في الخطاب الفرنسي الرسمي، يتكرر التأكيد على أن العلاقة مع الجزائر “مدعوة” إلى التحسن، بحكم التاريخ المشترك وتشابك المصالح الاقتصادية والبشرية. غير أن هذا الخطاب يصطدم، في كل مرة، بواقع سياسي صلب: لا يمكن بناء مصالحة حقيقية بينما تستمر سياسات تمسّ بشكل مباشر بمصالح تعتبرها الجزائر حيوية. وفي هذا السياق، يظل ملف الصحراء الغربية وقضية الذاكرة الاستعمارية بمثابة اختبار حقيقي لصدق النوايا.
أولاً: الصحراء الغربية… تناقض استراتيجي يقوّض أي تقارب
في صيف 2024، اتخذت فرنسا موقفاً مفصلياً عندما اعتبر الرئيس الفرنسي أن مستقبل الصحراء الغربية يندرج ضمن السيادة المغربية، مقدّماً مخطط الحكم الذاتي كـ"الأساس الوحيد" للحل. هذا التحول لم يُقرأ في الجزائر كموقف تقني أو دبلوماسي عابر، بل كخطوة تمس جوهر توازنات المنطقة ومبدأ تقرير المصير الذي تدافع عنه الجزائر.
وهنا يكمن التناقض الجوهري:
- من جهة، تدعو باريس إلى استئناف الحوار وبناء علاقات طبيعية مع الجزائر.
- ومن جهة أخرى، تتبنى موقفاً استراتيجياً يمسّ مباشرة أحد أهم الملفات السيادية بالنسبة للجزائر.
بهذا المعنى، يصبح طلب “فصل الملفات” أو “عدم الربط” بين القضايا نوعاً من التبسيط المخلّ، لأن قضية الصحراء ليست تفصيلاً عابراً، بل عنصر بنيوي في رؤية الجزائر للأمن الإقليمي. وعليه، فإن أي حديث عن تقارب، في ظل هذا المعطى، يبدو أقرب إلى خطاب سياسي منه إلى مشروع فعلي.
ثانياً: ملف الذاكرة… سياسة “التقطير” بدل الحسم
أما في ما يتعلق بملف الذاكرة، فالمشكلة لا تكمن في غياب المبادرات الفرنسية، بل في طبيعتها. إذ تعتمد باريس نهجاً تدريجياً يقوم على الاعتراف الجزئي، وفتح الأرشيف بشكل محدود، وإطلاق إشارات رمزية دون الوصول إلى حسم شامل.
من زاوية النظر الجزائرية، يظهر هذا النهج كنوع من "سياسة التقطير" التي تجعل من الذاكرة أداة قابلة للاستخدام السياسي، تُفعَّل حيناً وتُجمَّد حيناً آخر. وبدلاً من إغلاق هذا الجرح التاريخي بشكل واضح، يتم إبقاؤه مفتوحاً، ما يمنح باريس هامشاً للمناورة في ملفات أخرى.
وهكذا، تتحول الذاكرة من مسار تصحيحي نحو العدالة التاريخية، إلى رافعة تفاوضية تُستخدم بحسب الظرف والسياق.
ثالثاً: السياق الداخلي الفرنسي… صراع على السردية
لا يمكن فهم هذا التردد الفرنسي دون العودة إلى التحولات الداخلية في فرنسا. فقد برزت في الآونة الأخيرة ديناميات قوية داخل الأوساط الثقافية والإعلامية، تعكس صراعاً متزايداً حول طبيعة الخطاب العام.
- في قطاع السينما، وقّع نحو 600 مهني عريضة تنتقد تزايد نفوذ بعض المجموعات الإعلامية الكبرى، محذّرين من خطر التأثير على الإنتاج الثقافي والخيال الجماعي.
- وفي عالم النشر، عبّر مئات الكتّاب عن رفضهم لما اعتبروه مساساً باستقلالية القرار الثقافي، في ظل إعادة هيكلة بعض دور النشر.
هذه التطورات ليست منفصلة عن السياسة الخارجية. بل إنها تشير إلى حالة استقطاب داخلي متزايدة تجعل من الصعب على صانع القرار الفرنسي تبني مواقف جريئة في ملفات حساسة كملف الذاكرة أو العلاقات مع الجزائر.
فكل خطوة نحو اعتراف شامل بالجرائم الاستعمارية أو مراجعة حقيقية للسياسة في المغرب العربي، قد تُستغل داخلياً وتُؤوَّل ضمن صراع أيديولوجي محتدم.
خاتمة: معيار الصدق هو الأفعال لا التصريحات
في نهاية المطاف، لا يكمن الإشكال في الخطاب الفرنسي الذي يتحدث عن التقارب مع الجزائر، بل في التناقض بين هذا الخطاب والواقع:
- موقف واضح في الصحراء الغربية يُفهم في الجزائر كمساس مباشر بمصالحها الحيوية؛
- إدارة تدريجية لملف الذاكرة تحوّله إلى أداة سياسية بدل أن يكون ملفاً ينبغي تسويته نهائياً؛
- وسياق داخلي فرنسي يحدّ من قدرة الدولة على اتخاذ قرارات حاسمة.
لذلك، فإن التشكيك في جدية الرغبة الفرنسية في التقارب ليس موقفاً عاطفياً، بل قراءة قائمة على منطق الاتساق. فالمصالحة الحقيقية لا تُبنى على التجزئة، ولا على تجاهل القضايا الجوهرية، بل على معالجة أسباب الخلاف من جذورها.
وإلى أن يحدث ذلك، ستظل فكرة “إعادة الدفء” إلى العلاقات مجرد شعار، أكثر منها واقعاً سياسياً.
بقلم: بلقاسم مرباح
تعليقات
إرسال تعليق