إن تفكيك مجموعة إجرامية تابعة لحركة “الماك” الانفصالية الإرهابية، في ولاية تيزي وزو، ليس مجرد حادثة أمنية عابرة. إنه ناقوس خطر. إشارة جسيمة، صارمة، لا تقبل المواربة، تُذكّر بأن التهديدات التي تحدق بالجزائر ليست ضربًا من الخيال، ولا مبالغة، ولا خطابًا وطنيًا كما يحلو للبعض أن يصوّره ساخرًا.
ووفقًا لبيان وزارة الدفاع الوطني الصادر يوم الاثنين 13 يوليو، فقد تمكّنت المصالح المركزية لأمن الجيش، بفضل استغلال ناجع للمعلومات الاستخباراتية، من تفكيك مجموعة تتألف من ستة أفراد منتمين إلى حركة “الماك”، من بينهم أربعة رعايا مغاربة في وضعية غير نظامية على التراب الوطني.
هذا التفصيل ليس هامشيًا، بل هو جوهري. إذ يطرح سؤالًا يرفض كثيرون مواجهته بصراحة: كيف يمكن لرعايا أجانب في وضعية غير قانونية أن يتورّطوا، وفق السلطات، في هيكل مرتبط بحركة مصنّفة إرهابية، ناشط في منطقة بالغة الحساسية كمنطقة القبائل، في خضمّ فترة انتخابية؟
عملية تؤكد أهمية الاستخبارات
تُبرز العملية التي نُفّذت في تيزي وزو، في المقام الأول، يقظة الأجهزة الأمنية الجزائرية. ويشدد بيان وزارة الدفاع الوطني على الدور الحاسم للاستخبارات في تحديد هذه المجموعة وتتبعها وتحييدها قبل أن تتمكن من بلوغ أهدافها.
ويُقال إن أعضاء المجموعة الموقوفين كانوا ناشطين خلال الانتخابات التشريعية، بهدف الإخلال بحسن سير الاقتراع ومنع المواطنين من ممارسة حقهم في التصويت. بعبارة أخرى، لم يكن الأمر يقتصر على تواجد سرّي أو أنشطة معزولة، بل كان، وفق ما يُفترض، محاولة للنيل من لحظة مؤسساتية بالغة الأهمية.
وفي أي دولة ذات سيادة، تشكّل الفترة الانتخابية لحظة حسّاسة، إذ ترتبط بشرعية المؤسسات، والاستقرار السياسي، وثقة المواطنين. ومحاولة تعكير صفو هذه العملية إنما هي استهداف مباشر لصميم الدولة.
حضور رعايا مغاربة: واقعة بالغة الدلالة
إن وجود أربعة رعايا مغاربة ضمن الأفراد الستة الموقوفين يمنح هذه القضية بُعدًا خاصًا. والمقصود هنا ليس السقوط في التعميم الأعمى، ولا الخلط بين الجنسية والإدانة الجماعية. فالمسؤوليات يجب أن تُحدَّد فرديًا عبر القضاء، استنادًا إلى الوقائع والأدلة والإجراءات القانونية.
لكن سيكون من غير المسؤول بالقدر ذاته التعامل مع هذه الواقعة وكأنها لا تعني شيئًا.
فالجزائر تتحرك في محيط إقليمي مشحون، تطبعه التنافسات الجيوسياسية، وحملات زعزعة الاستقرار، والتهريب العابر للحدود، والشبكات الإجرامية، ومحاولات النفوذ المعادية. وفي سياق كهذا، لم يعد بالإمكان التعامل بخفّة مع مسألة الوجود غير النظامي لرعايا أجانب على التراب الوطني.
أما أولئك الذين كانوا بالأمس يسخرون من التحذيرات الأمنية، ويصفونها بجنون الارتياب أو بالمبالغة، فحريّ بهم اليوم أن يتحلّوا بحدٍّ أدنى من التواضع. فالوقائع لا تجادل، بل تفرض نفسها.
