التخطي إلى المحتوى الرئيسي

تحليل وقائعي للمقال المنشور في جريدة “الصحيفة” المغربية بتاريخ 9 يونيو 2026

يستند المقال الذي نشره الصحفي إسماعيل بويعقوبي في جريدة الصحيفة المغربية أساساً إلى مقاطع فيديو التقطها مدوّن قطري يجوب جنوب غرب الجزائر بدراجته النارية، ليخلص إلى أن مشروع منجم غار جبيلات ما هو إلا وهم اقتصادي. وهذا المنهج في حد ذاته — استخدام صور سياحية لصحراء نائية دليلاً على فشل مشروع صناعي عملاق — يكشف هشاشة الحجة قبل أي تفنيد. والصحيفة منبر مغربي موثّق التوجه العدائي تجاه الجزائر، وهو ما لا يُسقط نقده تلقائياً، لكنه يفرض التحقق الدقيق من كل ادعاء.



 الحقائق التي أسقطها المقال عمداً

في شأن الاحتياطيات: يُلمّح المقال إلى أن المشروع لا يعدو كونه حبراً على ورق. غير أن الرصيد المعدني لغار جبيلات يمتد على مساحة 131 كيلومتراً مربعاً، وتُقدَّر احتياطياته القابلة للاستغلال بـ3,5 مليار طن من الخام بنسبة حديد تبلغ 58,57%.  هذا الرقم المُثبَت مستقلاً يجعل الموقع من بين أكبر احتياطيات خام الحديد غير المستغلة في العالم.

في شأن مرحلة الإنتاج الراهنة: يُوحي المقال بأن الموقع مهجور. والحقيقة أن القطاع الغربي من المنجم بات في حالة تشغيل فعلي، بطاقة إنتاجية تتراوح بين 2 و3 ملايين طن سنوياً، مع طموح للوصول إلى 50 مليون طن بحلول عام 2040. 

في شأن البنية اللوجستية: الحجة المحورية في المقال — العزلة الجغرافية القاهرة — تُدحضها وقائع موثّقة. إذ تشمل المحطات الكبرى للمشروع السككي تدشين قطاع بشار-حمّاقير (100 كلم) في أبريل 2025، وإتمام قطاع تندوف-غار جبيلات (135 كلم) في 5 يوليو 2025، وإنجاز الخط بأكمله في 31 ديسمبر 2025 — أي قبل الموعد الأصلي المحدد في يونيو 2026. خط بطول 950 كيلومتراً مكتمل يُكذّب مباشرةً أطروحة “الموقع المعزول”.

في شأن نقل الخام: أجرت الجزائر أول شحنة لخام الحديد المستخرج من منجم غار جبيلات في ولاية تندوف، وهو ما يُمثّل منعطفاً حاسماً في مسار المشروع، وذلك في يناير 2026.

في شأن أول وحدة معالجة: كانت أول وحدة أولية لمعالجة خام الحديد في غار جبيلات، المصمَّمة لإنتاج نحو 4 ملايين طن سنوياً، على المسار الصحيح للتشغيل بنهاية أبريل 2026. 

الانتقادات التقنية المشروعة وسياقها

يُلمّح المقال، تقريباً بالصدفة، إلى تحدٍّ تقني حقيقي: نسبة الفوسفور في الخام. وهذا النقد يستحق الأخذ به بجدية، إذ له حضور فعلي في الأدبيات المتخصصة.

تشترط معايير تصدير خام الحديد أن تكون نسبة الفوسفور دون عتبة 0,08%، فيما يُفضّل كثير من منتجي الصلب تركيزات تقل عن 0,05% للتلقيم المباشر في أفران الصهر العالية. 

تستلزم العمليات توظيف تقنيات متطورة لإزالة الفوسفور إلى مستوى يقل عن 0,05%، وذلك بالتعاون مع الشريك الصيني.  فالتحدي قائم إذن، ومُعترَف به، ويُعالَج في إطار شراكة تكنولوجية — لا يُتجاهَل.

