التخطي إلى المحتوى الرئيسي

العلاقات الجزائرية الفرنسية: ماكرون يستعيد زمام الملف… تحت الضغط

المشهد غير مألوف، بل كاشف لحالة اختلال عميقة. اجتماع بين وزيري الداخلية، وهو بطبيعته تقني وإداري، يشرف عليه مباشرة رئيس الدولة الفرنسية. هذا المعطى وحده كفيل بإظهار حقيقة الوضع: علاقات متدهورة بين الجزائر وفرنسا، ورئيس فرنسي مضطر للتدخل شخصياً لاستعادة السيطرة على ملف أفلت منه جزئياً.

فخلف هذه الخطوة، يمكن للبعض أن يرى إرادة سياسية. أما القراءة الأكثر واقعية، فترى فيها اعترافاً ضمنياً بالضعف.

رئاسة تكشف فقدان السيطرة

في التنظيم المؤسساتي المعتاد، تُدار ملفات التعاون الأمني والهجرة على مستوى الوزراء المعنيين. وعندما ينزل رئيس الدولة بنفسه إلى هذا المستوى من التفاصيل، فإن ذلك نادراً ما يكون أمراً عادياً. بل غالباً ما يعكس فشلاً في الآليات التقليدية.

اختيار إيمانويل ماكرون ترؤس هذا الاجتماع يعني ضمنياً أن إدارة ملف الجزائر من طرف حكومته لم تنجح في احتواء تدهور العلاقات. بعبارة أخرى، لا يتعلق الأمر بمبادرة دبلوماسية عادية، بل بمحاولة متأخرة لإعادة السيطرة على وضع خرج عن الإطار المألوف.

تحول فرضه ميزان القوى

لا يمكن فهم هذه المبادرة خارج سياقها الحقيقي: أزمة عميقة ساهمت السياسات الفرنسية نفسها في تأجيجها. فالتغير في المواقف الفرنسية بشأن قضايا حساسة، وعلى رأسها الصحراء الغربية، فُهم في الجزائر على أنه تحول استراتيجي مقلق.

ويضاف إلى ذلك:

  • تصريحات سياسية وُصفت بالاستفزازية،
  • مناخ إعلامي في فرنسا غالباً ما اتسم بالعداء،
  • وتوظيف متكرر لملف الجزائر في السجال الداخلي الفرنسي.

النتيجة: علاقة متوترة، هشّة، ومفرغة تدريجياً من مضمونها السياسي.

وفي مواجهة هذا الواقع، تبدو فرنسا اليوم مضطرة إلى مراجعة مقاربتها، ليس بدافع قناعة مفاجئة، بل نتيجة معطيات موضوعية: الجزائر نوّعت شراكاتها، عززت موقعها الإقليمي، وأثبتت أنها لم تعد تقبل بعلاقات غير متكافئة.

رسالة متعددة الأبعاد

الحضور الشخصي لماكرون يحمل رسائل موجهة إلى عدة أطراف، تتجاوز البعد الدبلوماسي التقليدي.

  • إلى الجزائر: محاولة لإظهار أن باريس مستعدة لرفع مستوى الحوار. لكن يبقى السؤال: هل هو تحول استراتيجي أم مجرد تكتيك ظرفي؟

  • داخلياً: رسالة إلى الإدارة الفرنسية والطبقة السياسية بأن ملف الجزائر لم يعد قابلاً للاستهلاك في الحسابات الانتخابية الضيقة.

  • إلى الرأي العام: سعي لإعطاء انطباع بعودة الأمور إلى طبيعتها، رغم أن هذا الانطباع يبقى هشاً دون خطوات ملموسة.

نهاية وهم فرنسي؟

لطالما تعاملت بعض النخب الفرنسية مع الجزائر وفق أنماط موروثة: علاقة غير متكافئة، ضغط سياسي غير مباشر، واستخدام ورقة الذاكرة أو الهجرة كأدوات تأثير.

غير أن هذه المقاربة تبدو اليوم في حدودها القصوى. فالجزائر تتحرك في سياق جيوسياسي متغير، حيث تتعدد الخيارات وتتسع هوامش القرار.

وما تكشفه خطوة ماكرون، بشكل غير مباشر، هو إدراك متأخر لهذه الحقيقة: العلاقات مع الجزائر لم تعد تُدار بعقلية الماضي.

خطوة قوية… لكنها غير كافية

يبقى السؤال الأساسي: هل نحن أمام منعطف حقيقي أم مجرد محاولة لاحتواء أزمة؟

تاريخ العلاقات بين البلدين مليء بالمبادرات الرمزية التي لم تُترجم إلى سياسات مستدامة. وبدون معالجة القضايا الجوهرية — الذاكرة، السيادة، الاحترام المتبادل، والاتساق الدبلوماسي — ستبقى هذه التحركات محدودة الأثر.

خلاصة: محاولة تدارك أكثر منها تحول استراتيجي

في النهاية، لا يمكن قراءة حضور ماكرون في هذا الاجتماع كإشارة قوة فقط، بل أيضاً كمحاولة تدارك.

تدارك لعلاقة متدهورة.
تدارك لخيارات غير منسجمة.
تدارك لتوازن قوى لم يعد كما كان.

مؤكد أن وصول الأمور إلى حد تدخل الرئيس شخصياً لإدارة اجتماع وزاري يعكس حساسية الملف وأهميته.

