التخطي إلى المحتوى الرئيسي

رومان مولينا وكرة القدم الجزائرية: عندما تفتح الأزمات أبواباً واسعة أمام الإثارة الإعلامية

في أعقاب كأس العالم 2026، التي غادرها المنتخب الجزائري مبكراً بعد إقصائه في الدور الثاني والثلاثين أمام المنتخب السويسري، دخلت كرة القدم الجزائرية مرحلة جديدة من الاضطرابات والأسئلة الحارقة. فقد امتزجت خيبة الأمل الرياضية بالغضب الشعبي، وارتفعت الأصوات المنتقدة للاتحاد الجزائري لكرة القدم، بينما تعاظمت الشكوك حول أساليب التسيير والاختيارات التقنية التي قادت إلى هذه النتيجة المخيبة.

وسط هذا المناخ المشحون، برز اسم الصحفي الفرنسي رومان مولينا بقوة في المشهد الإعلامي الجزائري، من خلال سلسلة من الفيديوهات التي قدّمها على أنها «كشف للحقائق» و«فضح لما يجري خلف الكواليس». وسرعان ما وجدت هذه المواد صدىً واسعاً لدى شريحة من الجمهور الجزائري المحبط، الباحث عن أجوبة سريعة لتفسير الإخفاقات المتتالية للمنتخب الوطني.

لكن السؤال الجوهري الذي يفرض نفسه هنا هو: هل نحن أمام عمل استقصائي حقيقي يستند إلى الأدلة والوقائع، أم أمام استثمار إعلامي ذكي لحظةَ ضعفٍ جماعي يعيشها الشارع الرياضي الجزائري؟

استغلال مثالي للحظة الأزمة

منذ سنوات، تعيش كرة القدم الجزائرية على وقع أزمات متلاحقة. فبعد نشوة التتويج بكأس إفريقيا للأمم سنة 2019، توالت الانتكاسات والإقصاءات، وازداد الجدل حول خيارات المسؤولين وطريقة إدارة المنظومة الكروية.

في مثل هذه الظروف، يصبح الجمهور أكثر استعداداً للاستماع إلى أي صوت يدّعي امتلاك الحقيقة. وكلما كانت هذه الأصوات آتية من الخارج، ازدادت قدرتها على التأثير. وهنا تحديداً نجح مولينا في اقتناص الفرصة؛ إذ وجد جمهوراً فاقداً للثقة في الخطاب الرسمي، ومتشككاً في الإعلام المحلي، ومستعداً لاستقبال أي رواية بديلة باعتبارها أكثر مصداقية.

إن نجاحه لا يعود بالضرورة إلى قوة ما يطرحه من معطيات، بل إلى الفراغ المعلوماتي الذي تعاني منه الساحة الرياضية الجزائرية. فعندما تغيب الشفافية وتتأخر التوضيحات الرسمية، تتحول الإشاعة إلى خبر، والتلميح إلى حقيقة، والتأويل إلى قناعة راسخة.

عقدة «المعلومة المستوردة»

تكشف الظاهرة أيضاً عن مشكلة أعمق تتجاوز كرة القدم نفسها. فهناك لدى بعض الأوساط قابلية لمنح المعلومة القادمة من الخارج قيمة أكبر من تلك المنتجة محلياً.

فكم من صحفي أو محلل أو إطار جزائري قال أشياء صحيحة فلم يلتفت إليه أحد، بينما يكفي أن يكررها شخص أجنبي حتى تُستقبل وكأنها اكتشاف عظيم أو حقيقة لا تقبل النقاش.

هذه الظاهرة ليست جديدة، بل هي امتداد لذهنية تجعل ما يأتي من الغرب أكثر مصداقية بصورة آلية، بغض النظر عن مستوى الأدلة أو قوة البرهنة. وهنا يكمن الخطر الحقيقي؛ لأن المعلومة لا تصبح صحيحة بسبب جنسية صاحبها، بل بسبب ما تستند إليه من حقائق ووثائق وتحقيقات دقيقة.

بين الكشف الإعلامي وإعادة تدوير البديهيات

اللافت في كثير من الفيديوهات التي أثارت الجدل أنها لا تكشف بالضرورة أسراراً غير مسبوقة، بقدر ما تعيد طرح قضايا معروفة مسبقاً في قالب أكثر إثارة.

فمشاكل الحوكمة داخل المنظومة الكروية الجزائرية معروفة، والصراعات بين الأطراف المختلفة ليست جديدة، كما أن الانتقادات الموجهة للمسيرين والاتحاد وطرق اتخاذ القرار طُرحت مرات عديدة من قبل إعلاميين ومحللين جزائريين.

لكن عندما تُقدَّم هذه المعطيات داخل سردية مشحونة بالإيحاءات والعناوين الصادمة، تتحول إلى مادة جماهيرية جذابة. وهنا يصبح الهدف ليس الفهم العميق للأزمة، وإنما إنتاج أكبر قدر ممكن من التفاعل والضجيج.