مسألة الجدوى الاقتصادية على المدى البعيد وآماد الإنجاز مشروعة هي الأخرى: يُمثّل المشروع ركيزة محورية في مساعي تقليص التبعية للمحروقات، التي تستأثر حالياً بأكثر من 90% من عائدات التصدير وما يناهز 60% من إيرادات الميزانية الحكومية.  المخاطر كبيرة والضغوط حقيقية. لكن الاعتراف بإكراهات هيكلية شيء، والتصريح بأنها “أكذوبة الدولة” شيء آخر بالكلية.


التوظيف السياسي للملف

تُذكّر الصحيفة باتفاق 1972 المغربي-الجزائري المتعلق بالاستغلال المشترك للموقع. هذا الاستذكار ليس بريئاً: فهو يندرج في الخطاب المغربي الرامي إلى تصوير كل تنمية جزائرية مستقلة حول تندوف باعتبارها ورقة سياسية انتقامية، لا مشروعاً اقتصادياً سيادياً. واستحضار الملف الصحراوي في الخلفية يؤكد أن المقال أقرب إلى الحرب المعلوماتية منه إلى التحليل الاقتصادي.


ما هو مشروع في النقد

سيكون من الأمانة الفكرية تجاهل كل شيء. ثمة ملاحظات أبدتها أطراف مستقلة — من بينها جزائريون — تستحق الوقوف عندها:

الهوة بين الأهداف الأولية (40-50 مليون طن/سنة منذ 2026) والواقع الراهن (2-3 ملايين طن/سنة) جوهرية وتستوجب التفسير.

المشاريع المنجمية ذات الآفاق الزمنية الممتدة بين 15 و20 سنة معرّضة لتقلبات الأطر التنظيمية والسياسات الضريبية والمتغيرات السياسية. 


خلاصة

يخلط مقال الصحيفة عن سبق إصرار بين ثلاثة أشياء مختلفة: التحديات الحقيقية لمشروع تعديني معقد، والخطاب المُفرط الرسمي الجزائري، ووجود المشروع نفسه. ومقاطع فيديو مدوّن يعبر الصحراء بدراجة نارية لا ترقى إلى مستوى التحقيق الاقتصادي.

الوقائع واضحة: منجم غار جبيلات من بين أكبر المناجم في العالم باحتياطيات تبلغ 3,5 مليار طن، وإطلاق تشغيله يُمثّل حدثاً استثنائياً في تاريخ الجزائر المستقلة.  خط السكة الحديدية البالغ طوله 950 كيلومتراً مكتمل، وأول شحنة من الخام نُقلت فعلاً، وأول وحدة للمعالجة في طور التشغيل. ليس هذا “حفرة معزولة في الصحراء” — بل هو مشروع صناعي بعيد المدى يواجه تحديات تقنية جدية وموثقة، لكنه في طور الإنجاز الفعلي.

التمييز بين الدعاية والنقد الوقائعي المشروع ضرورة فكرية — في الاتجاهين.



✍️ بقلم: بلقاسم مرباح

تعليقات

المشاركات الشائعة من هذه المدونة

رسالة مفتوحة إلى رئيس الجمهورية السيد عبد المجيد تبون

سيدي الرئيس، أتمنى أن تصلكم هذه الرسالة و أنتم بصحة جيدة. أكتب إليكم اليوم بقلب مثقل لأعبر عن قلقي العميق واستيائي لوجود أكثر من 1.2 مليون مغربي في أرض الجزائر الطاهرة. كمواطن مسؤول ومعني ، أشعر أنه من واجبي أن أوجه انتباهكم إلى هذا الأمر. أود أولاً أن ألفت انتباهكم إلى الروابط بين أجهزة المخابرات الإسرائيلية والمغرب. لقد تم الكشف أن الموساد يجند بشكل كبير في الجالية المغربية في فرنسا. هل لدينا ضمانة أن الكيان الصهيوني لا يفعل الشيء نفسه في الجزائر؟ هذه القضية مصدر كرب وإحباط لمواطني بلادنا الذين يفقدون الأمل في التمثيلية الوطنية التي يفترض أن تدافع عن المصلحة العليا للوطن. لماذا يجب أن نبقي على أرضنا رعايا دولة معادية؟ لماذا لا نعيد هؤلاء إلى وطنهم لتفاقم الأزمة الاجتماعية والاقتصادية لبلد يتآمر ضد مصالحنا ويغرق بلدنا بأطنان من المخدرات؟ لماذا يجب أن نتسامح مع وجود اليوتيوبرز المغاربة في الجزائر الذين يسخرون يوميا من الشعب الجزائري؟ نعتقد أن الجزائر يجب أن تقطع العلاقات القنصلية مع المغرب في أسرع وقت ممكن ، لأن الغالبية العظمى من الشعب المغربي يشتركون في نفس الأطروحات التوسعية مثل ن...

