مقال "الصحيفة" المغربية الذي يحاول تقديم الجزائر باعتبارها عاملًا من عوامل عدم الاستقرار في منطقة الساحل، يندرج في إطار الدعاية السياسية أكثر مما يندرج في إطار التحليل الأمني الموضوعي. فبحجة التعليق على تفكيك خلية مرتبطة بتنظيم داعش في المغرب، يبني المقال سردية موجهة مفادها أن الإرهاب في الساحل تغذيه الحركات الانفصالية، وأن هذه الحركات ترعاها الجزائر، وبالتالي ينبغي على أوروبا أن تنظر إلى الرباط باعتبارها السد الأمني الرئيسي في مواجهة التهديدات القادمة من الجنوب. غير أن هذه السردية، مهما بدت جذابة في إطار الخطاب الرسمي، لا تصمد أمام الوقائع، ولا أمام المعطيات الدولية، ولا حتى أمام التاريخ الحديث للمنطقة.
أولى نقاط ضعف هذا المقال تكمن في منهجيته. فهو ينطلق من حدث أمني يتمثل في عملية مكافحة الإرهاب التي نُفذت في المغرب، لينتقل تدريجيًا إلى توجيه اتهامات جيوسياسية ضد الجزائر. والحال أنه لا يقدم أي دليل عملياتي مباشر يربط هذه الخلية بالأراضي الجزائرية أو بالمؤسسات الجزائرية أو بسياسة جزائرية محددة. وهكذا ننتقل من الخبر إلى التلميح، ومن التلميح إلى الاتهام. إنها طريقة دعائية كلاسيكية تقوم على استغلال تهديد حقيقي من أجل صناعة عدو سياسي.
غير أن الصورة تختلف تمامًا عندما نعود إلى المصادر الدولية الجادة. فالجزائر تُوصَف باستمرار بأنها أحد أبرز الفاعلين في مكافحة الإرهاب في شمال إفريقيا. فقد أشارت تقارير دولية إلى أن الجزائر واصلت جهودًا مكثفة في مجال الوقاية، والاعتقالات، وتفكيك الخلايا الإرهابية، وتدمير مخابئ الأسلحة، وتحجيم نشاط الجماعات المتطرفة. كما لم تُسجَّل على أراضيها في السنوات الأخيرة عمليات إرهابية هجومية ذات دلالة، في حين تراجعت قدرات التنظيمات الإرهابية بشكل لافت.
هذه الحقيقة أساسية. فالجزائر ليست دولة اكتشفت الإرهاب عبر البيانات الإعلامية أو الحملات التواصلية، بل دفعت ثمنًا بشريًا باهظًا خلال سنوات التسعينيات. لقد واجهت بمفردها تقريبًا موجة إرهابية دامية في وقت كان فيه كثير من الفاعلين الدوليين يفتقرون إلى فهم حجم التهديد. ومن تلك التجربة المريرة نشأت عقيدة أمنية متماسكة تقوم على العمل الاستخباراتي، وتأمين الحدود، ورفض تقديم التنازلات للجماعات المسلحة، ومكافحة التطرف، وتعزيز التعاون الإقليمي. وهذه التجربة هي التي جعلت من الجزائر اليوم مرجعًا في مكافحة الإرهاب، لا مصدرًا له.
كما تؤكد المعطيات المتاحة هذا المسار. فمؤشرات الإرهاب العالمية تُظهر تراجعًا ملحوظًا لتأثير الإرهاب في الجزائر مقارنة بما كان عليه الوضع في بداية الألفية. وهذا التطور لم يكن وليد الصدفة، بل يعكس فعالية مؤسسة أمنية استطاعت تقليص القدرات العملياتية للجماعات الإرهابية داخل التراب الوطني، مع المحافظة في الوقت نفسه على مستوى عالٍ من اليقظة تجاه التهديدات القادمة من الساحل وليبيا والمناطق الحدودية.
