تشكّل نسبة المشاركة المعلنة في الانتخابات التشريعية الجزائرية الأخيرة إشارة سياسية بالغة الدلالة. فبعيدًا عن الأرقام المجردة والإحصاءات الانتخابية، تعكس هذه النسبة واقعًا أعمق يتمثل في اتساع الهوة بين المواطنين والمؤسسات التي يُفترض أن تمثلهم وتعبر عن تطلعاتهم وتدافع عن مصالحهم.
إن العزوف الواسع عن التصويت لا ينبغي النظر إليه باعتباره مجرد فتور عابر أو حالة مؤقتة من اللامبالاة السياسية، بل هو نتيجة مسار طويل من التآكل التدريجي للثقة بين المجتمع ومؤسسات التمثيل السياسي. فحين يفقد المواطن القناعة بقدرة صوته على إحداث تغيير حقيقي، يصبح الامتناع عن المشاركة خيارًا يعكس موقفًا سياسيًا بحد ذاته.
عزوف متوقع وليس مفاجئًا
لم تكن نسبة المشاركة الضعيفة مفاجئة للمتابعين للشأن السياسي الجزائري. فقد جاءت تتويجًا لمسار طويل من التراجع في الثقة بالعمل السياسي والمؤسسات المنتخبة. وعلى امتداد سنوات عديدة، ترسخ لدى شرائح واسعة من المواطنين شعور بأن الانتخابات لم تعد تمثل أداة فعالة للتأثير في السياسات العامة أو محاسبة المسؤولين أو الدفاع عن المصالح الاجتماعية والاقتصادية.
وفي هذا السياق، تحول البرلمان في نظر كثيرين من مؤسسة يفترض أن تكون صوت الشعب ورقيبًا على السلطة التنفيذية إلى مؤسسة تُنظر إليها أحيانًا على أنها بعيدة عن الانشغالات اليومية للمواطنين. وعندما يضعف الإحساس بجدوى المؤسسة، يضعف بالضرورة الإقبال على انتخاب ممثليها.
تراجع الحياة الحزبية
يعدّ تراجع الحيوية الحزبية أحد أبرز أسباب هذه الظاهرة. فالأحزاب السياسية ليست مجرد آليات انتخابية يتم استدعاؤها خلال الحملات الانتخابية ثم تختفي بعد إعلان النتائج. بل يفترض أن تكون فضاءات دائمة للنقاش والتأطير السياسي وتكوين الكفاءات وتمثيل مختلف فئات المجتمع.
وعندما تفقد الأحزاب قدرتها على التواصل مع المواطنين وتقديم مشاريع سياسية مقنعة، أو عندما تصبح المنافسة السياسية محدودة التأثير في صناعة القرار، تتراجع جاذبية العمل الحزبي، ويتحول التصويت إلى ممارسة شكلية لا تستقطب سوى جزء محدود من الهيئة الناخبة.
إن وجود عدد كبير من الأحزاب أو المرشحين لا يعني بالضرورة وجود حياة سياسية ديناميكية. فالحيوية السياسية تقاس بمدى حضور النقاش العمومي، وتفاعل المواطنين مع البرامج، وشعورهم بوجود بدائل حقيقية يمكن أن تؤثر في مستقبل البلاد.
ضعف مؤسسات الوساطة
تتجاوز الأزمة حدود الأحزاب السياسية لتشمل مختلف مؤسسات الوساطة بين الدولة والمجتمع، مثل النقابات والجمعيات ووسائل الإعلام ومنظمات المجتمع المدني.
تلعب هذه المؤسسات دورًا محوريًا في نقل مطالب المواطنين إلى صناع القرار، وفي بناء الثقة بين الدولة والمجتمع. وعندما تضعف هذه المؤسسات أو يتراجع تأثيرها، تصبح العلاقة بين السلطة والمواطنين أكثر مباشرة وأقل تفاعلاً، ما يحد من فرص الحوار ويزيد من الشعور بالتهميش.
وفي ظل هذا الفراغ، برزت شبكات التواصل الاجتماعي كفضاء بديل للتعبير عن الرأي العام ومناقشة القضايا الوطنية. غير أن هذه المنصات، رغم دورها المتزايد، لا تستطيع أن تعوض بشكل كامل المؤسسات السياسية والمدنية المنظمة القادرة على تحويل المطالب الاجتماعية إلى مشاريع وبرامج وسياسات عامة.
مجتمع منشغل بقضايا أخرى
من الخطأ الاعتقاد بأن انخفاض المشاركة الانتخابية يعني غياب الاهتمام بالشأن العام. فالواقع يشير إلى أن الجزائريين ما زالوا منخرطين بقوة في النقاشات المتعلقة بمستقبل بلادهم، لكن اهتمامهم بات ينصب أكثر على القضايا المعيشية المباشرة.