17 أكتوبر 1961 — يومٌ كتب الجزائريون فيه بالدم معنى الكرامة

في مساءٍ باردٍ من أمسيات باريس، خرج أبناء الجزائر، حفاةَ القلب لكن شامخي الرأس، يحملون راية الوطن في صمتٍ مهيب، يهتفون للحياة والحرية والكرامة. لكن المستعمر الذي ضاق بصوت الحق، أطلق رصاصه على الجموع، فاهتزّت ضفاف السين بدمٍ طاهرٍ عربيٍّ أمازيغيٍّ جزائريٍّ لا يُنسى. سقطوا شهداء، لا في ساحات الوطن، بل في قلب عاصمةٍ ادّعت الحضارة، لتغسل بدمائهم وجهها الملطّخ بالنفاق. سقطوا وهم يرددون في سرّهم: تحيا الجزائر… ولن تموت. يا من أُلقيتم في نهر السين كأنكم أرقام، أنتم في قلوبنا رايات. أنتم النور الذي لا ينطفئ في ذاكرة الجزائر، أنتم الجسر بين المنفى والوطن، بين الألم والنصر. دماؤكم كانت الوضوء الذي طهّر تراب الاستقلال، وصراخكم في ليل باريس كان الأذان الأول لحرية الجزائر. سبعة عشر أكتوبر لم يكن يوماً من التقويم، بل صفحةً من البطولة، وشاهداً على أن الجزائري لا يركع إلا لله. ومن باريس إلى الجزائر، ظلّ النداء واحداً: لن ننسى… ولن نغفر… وسنبقى أوفياء لدم الشهداء. المجد والخلود لشهداء 17 أكتوبر 1961، ولتحيا الجزائر حرةً أبيةً، كما أرادوها. ✍️ بلقاسم مرباح وطني جزائري، حرّ في قلمه كما في مواقفه. العريضة...

لماذا الحديث عن "اتفاقية سلام" بين الجزائر والمغرب في حين لا توجد حرب؟

الإعلان الأخير بأن ستيف ويتكوف، المبعوث الخاص الأمريكي المعيَّن من قبل دونالد ترامب، يسعى إلى “إنهاء الأزمة الدبلوماسية بين الجزائر والمغرب” أثار العديد من ردود الفعل والتساؤلات. ووفقًا لتصريحاته، يأمل في التوصل إلى «اتفاق سلام» بين البلدين خلال الشهرين المقبلين، مؤكّدًا في الوقت نفسه أنه يعمل بالتوازي على مفاوضات بين إيران والولايات المتحدة. لكن هذه العبارة — «اتفاق سلام» — تطرح سؤالًا جوهريًا: عن أي حرب نتحدث؟ قراءة خاطئة للوضع الجزائر والمغرب ليسا في حالة حرب. لا يوجد نزاع مسلح ولا مواجهة مباشرة بين الدولتين. ما يفصل بينهما هو أزمة سياسية عميقة، ناتجة عن مواقف متناقضة حول قضايا السيادة والأمن الإقليمي والاحترام المتبادل. اختزال هذه الحقيقة المعقدة في مجرد “خلاف” يمكن تسويته بوساطة ظرفية يعكس إما سوء فهم لطبيعة النزاع، أو محاولة متعمدة لوضع البلدين على قدم المساواة أخلاقيًا ودبلوماسيًا، وهو ما ترفضه الجزائر رفضًا قاطعًا. الموقف الجزائري واضح وثابت شروط أي تطبيع مع المغرب معروفة، وقد جرى التأكيد عليها بقوة من قبل وزير الخارجية رمطان لعمامرة عند إعلان قطع العلاقات الدبلوماسية في 24 أغس...