رسالة بلقاسم مرباح: تحذيرٌ أُطلق منذ 2023
تتردّد أصداء هذه القضية بقوة مع الرسالة التي وجّهها كاتب هذه السطور سنة 2023 إلى رئيس الجمهورية. ففي تلك الرسالة، المحرَّرة بنبرة جادّة، أعربتُ عن قلقي إزاء الحضور الكثيف للرعايا المغاربة على التراب الجزائري، لا سيما أولئك الموجودين في وضعية غير نظامية.
وقد نبّهتُ فيها إلى عدّة مخاطر: إمكانية اختراق شبكات معادية، الروابط المفترضة بين بعض الأجهزة المغربية وأجهزة استخبارات أجنبية، تهريب المخدرات، التحويلات المالية غير المشروعة، الاتجار بالبشر، والتآكل التدريجي للأمن الوطني.
وكانت رسالتي تلك تحمل ميزة طرح سؤال مزعج: هل يمكن لدولة أن تظل سلبية أمام تدفقات بشرية غير مضبوطة، لا سيما حين يكون بعض الأفراد عرضة للاستغلال من قِبل شبكات إجرامية أو سياسية أو استخباراتية؟
وفي حينه، فضّل كثيرون صرف النظر عن الأمر. وسخر البعض من هذه التحذيرات، فيما لجأ آخرون إلى راحة اللامبالاة، واحتمى غيرهم بخطاب ساذج، عاجز عن التمييز بين الإنسانية الحقّة والعمى الأمني.
أما اليوم، فإن قضية تيزي وزو تفرض إعادة قراءة تلك الرسالة بنظرة مختلفة.
رقصة المنافقين
ها نحن إذن أمام رقصة المنافقين التي بدأت فصولها.
فبالأمس، حين كانت أصوات تحذّر من مخاطر الهجرة غير الشرعية والشبكات العابرة للحدود والاختراقات المحتملة، كانت تُتّهم بالمبالغة، ويُطلب منها الصمت، وتُوصَم بإثارة الذعر، ويُقابَل خطابها بكلام أجوف، وعظي، غالبًا ما يكون منقطع الصلة بالواقع الأمني.
أما اليوم، حين تعلن الأجهزة الأمنية عن تفكيك مجموعة تابعة لحركة “الماك”، غالبيتها من الرعايا المغاربة في وضعية غير نظامية، فإذا بالأصوات ذاتها تكتشف فجأة خطورة الموضوع.
لكن من السهل جدًا البكاء على النتائج بعد أن رُفض الإصغاء إلى التحذيرات.
إن الجزائر لا تملك ترف السذاجة. لا يمكنها أن تدير أمنها الوطني بالشعارات، ولا أن تترك حدودها ومؤسساتها ونسيجها الاجتماعي عرضة لتهديدات هجينة باسم مثالية غير مسؤولة.
تهديدٌ متعدد الأبعاد
تكشف قضية تيزي وزو حقيقة باتت لا مفرّ من مواجهتها: التهديدات التي تستهدف الجزائر لم تعد عسكرية أو تقليدية فحسب، بل أصبحت أيضًا سرّية، وإعلامية، وإجرامية، وسياسية، ونفسية.
وقد تتخذ هذه التهديدات أشكالًا عدّة، منها:
• شبكات التهريب؛
• تدفقات هجرة غير نظامية وغير مضبوطة؛
• جماعات انفصالية مُسخَّرة لخدمة أجندات معادية؛
• حملات دعائية؛
• منصات رقمية معادية؛
• محاولات الإخلال بالعملية الانتخابية؛
• عمليات نفوذ تستهدف اللحمة الوطنية.
وهذا بالضبط ما كنتُ أحذّر منه في رسالتي، إذ لم يكن الأمر يقتصر على الإشارة إلى إشكالية هجرة، بل كان تنبيهًا إلى سلسلة من المخاطر: الاختراق، والإجرام، والتمويل الخفي، والتضليل، والاستفزاز، والمساس بالاستقرار الوطني.
