يشكّل يوم 24 أوت 2021 دون شك أحد أهم المنعطفات في السياسة الخارجية الجزائرية منذ مطلع القرن الحادي والعشرين. ففي ذلك اليوم، أعلنت الجزائر رسميًا قطع العلاقات الدبلوماسية مع المملكة المغربية، منهية عقودًا من التعايش الذي طبعته التوترات المتكررة والأزمات الدورية وحالة من انعدام الثقة أصبحت جزءًا من بنية العلاقة بين البلدين.
في حينه، أثار القرار العديد من التساؤلات. فقد رأى بعض المراقبين فيه مقدمة لتصعيد إقليمي خطير، بينما توقّع آخرون عزلة دبلوماسية للجزائر أو فشلًا لسياسة اعتُبرت محفوفة بالمخاطر. لكن بعد خمس سنوات، تبدو الحصيلة مختلفة تمامًا.
فلم تكتفِ الجزائر بتجنب الحرب، بل تمكنت أيضًا من تعزيز موقعها الاستراتيجي، وترسيخ سيادتها في اتخاذ القرار، وإثبات قدرتها على الدفاع عن مصالحها الوطنية دون اللجوء إلى المواجهة العسكرية. والأهم من ذلك أن هذه القطيعة كشفت حقيقة جيوسياسية غالبًا ما تم تجاهلها: فخلافًا لما كان يُعتقد، كان المغرب هو الطرف الذي وجد نفسه يواجه الأكلاف الأكبر الناتجة عن هذا الواقع الإقليمي الجديد.
ما وراء الدبلوماسية: صراع رؤيتين للمغرب الكبير
لا يمكن فهم قطيعة 24 أوت 2021 من خلال الأحداث المباشرة التي سبقتها فقط. فهي تندرج ضمن تنافس أعمق بكثير، قائم منذ عقود بين رؤيتين مختلفتين لتنظيم الفضاء المغاربي سياسيًا وجيوستراتيجيًا.
فمن جهة، تأسست الجزائر الحديثة على عقيدة سياسية ودبلوماسية تقوم على احترام الحدود الموروثة عن الاستعمار، وصون سيادة الدول، وحق الشعوب في تقرير مصيرها.
ومن جهة أخرى، ظلت العلاقات الجزائرية المغربية تتأثر بانتظام بخلافات إقليمية وصراعات نفوذ وتباينات حادة حول موازين القوى في المنطقة، وعلى رأسها قضية الصحراء الغربية.
لقد كرّس قرار 2021 واقعًا أصبح واضحًا للجميع: الآليات الدبلوماسية التقليدية لم تعد كافية لإدارة الخلافات المتراكمة بين البلدين.
وعليه، اختارت الجزائر الوضوح بدل الغموض، والحسم بدل إدارة أزمة دائمة لا أفق لها.
الابتكار الجزائري الحقيقي: القطيعة دون اللجوء إلى الحرب
تكمن أهم خصوصيات هذه المرحلة في المنهج الذي اعتمدته الجزائر.
فعادة ما ترتبط القطيعة الدبلوماسية بين قوتين إقليميتين بارتفاع مخاطر المواجهة العسكرية. غير أن الجزائر اختارت مسارًا أكثر تعقيدًا وأكثر فاعلية في الوقت نفسه، يتمثل في استبدال منطق القوة العسكرية بمنطق القوة الجيواقتصادية والجيوستراتيجية.
أي توظيف أدوات القوة التي تمتلكها الدولة الحديثة:
- الطاقة؛
- البنى التحتية؛
- المجال الجوي؛
- الموقع الجغرافي؛
- الدبلوماسية؛
- الثقل الإقليمي.
وقد أفرز هذا الخيار نتيجة نادرة في العلاقات الدولية: فرض تكلفة مرتفعة على الخصم مع الحفاظ على الاستقرار الإقليمي وتجنب الانزلاق إلى الحرب.
