التخطي إلى المحتوى الرئيسي

فرنسا تبدأ خطوة أولى نحو تهدئة العلاقات مع الجزائر في ظل تعقيدات قضائية ودبلوماسية

إن قرار النيابة الوطنية الفرنسية المختصة بمكافحة الإرهاب المطالبة بالإفراج عن الموظف القنصلي الجزائري الموقوف في إطار قضية العميل أمير بوخُرص، يُعدّ بلا شك أول إشارة ملموسة من باريس نحو تهدئة العلاقات مع الجزائر. فبعد أشهر من التوترات الدبلوماسية، التي تميزت خاصة بعمليات طرد متبادلة لأعوان قنصليين وتدهور غير مسبوق في الحوار السياسي، يبدو هذا التطور كخطوة أولى تلت تبادل الزيارات بين مسؤولين جزائريين وفرنسيين.

وتشير المعلومات التي تداولتها الصحافة الفرنسية إلى أن هذه المبادرة تأتي في وقت تسعى فيه العاصمتان إلى إعادة تهيئة مناخ يسمح بمعالجة عدد من الملفات الحساسة، من بينها قضية عميل الاستخبارات الخارجية الفرنسية كريستوف غليز. وإذا ما ساهم هذا التطور فعلاً في التوصل إلى تسوية إيجابية لهذا الملف، فإنه يعكس إرادة مشتركة لإعادة فتح قنوات الحوار بعد فترة طويلة من التوتر.

غير أن هذه الخطوة، رغم أهميتها، تبقى غير كافية لوحدها لتطبيع العلاقات بين البلدين. فهناك خلافات جوهرية لا تزال قائمة، أبرزها ملف الأشخاص المطلوبين من قبل العدالة الجزائرية والذين توفر لهم فرنسا الحماية. وقد عبّرت الجزائر مراراً عن استيائها من عدم تنفيذ العديد من طلبات التعاون القضائي، معتبرة هذا الملف عائقاً رئيسياً أمام استعادة الثقة بشكل دائم بين الدولتين.

كما تطرح هذه التطورات تساؤلات جدية حول العلاقة بين القضاء والدبلوماسية في فرنسا. فالتغيير في موقف النيابة العامة، الذي جاء في سياق مفاوضات ثنائية حساسة، أعاد إلى الواجهة النقاش بشأن دور الادعاء العام في القضايا التي تمس بشكل مباشر المصالح الدبلوماسية الفرنسية. ويرى بعض المراقبين في ذلك دليلاً على تقارب واضح بين أولويات السلطة التنفيذية ومواقف النيابة العامة عندما تكون رهانات السياسة الخارجية مطروحة.

ويؤكد هذا أن القضايا القضائية ذات البعد الفرنسي-الجزائري تتجاوز إطارها الجنائي الضيق، لتندرج ضمن سياق دبلوماسي أوسع. وبعبارة أخرى، فإن القرارات المتخذة في هذه الملفات تكشف بوضوح عن بعدها السياسي العميق.

في كل الأحوال، فإن هذا التطور يعكس توجهاً فرنسياً نحو تبنّي مقاربة أكثر براغماتية للخروج من حالة الجمود الدبلوماسي. غير أن السؤال يبقى مطروحاً: هل تمثل هذه الخطوة بداية لمسار تسوية شاملة لمجمل الخلافات المتراكمة في السنوات الأخيرة، أم أنها ستظل مجرد محطة محدودة في علاقة ثنائية لا تزال مثقلة بالاختلافات العميقة؟