خطر التحول إلى صدى لصراعات الآخرين

في أي بيئة رياضية تعج بالصراعات والمصالح المتضاربة، تبقى مهمة الصحفي الحقيقية هي التحقق من المعلومات، ومواجهة الروايات المختلفة، والكشف عن الخلفيات التي تدفع بعض المصادر إلى التسريب.

أما الاكتفاء بتلقي المعلومات وإعادة بثها دون تمحيص كافٍ، فقد يحول الإعلامي إلى مجرد أداة في صراعات لا يعرف جميع أبعادها.

فالكرة الجزائرية تضم شبكات معقدة من المصالح، وصراعات النفوذ، والتنافس على المناصب، وتصفية الحسابات بين الأشخاص والتيارات المختلفة. وفي مثل هذا المناخ، لا يمكن التعامل مع كل معلومة مسربة باعتبارها حقيقة نهائية، لأن المصدر ذاته قد يكون طرفاً في الصراع ويحاول التأثير في الرأي العام لخدمة أجندته الخاصة.

صناعة صورة «المُنقذ الإعلامي»

نجح مولينا خلال السنوات الأخيرة في بناء صورة الصحفي الذي يكشف المستور ويواجه المنظومات النافذة. وهي صورة منحت خطابه جاذبية كبيرة لدى جمهور فقد ثقته في المؤسسات.

لكن هذه الصورة قد تحمل معها خطراً آخر، وهو تحويل صاحبها إلى مرجع مطلق لا يُسأل عما يقول. فحين يصل المتابع إلى مرحلة التعامل مع تصريحات أي صحفي باعتبارها أحكاماً نهائية وليست فرضيات أو معطيات قابلة للنقاش، فإننا نكون قد غادرنا مجال التحليل ودخلنا مجال التقديس الإعلامي.

وفي هذه الحالة، يصبح التشكيك في المعلومات أو طلب الأدلة نوعاً من التمرد على «الحقيقة»، بينما هو في الواقع جوهر العمل النقدي والعقلاني.

أزمة الجمهور قبل أزمة الكرة

الحقيقة أن الانتشار الكبير لهذا النوع من المحتوى يكشف أزمة أعمق من أزمة المنتخب أو الاتحاد. إنه يكشف حاجة نفسية لدى جزء من الجمهور إلى تفسير شامل وسريع لكل الإخفاقات.

بعد كل خسارة كبيرة، يبحث الناس عن مذنب، وعن مؤامرة، وعن قصة مثيرة تفسر ما حدث. لذلك تحقق المواد التي تعتمد على التسريبات والاتهامات نسب مشاهدة مرتفعة، لأنها تشبع هذا الطلب الجماهيري على الإثارة.

أما التحليل الهادئ، والمراجعات التقنية، والدراسات الاستراتيجية المتعلقة بالتكوين والتسيير، فهي أقل جاذبية إعلامياً رغم أنها أكثر فائدة في فهم المشكلات الحقيقية.

الحاجة إلى سيادة فكرية في التحليل الرياضي

المشكلة ليست في أن يتحدث رومان مولينا عن الجزائر، فهذا حقه الكامل. المشكلة الحقيقية هي: لماذا تصبح كلمته عند البعض أكثر وزناً من كلمات الخبراء والصحفيين والمحللين الجزائريين الذين يملكون معرفة أعمق بواقع الكرة الجزائرية؟

إن بناء منظومة إعلامية قوية وموثوقة يبدأ باستعادة الثقة في الكفاءات الوطنية، وتشجيع النقاش المبني على الأدلة، وعدم الانخداع ببريق الأسماء أو الجنسيات.

فالهدف ليس رفض النقد الخارجي، بل التعامل معه بعقلانية، وإخضاعه للمعايير نفسها التي نخضع لها أي رأي أو معلومة أخرى.

خاتمة

في النهاية، قد يكون رومان مولينا مجرد انعكاس لواقع أكبر منه بكثير. فلو كانت المنظومة الرياضية أكثر شفافية، ولو كان التواصل الرسمي أكثر فعالية، ولو شعر الجمهور أن المؤسسات تقدم له الأجوبة اللازمة، لما وجدت الروايات الموازية كل هذا النفوذ.

إن أزمة كرة القدم الجزائرية لن تُحل عبر الفيديوهات الصاخبة أو التسريبات المتلاحقة، بل من خلال إصلاحات حقيقية، ومحاسبة واضحة، ورؤية استراتيجية طويلة المدى.

أما الجمهور الجزائري، فتبقى أمامه مهمة أساسية: ألا يخلط بين الشهرة والحقيقة، وبين الضجيج الإعلامي والمعرفة، وبين الادعاء والدليل.

فالحقائق لا تُقاس بعدد المشاهدات، بل بقوة البراهين التي تستند إليها.


✍️ بلقاسم مرباح

وطني جزائري، حرّ في قلمه كما هو حرّ في قناعاته.