أما ثاني نقاط ضعف المقال المغربي فتتمثل في تفسيره التبسيطي لأزمة الساحل. إذ يحاول الإيحاء بأن حالة عدم الاستقرار في المنطقة تعود أساسًا إلى الجزائر أو إلى جبهة البوليساريو أو إلى الحركات الانفصالية. وهذه قراءة اختزالية لا تصمد أمام التحقيق. فأزمة الساحل هي بالدرجة الأولى نتيجة انهيار سلطة الدولة في عدد من البلدان، وانتشار الأسلحة بعد تدمير الدولة الليبية سنة 2011، وتوسع شبكات التهريب، وتصاعد النزاعات المحلية، وتفاقم الفقر والتهميش وغياب الخدمات الأساسية.
كما تؤكد دراسات أممية عديدة أن التطرف العنيف في إفريقيا لا يمكن تفسيره فقط بالأيديولوجيا أو بالفقر، بل هو نتاج مزيج من عوامل متعددة تشمل الشعور بالظلم، وانعدام الآفاق الاقتصادية، وضعف الثقة في المؤسسات، والعنف المحلي، والتجاوزات الأمنية، وازدهار الاقتصاد الإجرامي. وبالتالي فإن اختزال هذه الإشكاليات المعقدة في اتهام موجّه ضد الجزائر يعني ببساطة رفض فهم الأسباب الحقيقية للأزمة.
ويستند المقال كذلك إلى التوترات القائمة بين مالي والجزائر وكأن تصريحات السلطات المالية تشكل دليلًا قاطعًا. والحال أن الاتهام السياسي، حتى عندما يصدر في محفل دولي، لا يرقى إلى مستوى الدليل القضائي. فمالي تمر منذ سنوات بأزمة عميقة تشمل العزلة الدبلوماسية، وضغط الجماعات المسلحة، وإعادة تشكيل التحالفات الأمنية، والتوتر مع عدد من الجيران. وفي مثل هذا السياق، يصبح تحميل الجزائر المسؤولية وسيلة سهلة لصرف الأنظار عن الإخفاقات والتحديات الداخلية.
لقد اتبعت الجزائر دائمًا مقاربة مختلفة في منطقة الساحل تقوم على رفض التدخلات العسكرية المزعزعة للاستقرار، ودعم الحوار السياسي، ومكافحة الإرهاب، وتعزيز التعاون الحدودي، والدفاع عن حلول إفريقية للمشكلات الإفريقية. وقد تختلف الآراء بشأن هذه المقاربة، لكنها لا يمكن بأي حال من الأحوال أن تُقدَّم على أنها دعم للإرهاب.
ومن الأساليب الأخرى التي يوظفها المقال استخدام جبهة البوليساريو كفزاعة سياسية، عبر الجمع بين مخيمات تندوف والانفصال والتهريب والجهادية في سلة واحدة. وهذا خلط خطير. فانتقال بعض الأفراد، في ظروف معينة، من بيئة سياسية ما إلى أنشطة إجرامية أو متطرفة لا يبرر تجريم شعب كامل أو قضية سياسية أو دولة مضيفة. إن مكافحة الإرهاب يجب أن تستهدف الشبكات والتمويل والقيادات والخلايا والمسارات اللوجستية، لا أن تتحول إلى أداة لنزع الشرعية عن قضايا سياسية أو لوصم اللاجئين جماعيًا.
لكن ربما يكون أكثر ما يلفت الانتباه في هذا المقال ليس ما يقوله، بل ما يتجاهله. فإذا كان يدّعي تحليل العلاقة بين الإرهاب والجريمة المنظمة وعدم الاستقرار في الساحل، فلماذا يكاد لا يتطرق إلى الاتجار بالمخدرات؟ ولماذا لا يطرح مسألة طرق التهريب التي تعبر شمال إفريقيا وتغذي اقتصاد الجريمة في الساحل؟ ولماذا يركز بشكل مكثف على اتهام الجزائر، بينما يتجنب بعناية مناقشة الدور الذي يلعبه المغرب باعتباره من أبرز مناطق إنتاج وتصدير راتنج القنب الهندي؟
إن هذا السؤال مشروع أكثر من أي وقت مضى، لأن التقارير الدولية وثّقت منذ سنوات مكانة القنب المغربي في شبكات الاتجار بالمخدرات العابرة للحدود. كما أن العديد من الدراسات المتخصصة حول منطقة الساحل تؤكد الترابط القائم بين الاقتصاد الإجرامي والجماعات المسلحة والتنظيمات الإرهابية.