فقضايا التشغيل والسكن والقدرة الشرائية والأسعار والخدمات العمومية أصبحت تحتل صدارة أولويات المواطنين. وفي كثير من الأحيان، يطغى الانشغال بهذه القضايا على الاهتمام بالمواعيد الانتخابية، خاصة عندما يشعر المواطن بأن المؤسسات السياسية لا تقدم حلولًا ملموسة لمشكلاته اليومية.
وهذا ما يفسر paradox يتمثل في وجود مجتمع نشط سياسيًا على مواقع التواصل الاجتماعي وفي النقاشات العامة، لكنه ضعيف الحضور في صناديق الاقتراع.
مخاطر على التماسك الوطني
تكمن خطورة هذه الظاهرة في أنها لا تمس العملية الانتخابية فقط، بل تؤثر على قدرة الدولة والمجتمع على تعبئة الطاقات الوطنية لمواجهة التحديات الداخلية والخارجية.
فالدول الحديثة لا تعتمد فقط على مؤسساتها الإدارية والأمنية، بل تحتاج أيضًا إلى مشاركة المواطنين وثقتهم وإحساسهم بالانتماء إلى مشروع وطني مشترك. وتلعب الأحزاب والنقابات والجمعيات ووسائل الإعلام دورًا أساسيًا في تعزيز هذا الشعور الجماعي.
وعندما تتراجع فعالية هذه المؤسسات، تفقد الدولة جزءًا من أدواتها الطبيعية في حشد المجتمع وتعزيز وحدته الداخلية، ما قد ينعكس على قدرتها على مواجهة الأزمات الاقتصادية والاجتماعية والجيوسياسية.
لا ينبغي اختزال الظاهرة في الأرقام
قد يبدو من السهل التعامل مع نسب المشاركة باعتبارها مجرد أرقام وإحصاءات انتخابية، لكن القراءة العميقة تكشف أنها تعبر عن تحولات سياسية واجتماعية أكثر أهمية.
فالعزوف الانتخابي ليس مجرد امتناع عن التصويت، بل هو في كثير من الأحيان تعبير عن تراجع الثقة في فعالية المؤسسات السياسية، وعن الحاجة إلى إعادة بناء العلاقة بين المواطن والدولة على أسس جديدة تقوم على المشاركة والشفافية والتمثيل الحقيقي.
كيف يمكن استعادة الثقة؟
إن معالجة هذه الأزمة لا يمكن أن تتم عبر الدعوات الظرفية للمشاركة أو عبر تحسين الجوانب التنظيمية للعملية الانتخابية فقط. فالمطلوب قبل كل شيء هو إعادة الاعتبار للحياة السياسية نفسها.
ويشمل ذلك:
- تعزيز دور الأحزاب السياسية كمؤسسات للتأطير والاقتراح.
- دعم استقلالية وفعالية المجتمع المدني.
- توسيع فضاءات النقاش العمومي.
- تعزيز دور الإعلام المهني والمسؤول.
- تمكين البرلمان من ممارسة وظائفه التشريعية والرقابية بصورة أكثر فعالية.
- إشراك المواطنين بشكل أكبر في صياغة السياسات العمومية.
فالثقة لا تُبنى بالشعارات، بل عبر مؤسسات قوية وفعالة يشعر المواطن من خلالها بأن صوته مسموع وأن مشاركته تحدث فرقًا حقيقيًا.
خاتمة
إن نسبة المشاركة المتدنية في الانتخابات التشريعية ليست مجرد حادث انتخابي عابر، بل هي مؤشر على أزمة أعمق تتعلق بعلاقة المواطنين بالمؤسسات السياسية. وهي رسالة ينبغي قراءتها بعناية، لأنها تعكس تطلعًا إلى حياة سياسية أكثر حيوية وتمثيلية وفعالية.
فالجزائر لا تعاني من نقص في الطاقات البشرية أو في الشعور الوطني، بل تحتاج إلى إعادة بناء الجسور بين المجتمع ومؤسسات الدولة، وإحياء فضاءات المشاركة السياسية والمدنية. فالأمم لا تُقاس فقط بما تمتلكه من موارد، بل أيضًا بقدرتها على إشراك مواطنيها في صناعة مستقبلها وتحويلهم من متفرجين إلى فاعلين في مسيرتها الوطنية.
✍️ بلقاسم مرباح
وطني جزائري، حرّ في قلمه كما في مواقفه.
تعليقات
إرسال تعليق