ضرورة ردٍّ حازم، قانوني، وشفّاف
أمام رهانات بهذا الحجم، يجب أن يكون ردّ الدولة حازمًا، لكن أيضًا منهجيًا، وقانونيًا، وشفافًا.
فالأمر لا يتعلق بتحميل مجموعات سكانية بأكملها المسؤولية الجماعية، بل بحماية الأمة من الشبكات غير النظامية، ومن الأفراد المتورطين في أنشطة معادية، ومن البنى الإجرامية، وآليات التدخل الخارجي.
وينبغي على الجزائر أن تعزّز:
• مراقبة الحدود؛
• تحديد هوية الأشخاص في وضعية غير نظامية؛
• مكافحة شبكات التهريب؛
• مراقبة التمويلات المشبوهة؛
• التنسيق بين الأجهزة الأمنية؛
• المتابعة القضائية للقضايا الحساسة؛
• التواصل العمومي تفاديًا لمناطق الغموض.
فالأمن الوطني لا يُصان بالسلاح وحده، بل يُصان أيضًا بالبصيرة، والاستباق، والصرامة المؤسساتية.
من كانوا يحذّرون لم يكونوا متطرّفين: لقد استشرفوا الخطر
إن القضية الراهنة تفرض تأملًا عميقًا. فلطالما تعرّض كل تحذير من مخاطر الهجرة غير النظامية، أو الشبكات المغربية السرّية، أو التدخلات الإقليمية، لتشويه فوري من قِبل بعض الأوساط، بوصفه خطابًا مبالغًا فيه.
غير أن التاريخ القريب يُبيّن أن الدول التي ترفض أخذ الإشارات الضعيفة على محمل الجد، غالبًا ما تنتهي بمعاناة أزمات كان بإمكانها تفاديها.
لقد تحدثت رسالتي عن واجب أخلاقي وتاريخي، واستحضرت التمسك بالمصلحة العليا للأمة، وضرورة حماية أمن الجزائر وكرامتها ووحدتها. ويمكن للمرء أن يناقش نبرتها أو صياغاتها أو مقترحاتها، لكن لم يعد من الممكن نفض اليد عن جوهر ذلك القلق.
فما كان يُقدَّم بالأمس كتحذير معزول، بات اليوم يلتقي مع انشغال وطني كبير: كيف نحول دون استغلال التراب الجزائري من قِبل شبكات معادية، إجرامية، أو تخريبية؟
خاتمة: على الجزائر أن تختار اليقظة لا السذاجة
إن تفكيك المجموعة التابعة لحركة “الماك” في تيزي وزو يشكّل تحذيرًا واضحًا. إنه يُذكّر بأن استقرار الجزائر ليس مكتسبًا نهائيًا أبدًا، بل هو أمرٌ يُصان، ويُراقَب، ويُدافَع عنه.
وإن حضور، وفق وزارة الدفاع الوطني، أربعة رعايا مغاربة في وضعية غير نظامية ضمن هذه المجموعة المفترض تخريبيتها، يُعيد بقوة إشعال النقاش حول مراقبة الحدود، والهجرة غير الشرعية، والشبكات العابرة للحدود، والتهديدات الهجينة.
إن من أطلقوا التحذيرات لا ينبغي أن يُعامَلوا كمثيري فتنة. فقد طرحوا سؤالًا باتت الأحداث الراهنة تفرضه اليوم بلا مواربة: إلى متى سنظل نتحمّل العمى باسم طمأنينة زائفة؟
إن الجزائر لا تملك حق السذاجة. لا تملك حق التراخي. لا تملك حق انتظار تحوّل التهديدات إلى مآسٍ قبل التحرّك.
الوطنية الواعية ليست كراهية. اليقظة ليست تطرّفًا. الحزم ليس ظلمًا.
إنه الواجب الأولي لدولة ذات سيادة تجاه شعبها، وترابها، ومستقبلها.
✍️ بلقاسم مرباح
وطني جزائري، حرٌّ في قلمه كما هو حرٌّ في قناعاته.
تعليقات
إرسال تعليق