أنبوب الغاز المغاربي الأوروبي: اللحظة التي أعادت فيها الجزائر رسم الخريطة الطاقوية لغرب المتوسط
تُعدّ نهاية العمل بخط أنابيب الغاز المغاربي الأوروبي (GME) القرار الأكثر تأثيرًا من بين التدابير التي اتخذتها الجزائر بعد القطيعة.
فعلى مدى أكثر من عشرين عامًا، سمح هذا الخط بمرور الغاز الجزائري نحو إسبانيا عبر الأراضي المغربية.
وفي الظاهر، بدا هذا الترتيب مفيدًا لجميع الأطراف. لكن في الواقع، كان يمنح المغرب أهمية استراتيجية خاصة في العلاقة الطاقوية بين الجزائر ومدريد.
وجاء القرار الجزائري بوقف العمل بهذا المسار ليُحدث تحولًا عميقًا في المعادلة الجيوسياسية.
فالمغرب انتقل من وضعية بلد عبور يشارك في أحد أهم الممرات الطاقوية بين إفريقيا وأوروبا، إلى وضعية مستورد للغاز يعتمد جزئيًا على البنية التحتية الإسبانية الخاصة باستقبال الغاز المسال وإعادة تحويله إلى غاز قابل للضخ.
ويمثل هذا التحول أحد أكبر التغيرات الجيوستراتيجية التي شهدتها المنطقة خلال السنوات الأخيرة.
قبل سنة 2021، كانت الرباط تتمتع بموقع وسيط يمنحها وزنًا داخل معادلة الطاقة بين الجزائر وأوروبا.
أما بعد 2021، فقد اختفى هذا الموقع تقريبًا.
فإسبانيا واصلت الحصول على الغاز الجزائري عبر مسارات بديلة، بينما حافظت الجزائر على مكانتها كمورد طاقوي رئيسي للأسواق الأوروبية. أما المغرب فأصبح أكثر ارتباطًا بالإمكانيات التقنية الإسبانية مما أصبح قادرًا على التأثير فيها.
وبمعنى آخر، فقد انقلبت معادلة التبعية.
فوق خسارة عائدات العبور الطاقوي، فقد المغرب جزءًا معتبرًا من قيمته الاستراتيجية داخل المنظومة الطاقوية المتوسطية. كما خسر إحدى أهم أوراق الضغط غير المباشرة التي كان يمتلكها في علاقته مع مدريد.
واليوم، لم يعد المغرب طرفًا لا غنى عنه في المعادلة الغازية بين الجزائر وأوروبا، بل أصبح هو نفسه بحاجة إلى البنية التحتية الإسبانية لتلبية جزء من احتياجاته الطاقوية.
وهذا التحول، رغم أنه أقل تناولًا في الإعلام، يُعد من أهم النتائج الجيوسياسية المترتبة على قرار 24 أوت 2021.
إغلاق المجال الجوي: عودة الجغرافيا إلى مركز اللعبة
أما القرار الثاني الأكثر أهمية فتمثل في إغلاق المجال الجوي الجزائري أمام الطائرات المغربية.
وهنا أيضًا تجاوزت الآثار البعد الدبلوماسي البحت.
فالجزائر، باعتبارها أكبر دولة إفريقية مساحةً، تشكّل ممرًا طبيعيًا بين المغرب وجزء كبير من إفريقيا والشرق الأوسط وعدد من الوجهات الدولية.
وقد أجبر إغلاق هذا المجال الجوي شركة الخطوط الملكية المغربية على إعادة رسم العديد من مساراتها الجوية.
وهو ما ترتب عنه:
- زيادة مدة الرحلات؛
- ارتفاع استهلاك الوقود؛
- زيادة التكاليف التشغيلية؛
- انخفاض مردودية بعض الخطوط؛
- تراجع كفاءة استغلال الأسطول الجوي.
وفي قطاع يعتمد على حسابات دقيقة للغاية، فإن بضع عشرات من الدقائق الإضافية قادرة على تحويل خط مربح إلى خط خاسر.
ومع ارتفاع أسعار الكيروسين عالميًا واحتدام المنافسة بين شركات الطيران، تحولت هذه القيود إلى عبء هيكلي دائم على الناقل الوطني المغربي.