ويبقى الرهان قائماً: هل ستكون هذه الخطوة بداية إعادة بناء حقيقي، أم مجرد حلقة جديدة في علاقة متقلبة لم تعرف الاستقرار بعد؟



✍️ بقلم: بلقاسم مرباح

تعليقات

المشاركات الشائعة من هذه المدونة

رسالة مفتوحة إلى رئيس الجمهورية السيد عبد المجيد تبون

سيدي الرئيس، أتمنى أن تصلكم هذه الرسالة و أنتم بصحة جيدة. أكتب إليكم اليوم بقلب مثقل لأعبر عن قلقي العميق واستيائي لوجود أكثر من 1.2 مليون مغربي في أرض الجزائر الطاهرة. كمواطن مسؤول ومعني ، أشعر أنه من واجبي أن أوجه انتباهكم إلى هذا الأمر. أود أولاً أن ألفت انتباهكم إلى الروابط بين أجهزة المخابرات الإسرائيلية والمغرب. لقد تم الكشف أن الموساد يجند بشكل كبير في الجالية المغربية في فرنسا. هل لدينا ضمانة أن الكيان الصهيوني لا يفعل الشيء نفسه في الجزائر؟ هذه القضية مصدر كرب وإحباط لمواطني بلادنا الذين يفقدون الأمل في التمثيلية الوطنية التي يفترض أن تدافع عن المصلحة العليا للوطن. لماذا يجب أن نبقي على أرضنا رعايا دولة معادية؟ لماذا لا نعيد هؤلاء إلى وطنهم لتفاقم الأزمة الاجتماعية والاقتصادية لبلد يتآمر ضد مصالحنا ويغرق بلدنا بأطنان من المخدرات؟ لماذا يجب أن نتسامح مع وجود اليوتيوبرز المغاربة في الجزائر الذين يسخرون يوميا من الشعب الجزائري؟ نعتقد أن الجزائر يجب أن تقطع العلاقات القنصلية مع المغرب في أسرع وقت ممكن ، لأن الغالبية العظمى من الشعب المغربي يشتركون في نفس الأطروحات التوسعية مثل ن...

17 أكتوبر 1961 — يومٌ كتب الجزائريون فيه بالدم معنى الكرامة

في مساءٍ باردٍ من أمسيات باريس، خرج أبناء الجزائر، حفاةَ القلب لكن شامخي الرأس، يحملون راية الوطن في صمتٍ مهيب، يهتفون للحياة والحرية والكرامة. لكن المستعمر الذي ضاق بصوت الحق، أطلق رصاصه على الجموع، فاهتزّت ضفاف السين بدمٍ طاهرٍ عربيٍّ أمازيغيٍّ جزائريٍّ لا يُنسى. سقطوا شهداء، لا في ساحات الوطن، بل في قلب عاصمةٍ ادّعت الحضارة، لتغسل بدمائهم وجهها الملطّخ بالنفاق. سقطوا وهم يرددون في سرّهم: تحيا الجزائر… ولن تموت. يا من أُلقيتم في نهر السين كأنكم أرقام، أنتم في قلوبنا رايات. أنتم النور الذي لا ينطفئ في ذاكرة الجزائر، أنتم الجسر بين المنفى والوطن، بين الألم والنصر. دماؤكم كانت الوضوء الذي طهّر تراب الاستقلال، وصراخكم في ليل باريس كان الأذان الأول لحرية الجزائر. سبعة عشر أكتوبر لم يكن يوماً من التقويم، بل صفحةً من البطولة، وشاهداً على أن الجزائري لا يركع إلا لله. ومن باريس إلى الجزائر، ظلّ النداء واحداً: لن ننسى… ولن نغفر… وسنبقى أوفياء لدم الشهداء. المجد والخلود لشهداء 17 أكتوبر 1961، ولتحيا الجزائر حرةً أبيةً، كما أرادوها. ✍️ بلقاسم مرباح وطني جزائري، حرّ في قلمه كما في مواقفه. العريضة...

لماذا الحديث عن "اتفاقية سلام" بين الجزائر والمغرب في حين لا توجد حرب؟

الإعلان الأخير بأن ستيف ويتكوف، المبعوث الخاص الأمريكي المعيَّن من قبل دونالد ترامب، يسعى إلى “إنهاء الأزمة الدبلوماسية بين الجزائر والمغرب” أثار العديد من ردود الفعل والتساؤلات. ووفقًا لتصريحاته، يأمل في التوصل إلى «اتفاق سلام» بين البلدين خلال الشهرين المقبلين، مؤكّدًا في الوقت نفسه أنه يعمل بالتوازي على مفاوضات بين إيران والولايات المتحدة. لكن هذه العبارة — «اتفاق سلام» — تطرح سؤالًا جوهريًا: عن أي حرب نتحدث؟ قراءة خاطئة للوضع الجزائر والمغرب ليسا في حالة حرب. لا يوجد نزاع مسلح ولا مواجهة مباشرة بين الدولتين. ما يفصل بينهما هو أزمة سياسية عميقة، ناتجة عن مواقف متناقضة حول قضايا السيادة والأمن الإقليمي والاحترام المتبادل. اختزال هذه الحقيقة المعقدة في مجرد “خلاف” يمكن تسويته بوساطة ظرفية يعكس إما سوء فهم لطبيعة النزاع، أو محاولة متعمدة لوضع البلدين على قدم المساواة أخلاقيًا ودبلوماسيًا، وهو ما ترفضه الجزائر رفضًا قاطعًا. الموقف الجزائري واضح وثابت شروط أي تطبيع مع المغرب معروفة، وقد جرى التأكيد عليها بقوة من قبل وزير الخارجية رمطان لعمامرة عند إعلان قطع العلاقات الدبلوماسية في 24 أغس...