في العشرين من يوليو 2026، أعلنت السفارة الأمريكية بالجزائر عن افتتاح مكتب فرعي تابع للملحق القانوني لمكتب التحقيقات الفدرالي (LEGAT) ضمن بعثتها الدبلوماسية. وبعيداً عن كونه خطوة معزولة، يندرج هذا القرار ضمن سلسلة متماسكة من الأحداث تتضح معالمها ومشروعيتها عند تجميعها معاً.
أولاً: التوقيت لم يكن وليد الصدفة
لم يفصل بين إعلانين مهمّين سوى شهر واحد: ففي التاسع عشر من يونيو 2026، رفعت مجموعة العمل المالي (GAFI) الجزائرَ من قائمتها الرمادية، بعد عشرين شهراً من إدراجها فيها، إثر مسار امتثال أفضى إلى إعادة صياغة قانون مكافحة تبييض الأموال وتشديد قواعد “اعرف عميلك” في القطاع المصرفي. ثم، في العشرين من يوليو، أعلن مكتب التحقيقات الفدرالي عودته. وهذا التقارب الزمني ليس محض مصادفة؛ فواشنطن تُخضع تقليدياً إعادة نشر قدراتها التحقيقية المالية لشرط الحصول على شهادة الامتثال للمعايير الدولية لمكافحة تبييض الأموال. وبعبارة أوضح، كانت الولايات المتحدة تنتظر إشارة على الموثوقية المؤسساتية قبل إعادة الانخراط بأجهزتها — وقد قدّمت الجزائر تلك الإشارة للتو.
ثانياً: منظومة مُجرَّبة سلفاً، لا قفزة في المجهول
لا تبدأ عودة مكتب التحقيقات الفدرالي من الصفر. فقد استضافت الجزائر مكتباً كامل الصلاحيات للملحق القانوني في مطلع الألفية، في أوج التعاون لمكافحة الإرهاب عقب أحداث الحادي عشر من سبتمبر. بل إن نسيج التعاون التقني لم ينقطع كلياً؛ فرغم إغلاق المكاتب الدائمة لبرنامجي “إيسيتاب” و”أوبدات”، استمرت دورات تدريبية ظرفية — في نوفمبر 2025 ثم في مارس 2026 — جمعت قضاة وضباط شرطة قضائية ومحللين من خلية معالجة الاستعلام المالي حول تعقّب الأصول الرقمية ومكافحة التبييض. وهكذا فإن افتتاح المكتب الفرعي إنما يُضفي طابعاً رسمياً على علاقة عمل كانت قائمة بشكل كامن، لا أنه ينشئ تعاوناً من العدم.
ثالثاً: تصعيد حذر وقابل للتراجع
اختيار صيغة “المكتب الفرعي” التابع للملحق القانوني الإقليمي بتونس، بدلاً من مركز مستقل، يعكس منهجاً لا تردداً. فهو وسيلة لتدريج الانخراط دون إثارة الحساسيات السياسية الداخلية أو إعطاء انطباع بحضور أمريكي يفوق حجم العلاقة الثنائية الراهنة. وتُظهر سابقة ويلينغتون، التي ظلّت مكتباً فرعياً تابعاً لكانبيرا ثماني سنوات قبل ترقيتها إلى مركز مستقل عام 2025، أن هذا النموذج كثيراً ما يكون مرحلة اختبار تمهيدية لانخراط أوسع: فهو يتيح بناء الثقة العملياتية تدريجياً، مع الإبقاء على إمكانية تعديل الترتيب أو سحبه إن اقتضت الظروف ذلك.
رابعاً: جغرافيا إقليمية تُرجّح كفة الجزائر
كان نظام الملحقين القانونيين المُغطّي لشمال إفريقيا يرتكز حتى الآن، بصورة شبه حصرية، على تونس، مع متابعة الجزائر وليبيا عن بُعد. غير أن الجزائر تحتل موقعاً استراتيجياً جلياً بالنظر إلى أولويات برنامج “ليغات” ذاته: مكافحة الإرهاب في منطقة ساحلية-صحراوية مضطربة، رصد الجريمة العابرة للحدود، التعاون القضائي، وحديثاً مكافحة تبييض الأموال والجريمة المالية الرقمية — وهو محور طرحته الجزائر نفسها من خلال تحديث إطارها التنظيمي (نظاما بنك الجزائر 24-03 و25-14). فالحضور الدائم على الأرض، بدلاً من المتابعة من تونس، يوفّر سرعة استجابة واستمرارية استخباراتية لا يمكن لمجرد وصل إقليمي أن يوفّرهما.
خامساً: منفعة متبادلة أكثر منها تنازلاً
تخدم هذه العودة مصالح الطرفين معاً. فبالنسبة لواشنطن، تعزّز التغطية الأمنية لمكافحة الإرهاب وتبييض الأموال في منطقة محورية بين الساحل والمغرب العربي والمتوسط. وبالنسبة للجزائر، تُرسّخ مسار التطبيع المالي الدولي الذي بدأ بالخروج من القائمة الرمادية، إذ تُظهر للشركاء والمستثمرين انخراطاً مستداماً في معايير الامتثال — وهي إشارة مفيدة في ظل سعي الجزائر إلى تنويع اقتصاد لا يزال مرتهناً بالريع.
حدود ينبغي استحضارها
لا تستنفد هذه القراءة الإيجابية الموضوع بكامله. فصيغة “المكتب الفرعي” تكشف أيضاً عن حدود الثقة الممنوحة: إذ لم تر واشنطن أن الأوان قد آن بعدُ لمكتب ملحق قانوني كامل الصلاحيات، وهو ما قد يعكس تحفظات لا تزال قائمة — أمريكياً أو جزائرياً — بشأن عمق تبادل الاستخبارات. كما أن مجموعة العمل المالي تُبقي على بند إعادة التقييم: فالخروج من القائمة الرمادية ليس مكسباً نهائياً لا رجعة فيه، وأي تراخٍ في الجهود الجزائرية قد يعيد النظر في الزخم الحالي. وأخيراً، يظل أي حضور مُعزَّز لوكالة اتحادية أمريكية في بلد يحمل ماضياً دبلوماسياً اتسم بالحذر تجاه واشنطن مسألة حساسة على الصعيد الداخلي، وستتوقف مقبوليتها السياسية في الجزائر إلى حد بعيد على الطريقة التي سيُقدَّم بها هذا التعاون للرأي العام.
خاتمة
يبدو افتتاح المكتب الفرعي لمكتب التحقيقات الفدرالي في الجزائر أقرب إلى تتويج منطقي لمسار ثقة بُني خطوة بخطوة، منه إلى قطيعة: امتثال مالي مستعاد، تعاون تقني لم ينقطع كلياً قط، صيغة حذرة أثبتت جدواها في تجارب أخرى، وتقاطع مصالح أمنية في منطقة مضطربة. ويبقى أن نرى ما إذا كان هذا المكتب الفرعي سيتحول، على غرار ويلينغتون، إلى مركز مستقل في الأجل المنظور — أم سيظل الصيغة الدائمة لعلاقة تتقدم بخطوات محسوبة.
بلقاسم مرباح
تعليقات
إرسال تعليق