وقد ساهمت هذه المعطيات في إعادة النظر في عدد من الخطوط الجوية وإعادة هيكلة بعضها وتقليص بعضها الآخر.
وهكذا أعادت الجزائر التذكير بحقيقة استراتيجية بسيطة: يمكن تجاوز الحدود السياسية مؤقتًا، لكن لا يمكن تجاوز الجغرافيا إلى الأبد.
المفارقة الكبرى: الجزائر لم تكن يومًا أقوى مما هي عليه اليوم
من أكثر الحجج تداولًا سنة 2021 أن القطيعة قد تؤدي إلى عزل الجزائر إقليميًا ودوليًا.
لكن التطورات اللاحقة أثبتت العكس.
فقد واصلت الجزائر تعزيز قدراتها الدفاعية، وتوسيع شبكة شراكاتها الدولية، وترسيخ حضورها في منطقة الساحل، وتعزيز موقعها كفاعل رئيسي في أسواق الطاقة العالمية.
كما استفادت من عودة الطاقة إلى قلب التوازنات الدولية، الأمر الذي زاد من أهمية مواردها الطبيعية وبنيتها التحتية الاستراتيجية.
واللافت أن القطيعة سمحت للجزائر بتوضيح عقيدتها الإقليمية وتركيز جهودها على أولوياتها الوطنية بدل استنزافها في إدارة أزمات دبلوماسية متكررة.
درس في مفهوم القوة الحديثة
تكشف تجربة 24 أوت 2021 أن القوة في القرن الحادي والعشرين لم تعد تُقاس فقط بعدد الدبابات والطائرات المقاتلة والجنود.
فالقوة الحديثة تعتمد كذلك على:
- التحكم في تدفقات الطاقة؛
- السيطرة على الممرات الاستراتيجية؛
- العمق الجغرافي؛
- القدرة على فرض تكاليف اقتصادية على الخصوم؛
- الانسجام الدبلوماسي؛
- استقلالية القرار السيادي.
وهذه هي المجالات التي اختارت الجزائر أن تدير من خلالها المواجهة.
وهي أيضًا المجالات التي تبدو فيها النتائج الأكثر وضوحًا اليوم.
الخاتمة: السيادة كعقيدة دولة
بعد خمس سنوات من القطيعة الدبلوماسية مع المغرب، يفرض استنتاج نفسه بقوة.
فالجزائر لم تسع إلى التصعيد العسكري، ولم تبحث عن الحرب، ولم تنخرط في منطق زعزعة الاستقرار الإقليمي.
بل اختارت طريقًا أكثر تعقيدًا وأكثر فعالية: تحويل الجغرافيا والطاقة والعمق الاستراتيجي والسيادة الوطنية إلى أدوات لخدمة سياستها الخارجية.
ولهذا، سيبقى 24 أوت 2021 في الذاكرة السياسية الجزائرية ليس باعتباره مجرد قطيعة دبلوماسية، بل باعتباره لحظة أكدت فيها الجزائر أن الدول القوية لا تحتاج إلى التهديد حتى تُحترم.
يكفيها أن تدرك قيمة أوراق قوتها، وأن تمتلك الإرادة السياسية لتوظيفها في خدمة مصالحها الوطنية.
وفي تاريخ المغرب الكبير المعاصر، قد يُسجل ذلك اليوم باعتباره اللحظة التي انتقلت فيها الجزائر من موقع رد الفعل إلى موقع المبادرة الاستراتيجية، ومن إدارة الأزمات إلى إعادة تشكيل قواعد اللعبة الإقليمية وفقًا لمصالحها وسيادتها الوطنية.
بــلـــڨـــاســم مربـــاح
كان من الأجدر أن تغلق الحدود منذ 1963
ردحذفالخاسر الوحيد هو العائلات المشتركة.. المقطوع فقط هو صلة الأرحام بين هذه العائلات.
ردحذفأما المروك فعنده بدائل، وقد وظفها فعلا، وقطار التنمية عنده ازداد سرعة. هذا هو الواقع، وغيره وهم زهراء.
إذا حبيت
حذف