد كشفت في الواقع حدود قدرتها الحقيقية على فرض موازين القوى في مواجهة إسبانيا.



بــلـــڨـــاســم مربـــاح



تعليقات

المشاركات الشائعة من هذه المدونة

رسالة مفتوحة إلى رئيس الجمهورية السيد عبد المجيد تبون

سيدي الرئيس، أتمنى أن تصلكم هذه الرسالة و أنتم بصحة جيدة. أكتب إليكم اليوم بقلب مثقل لأعبر عن قلقي العميق واستيائي لوجود أكثر من 1.2 مليون مغربي في أرض الجزائر الطاهرة. كمواطن مسؤول ومعني ، أشعر أنه من واجبي أن أوجه انتباهكم إلى هذا الأمر. أود أولاً أن ألفت انتباهكم إلى الروابط بين أجهزة المخابرات الإسرائيلية والمغرب. لقد تم الكشف أن الموساد يجند بشكل كبير في الجالية المغربية في فرنسا. هل لدينا ضمانة أن الكيان الصهيوني لا يفعل الشيء نفسه في الجزائر؟ هذه القضية مصدر كرب وإحباط لمواطني بلادنا الذين يفقدون الأمل في التمثيلية الوطنية التي يفترض أن تدافع عن المصلحة العليا للوطن. لماذا يجب أن نبقي على أرضنا رعايا دولة معادية؟ لماذا لا نعيد هؤلاء إلى وطنهم لتفاقم الأزمة الاجتماعية والاقتصادية لبلد يتآمر ضد مصالحنا ويغرق بلدنا بأطنان من المخدرات؟ لماذا يجب أن نتسامح مع وجود اليوتيوبرز المغاربة في الجزائر الذين يسخرون يوميا من الشعب الجزائري؟ نعتقد أن الجزائر يجب أن تقطع العلاقات القنصلية مع المغرب في أسرع وقت ممكن ، لأن الغالبية العظمى من الشعب المغربي يشتركون في نفس الأطروحات التوسعية مثل ن...

17 أكتوبر 1961 — يومٌ كتب الجزائريون فيه بالدم معنى الكرامة

في مساءٍ باردٍ من أمسيات باريس، خرج أبناء الجزائر، حفاةَ القلب لكن شامخي الرأس، يحملون راية الوطن في صمتٍ مهيب، يهتفون للحياة والحرية والكرامة. لكن المستعمر الذي ضاق بصوت الحق، أطلق رصاصه على الجموع، فاهتزّت ضفاف السين بدمٍ طاهرٍ عربيٍّ أمازيغيٍّ جزائريٍّ لا يُنسى. سقطوا شهداء، لا في ساحات الوطن، بل في قلب عاصمةٍ ادّعت الحضارة، لتغسل بدمائهم وجهها الملطّخ بالنفاق. سقطوا وهم يرددون في سرّهم: تحيا الجزائر… ولن تموت. يا من أُلقيتم في نهر السين كأنكم أرقام، أنتم في قلوبنا رايات. أنتم النور الذي لا ينطفئ في ذاكرة الجزائر، أنتم الجسر بين المنفى والوطن، بين الألم والنصر. دماؤكم كانت الوضوء الذي طهّر تراب الاستقلال، وصراخكم في ليل باريس كان الأذان الأول لحرية الجزائر. سبعة عشر أكتوبر لم يكن يوماً من التقويم، بل صفحةً من البطولة، وشاهداً على أن الجزائري لا يركع إلا لله. ومن باريس إلى الجزائر، ظلّ النداء واحداً: لن ننسى… ولن نغفر… وسنبقى أوفياء لدم الشهداء. المجد والخلود لشهداء 17 أكتوبر 1961، ولتحيا الجزائر حرةً أبيةً، كما أرادوها. ✍️ بلقاسم مرباح وطني جزائري، حرّ في قلمه كما في مواقفه. العريضة...

لماذا الحديث عن "اتفاقية سلام" بين الجزائر والمغرب في حين لا توجد حرب؟

الإعلان الأخير بأن ستيف ويتكوف، المبعوث الخاص الأمريكي المعيَّن من قبل دونالد ترامب، يسعى إلى “إنهاء الأزمة الدبلوماسية بين الجزائر والمغرب” أثار العديد من ردود الفعل والتساؤلات. ووفقًا لتصريحاته، يأمل في التوصل إلى «اتفاق سلام» بين البلدين خلال الشهرين المقبلين، مؤكّدًا في الوقت نفسه أنه يعمل بالتوازي على مفاوضات بين إيران والولايات المتحدة. لكن هذه العبارة — «اتفاق سلام» — تطرح سؤالًا جوهريًا: عن أي حرب نتحدث؟ قراءة خاطئة للوضع الجزائر والمغرب ليسا في حالة حرب. لا يوجد نزاع مسلح ولا مواجهة مباشرة بين الدولتين. ما يفصل بينهما هو أزمة سياسية عميقة، ناتجة عن مواقف متناقضة حول قضايا السيادة والأمن الإقليمي والاحترام المتبادل. اختزال هذه الحقيقة المعقدة في مجرد “خلاف” يمكن تسويته بوساطة ظرفية يعكس إما سوء فهم لطبيعة النزاع، أو محاولة متعمدة لوضع البلدين على قدم المساواة أخلاقيًا ودبلوماسيًا، وهو ما ترفضه الجزائر رفضًا قاطعًا. الموقف الجزائري واضح وثابت شروط أي تطبيع مع المغرب معروفة، وقد جرى التأكيد عليها بقوة من قبل وزير الخارجية رمطان لعمامرة عند إعلان قطع العلاقات الدبلوماسية في 24 أغس...