تعليقات

المشاركات الشائعة من هذه المدونة

رسالة مفتوحة إلى رئيس الجمهورية السيد عبد المجيد تبون

سيدي الرئيس، أتمنى أن تصلكم هذه الرسالة و أنتم بصحة جيدة. أكتب إليكم اليوم بقلب مثقل لأعبر عن قلقي العميق واستيائي لوجود أكثر من 1.2 مليون مغربي في أرض الجزائر الطاهرة. كمواطن مسؤول ومعني ، أشعر أنه من واجبي أن أوجه انتباهكم إلى هذا الأمر. أود أولاً أن ألفت انتباهكم إلى الروابط بين أجهزة المخابرات الإسرائيلية والمغرب. لقد تم الكشف أن الموساد يجند بشكل كبير في الجالية المغربية في فرنسا. هل لدينا ضمانة أن الكيان الصهيوني لا يفعل الشيء نفسه في الجزائر؟ هذه القضية مصدر كرب وإحباط لمواطني بلادنا الذين يفقدون الأمل في التمثيلية الوطنية التي يفترض أن تدافع عن المصلحة العليا للوطن. لماذا يجب أن نبقي على أرضنا رعايا دولة معادية؟ لماذا لا نعيد هؤلاء إلى وطنهم لتفاقم الأزمة الاجتماعية والاقتصادية لبلد يتآمر ضد مصالحنا ويغرق بلدنا بأطنان من المخدرات؟ لماذا يجب أن نتسامح مع وجود اليوتيوبرز المغاربة في الجزائر الذين يسخرون يوميا من الشعب الجزائري؟ نعتقد أن الجزائر يجب أن تقطع العلاقات القنصلية مع المغرب في أسرع وقت ممكن ، لأن الغالبية العظمى من الشعب المغربي يشتركون في نفس الأطروحات التوسعية مثل ن...

17 أكتوبر 1961 — يومٌ كتب الجزائريون فيه بالدم معنى الكرامة

في مساءٍ باردٍ من أمسيات باريس، خرج أبناء الجزائر، حفاةَ القلب لكن شامخي الرأس، يحملون راية الوطن في صمتٍ مهيب، يهتفون للحياة والحرية والكرامة. لكن المستعمر الذي ضاق بصوت الحق، أطلق رصاصه على الجموع، فاهتزّت ضفاف السين بدمٍ طاهرٍ عربيٍّ أمازيغيٍّ جزائريٍّ لا يُنسى. سقطوا شهداء، لا في ساحات الوطن، بل في قلب عاصمةٍ ادّعت الحضارة، لتغسل بدمائهم وجهها الملطّخ بالنفاق. سقطوا وهم يرددون في سرّهم: تحيا الجزائر… ولن تموت. يا من أُلقيتم في نهر السين كأنكم أرقام، أنتم في قلوبنا رايات. أنتم النور الذي لا ينطفئ في ذاكرة الجزائر، أنتم الجسر بين المنفى والوطن، بين الألم والنصر. دماؤكم كانت الوضوء الذي طهّر تراب الاستقلال، وصراخكم في ليل باريس كان الأذان الأول لحرية الجزائر. سبعة عشر أكتوبر لم يكن يوماً من التقويم، بل صفحةً من البطولة، وشاهداً على أن الجزائري لا يركع إلا لله. ومن باريس إلى الجزائر، ظلّ النداء واحداً: لن ننسى… ولن نغفر… وسنبقى أوفياء لدم الشهداء. المجد والخلود لشهداء 17 أكتوبر 1961، ولتحيا الجزائر حرةً أبيةً، كما أرادوها. ✍️ بلقاسم مرباح وطني جزائري، حرّ في قلمه كما في مواقفه. العريضة...

لماذا الحديث عن "اتفاقية سلام" بين الجزائر والمغرب في حين لا توجد حرب؟

الإعلان الأخير بأن ستيف ويتكوف، المبعوث الخاص الأمريكي المعيَّن من قبل دونالد ترامب، يسعى إلى “إنهاء الأزمة الدبلوماسية بين الجزائر والمغرب” أثار العديد من ردود الفعل والتساؤلات. ووفقًا لتصريحاته، يأمل في التوصل إلى «اتفاق سلام» بين البلدين خلال الشهرين المقبلين، مؤكّدًا في الوقت نفسه أنه يعمل بالتوازي على مفاوضات بين إيران والولايات المتحدة. لكن هذه العبارة — «اتفاق سلام» — تطرح سؤالًا جوهريًا: عن أي حرب نتحدث؟ قراءة خاطئة للوضع الجزائر والمغرب ليسا في حالة حرب. لا يوجد نزاع مسلح ولا مواجهة مباشرة بين الدولتين. ما يفصل بينهما هو أزمة سياسية عميقة، ناتجة عن مواقف متناقضة حول قضايا السيادة والأمن الإقليمي والاحترام المتبادل. اختزال هذه الحقيقة المعقدة في مجرد “خلاف” يمكن تسويته بوساطة ظرفية يعكس إما سوء فهم لطبيعة النزاع، أو محاولة متعمدة لوضع البلدين على قدم المساواة أخلاقيًا ودبلوماسيًا، وهو ما ترفضه الجزائر رفضًا قاطعًا. الموقف الجزائري واضح وثابت شروط أي تطبيع مع المغرب معروفة، وقد جرى التأكيد عليها بقوة من قبل وزير الخارجية رمطان لعمامرة عند إعلان قطع العلاقات الدبلوماسية في 24 أغس...