شكّل اللقاء الذي نُظّم في باريس تحت شعار: «من أجل الجمهورية، فرنسا ضد الإسلاموية» محطة لافتة، ليس فقط بسبب حجم الحضور الذي تجاوز ألفي مشارك، بل أيضاً بسبب طبيعة الشخصيات الحاضرة، وعلى رأسها أعضاء من الحكومة الفرنسية.
هذا الحدث لم يكن مجرد لقاء فكري أو ندوة بحثية، بل بدا أقرب إلى تجمع سياسي منظم، يعكس قدرة شبكات معينة على حشد نخب سياسية وأمنية وإعلامية حول خطاب موحد يجمع بين قضايا الأمن الداخلي والهوية الوطنية والرهانات الجيوسياسية المرتبطة بإسرائيل.
1) إلنِت: من شبكة دبلوماسية غير رسمية إلى فاعل مؤثر في القرار الأوروبي
تُقدّم منظمة إلنِت (European Leadership Network) نفسها كهيئة غير حكومية تعمل على تعزيز العلاقات بين أوروبا وإسرائيل. غير أن تطورها خلال السنوات الأخيرة يكشف تحوّلها إلى أحد أبرز أذرع التأثير المؤيدة لإسرائيل في أوروبا.
تعتمد هذه المنظمة على مزيج من أدوات النفوذ الحديثة:
- بناء شبكات علاقات مع صناع القرار؛
- تنظيم مؤتمرات مغلقة ولقاءات استراتيجية؛
- إنتاج خطاب سياسي وإعلامي موجّه؛
- التأثير على النقاشات العامة في قضايا الأمن والسياسة الخارجية.
كما باتت تُقارن في كثير من التحليلات بجهات ضغط قوية على غرار "إيباك" في الولايات المتحدة، مما يعكس انتقالها من العمل الهادئ إلى التأثير العلني والمنظم داخل المؤسسات الأوروبية.
2) رحلات التأثير: صناعة القرب السياسي
من أبرز أدوات نفوذ إلنِت تنظيم رحلات إلى إسرائيل لبرلمانيين فرنسيين، حيث أشارت عدة تقارير إلى أن نحو مائة نائب وشخصية سياسية شاركوا في زيارات ممولة بالكامل منذ عام 2017.
تتضمن هذه الرحلات:
- لقاءات مع مسؤولين سياسيين وعسكريين إسرائيليين؛
- زيارات لمواقع استراتيجية وأمنية؛
- عرض الرواية الإسرائيلية للنزاعات الإقليمية.
هذه الآلية لا تقتصر على تبادل ثقافي أو دبلوماسي، بل تُسهم في تشكيل تصورات سياسية طويلة المدى لدى صناع القرار، مما يجعلها أداة مؤثرة في توجيه السياسات العامة.
3) الازدواجية الفرنسية: عندما يصبح مفهوم "التدخل" انتقائياً
صناعة "الخطر الجزائري" إعلامياً
في الأشهر الأخيرة، سعت بعض الأوساط السياسية والإعلامية الفرنسية إلى تضخيم الحديث عن "تدخل جزائري" مفترض في الشأن الداخلي الفرنسي، مستندة بشكل أساسي إلى نشاط بعض المؤثرين على منصة "تيك توك".
غير أن هذه الحالات في الواقع تتعلق بأفراد:
- لا يمثلون الدولة الجزائرية؛
- لا يملكون امتداداً مؤسسياً؛
- ولا يرتبطون بأي استراتيجية جيوسياسية واضحة.
ما تم توثيقه في هذه القضايا هو مخالفات قانونية أو خطابات تحريضية، عالجها القضاء الفرنسي بالفعل، دون وجود أدلة قاطعة على تنسيق مع السلطات الجزائرية.
هذا الخلط بين ظاهرة اجتماعية رقمية وبين مفهوم "التدخل الأجنبي" يعكس في كثير من الأحيان معالجة إعلامية أكثر منها تحليلاً استراتيجياً.
4) تدخلات رقمية أكثر تعقيداً: قضية استهداف مرشحي فرنسا الأبية
في المقابل، ظهرت خلال الانتخابات البلدية لسنة 2026 قضية ذات طابع أكثر خطورة من حيث البنية والوسائل.
فقد تعرض عدد من مرشحي حركة "فرنسا الأبية" لحملة تشويه رقمية اعتمدت على:
- مواقع إلكترونية مزيفة؛
- حسابات وهمية منسقة؛
- صور مولدة بالذكاء الاصطناعي؛
- نشر متزامن للمحتوى بهدف التأثير على الرأي العام.
وقد أشار جهاز "فيجينوم" الفرنسي إلى وجود مؤشرات تقنية تدل على مصدر أجنبي لهذه العمليات، فيما تناولت تحقيقات صحفية فرضية وجود صلة بكيانات مرتبطة بإسرائيل.
مع ذلك، تبقى المسؤوليات النهائية غير مثبتة قانونياً حتى الآن، لكن طبيعة الأدوات المستخدمة تشير بوضوح إلى عملية منظمة وليست مجرد مبادرات فردية.
5) صمت انتقائي: بين التدخلات "المرفوضة" و"المقبولة"
تكمن الإشكالية الحقيقية في اختلاف طريقة التعامل مع ملفات التدخل الخارجي:
- عند الحديث عن دول مثل روسيا أو الصين أو الجزائر، تصدر الاتهامات بسرعة وتلقى اهتماماً إعلامياً واسعاً.
- بينما في حالات ترتبط بدول حليفة أو ذات نفوذ، يصبح الخطاب أكثر حذراً وأقل صدامية.
في هذا الإطار:
- يمثل نشاط إلنِت مثالاً واضحاً على تأثير منظم ومؤسسي؛
- بينما يبرز ملف "بيغاسوس" مدى تعقيد أدوات النفوذ المرتبطة بالمغرب، خاصة في مجال التجسس الرقمي.
6) حرب المعلومات: معركة القرن الحادي والعشرين
تعيش الدول اليوم في مرحلة جديدة من الصراعات تعتمد على أدوات رقمية متطورة مثل:
- الحسابات الوهمية؛
- الذكاء الاصطناعي؛
- الاستهداف الدقيق للجماهير؛
- التلاعب بالعواطف الجماعية؛
- نشر المعلومات المضللة.
في هذا السياق، يصبح التركيز على قضايا هامشية مثل بعض المؤثرين الأفراد نوعاً من تحويل الأنظار عن التحديات الحقيقية.
7) خطر ازدواجية المعايير
إن الخطر الأكبر لا يكمن في وجود تدخلات أجنبية — فهي واقع عالمي — بل في توظيف هذا المفهوم سياسياً بشكل انتقائي.
فالدولة التي:
- تدين بعض التدخلات وتتجاهل أخرى؛
- تضخم تهديدات محدودة وتتجاهل عمليات منظمة؛
إنما تضعف:
- مصداقيتها الديمقراطية؛
- وقدرتها الحقيقية على حماية سيادتها.
خاتمة
تجد فرنسا نفسها اليوم أمام تحدٍ استراتيجي حقيقي:
كيف تحمي سيادتها المعلوماتية دون الانزلاق إلى خطاب انتقائي أو توظيف سياسي لفكرة "التدخل الخارجي"؟
فالعدالة في التعامل مع جميع أشكال النفوذ، مهما كان مصدرها، تبقى الشرط الأساسي للحفاظ على مصداقية الدولة وحصانة ديمقراطيتها.
بقلم بلقاسم مرباح
تعليقات
إرسال تعليق