✍️ بقلم: بلقاسم مرباح

تعليقات

المشاركات الشائعة من هذه المدونة

رسالة مفتوحة إلى رئيس الجمهورية السيد عبد المجيد تبون

سيدي الرئيس، أتمنى أن تصلكم هذه الرسالة و أنتم بصحة جيدة. أكتب إليكم اليوم بقلب مثقل لأعبر عن قلقي العميق واستيائي لوجود أكثر من 1.2 مليون مغربي في أرض الجزائر الطاهرة. كمواطن مسؤول ومعني ، أشعر أنه من واجبي أن أوجه انتباهكم إلى هذا الأمر. أود أولاً أن ألفت انتباهكم إلى الروابط بين أجهزة المخابرات الإسرائيلية والمغرب. لقد تم الكشف أن الموساد يجند بشكل كبير في الجالية المغربية في فرنسا. هل لدينا ضمانة أن الكيان الصهيوني لا يفعل الشيء نفسه في الجزائر؟ هذه القضية مصدر كرب وإحباط لمواطني بلادنا الذين يفقدون الأمل في التمثيلية الوطنية التي يفترض أن تدافع عن المصلحة العليا للوطن. لماذا يجب أن نبقي على أرضنا رعايا دولة معادية؟ لماذا لا نعيد هؤلاء إلى وطنهم لتفاقم الأزمة الاجتماعية والاقتصادية لبلد يتآمر ضد مصالحنا ويغرق بلدنا بأطنان من المخدرات؟ لماذا يجب أن نتسامح مع وجود اليوتيوبرز المغاربة في الجزائر الذين يسخرون يوميا من الشعب الجزائري؟ نعتقد أن الجزائر يجب أن تقطع العلاقات القنصلية مع المغرب في أسرع وقت ممكن ، لأن الغالبية العظمى من الشعب المغربي يشتركون في نفس الأطروحات التوسعية مثل ن...

17 أكتوبر 1961 — يومٌ كتب الجزائريون فيه بالدم معنى الكرامة

في مساءٍ باردٍ من أمسيات باريس، خرج أبناء الجزائر، حفاةَ القلب لكن شامخي الرأس، يحملون راية الوطن في صمتٍ مهيب، يهتفون للحياة والحرية والكرامة. لكن المستعمر الذي ضاق بصوت الحق، أطلق رصاصه على الجموع، فاهتزّت ضفاف السين بدمٍ طاهرٍ عربيٍّ أمازيغيٍّ جزائريٍّ لا يُنسى. سقطوا شهداء، لا في ساحات الوطن، بل في قلب عاصمةٍ ادّعت الحضارة، لتغسل بدمائهم وجهها الملطّخ بالنفاق. سقطوا وهم يرددون في سرّهم: تحيا الجزائر… ولن تموت. يا من أُلقيتم في نهر السين كأنكم أرقام، أنتم في قلوبنا رايات. أنتم النور الذي لا ينطفئ في ذاكرة الجزائر، أنتم الجسر بين المنفى والوطن، بين الألم والنصر. دماؤكم كانت الوضوء الذي طهّر تراب الاستقلال، وصراخكم في ليل باريس كان الأذان الأول لحرية الجزائر. سبعة عشر أكتوبر لم يكن يوماً من التقويم، بل صفحةً من البطولة، وشاهداً على أن الجزائري لا يركع إلا لله. ومن باريس إلى الجزائر، ظلّ النداء واحداً: لن ننسى… ولن نغفر… وسنبقى أوفياء لدم الشهداء. المجد والخلود لشهداء 17 أكتوبر 1961، ولتحيا الجزائر حرةً أبيةً، كما أرادوها. ✍️ بلقاسم مرباح وطني جزائري، حرّ في قلمه كما في مواقفه. العريضة...

لماذا الحديث عن "اتفاقية سلام" بين الجزائر والمغرب في حين لا توجد حرب؟

الإعلان الأخير بأن ستيف ويتكوف، المبعوث الخاص الأمريكي المعيَّن من قبل دونالد ترامب، يسعى إلى “إنهاء الأزمة الدبلوماسية بين الجزائر والمغرب” أثار العديد من ردود الفعل والتساؤلات. ووفقًا لتصريحاته، يأمل في التوصل إلى «اتفاق سلام» بين البلدين خلال الشهرين المقبلين، مؤكّدًا في الوقت نفسه أنه يعمل بالتوازي على مفاوضات بين إيران والولايات المتحدة. لكن هذه العبارة — «اتفاق سلام» — تطرح سؤالًا جوهريًا: عن أي حرب نتحدث؟ قراءة خاطئة للوضع الجزائر والمغرب ليسا في حالة حرب. لا يوجد نزاع مسلح ولا مواجهة مباشرة بين الدولتين. ما يفصل بينهما هو أزمة سياسية عميقة، ناتجة عن مواقف متناقضة حول قضايا السيادة والأمن الإقليمي والاحترام المتبادل. اختزال هذه الحقيقة المعقدة في مجرد “خلاف” يمكن تسويته بوساطة ظرفية يعكس إما سوء فهم لطبيعة النزاع، أو محاولة متعمدة لوضع البلدين على قدم المساواة أخلاقيًا ودبلوماسيًا، وهو ما ترفضه الجزائر رفضًا قاطعًا. الموقف الجزائري واضح وثابت شروط أي تطبيع مع المغرب معروفة، وقد جرى التأكيد عليها بقوة من قبل وزير الخارجية رمطان لعمامرة عند إعلان قطع العلاقات الدبلوماسية في 24 أغس...