ومن هنا تفرض نفسها مسألة جوهرية: إذا كانت الجماعات الإرهابية في الساحل تستفيد من شبكات التهريب العابرة للحدود، وإذا كانت بعض الطرق الإجرامية المرتبطة بالمخدرات تمتد من المغرب نحو دول الساحل، فلماذا لا يقيم المقال أي علاقة بين هذه الظاهرة وبين تمويل الجماعات المتطرفة؟ ولماذا يصبح هذا الرابط غير مرئي كلما تعلق الأمر بمعطيات قد تضع الرباط في موقف محرج؟
وتزداد أهمية هذا التساؤل في ظل ما عُرف إعلاميًا بقضية "إسكوبار الصحراء"، التي كشفت عن شبكة واسعة للاتجار الدولي بالمخدرات، وارتبط اسمها بشخصيات سياسية مغربية بارزة. وقد أثارت هذه القضية جدلًا واسعًا داخل المغرب وخارجه بسبب طبيعة الاتهامات وحجم الشخصيات المعنية بها، فضلاً عن الامتدادات الإقليمية المزعومة للشبكة.
ولا يعني طرح هذه الأسئلة الادعاء بأن الدولة المغربية تدعم الإرهاب، فمثل هذا الاتهام يتطلب أدلة قضائية دامغة لا تقبل الشك. لكن من المشروع تمامًا الإشارة إلى سياسة الكيل بمكيالين. فعندما يتعلق الأمر بالجزائر، تتحول التلميحات والاتهامات إلى حقائق شبه مسلّم بها. أما عندما تظهر ملفات قضائية داخل المغرب ترتبط بالمخدرات وبشبكات عابرة للحدود، فإن الحذر والتحفظ يصبحان فجأة واجبًا لا نقاش فيه.
إن مكافحة الإرهاب الحقيقية لا يمكن أن تكون انتقائية. فلا يجوز الحديث عن العلاقة بين الإرهاب والجريمة المنظمة فقط عندما يخدم ذلك أجندة سياسية ضد دولة مجاورة. وإذا كانت شبكات التهريب تموّل الجماعات المسلحة، فيجب إخضاع جميع أشكال التهريب للفحص والتدقيق: المخدرات، والأسلحة، والوقود، والهجرة غير الشرعية، وعمليات غسل الأموال، وعمليات الاختطاف مقابل الفدية.
إن الأمن الإقليمي لا يُبنى على الاتهامات المجانية، بل على الاتساق والموضوعية والتعاون والشجاعة الفكرية. غير أن المقال المغربي يفشل تحديدًا في هذه الجوانب الثلاثة. فهو لا يسعى إلى فهم الأسباب العميقة لعدم الاستقرار في الساحل، بل يحاول صياغة رواية سياسية مفادها أن المغرب هو الحاجز الواقي وأن الجزائر هي المشكلة. وقد تكون هذه الرواية مفيدة سياسيًا للرباط، لكنها لا تصمد أمام التحليل الموضوعي.
في الواقع، تظل الجزائر واحدة من الدول القليلة في المنطقة التي واجهت تهديدًا إرهابيًا واسع النطاق، وتمكنت من احتوائه وتقليصه على أراضيها. وهي تمتلك خبرة أمنية معترفًا بها، وعقيدة راسخة في مكافحة الإرهاب، وشبكة تعاون دولي واسعة، ومعرفة عميقة بتعقيدات منطقة الساحل. والحقائق المتاحة تشير إلى أنها عامل استقرار أكثر منها مصدرًا للفوضى.
تعليقات
إرسال تعليق