في مايو 2026، اعتمدت الجزائر قانونًا ذا طابع تاريخي يهدف إلى تجريم الاستعمار الفرنسي قانونيًا خلال الفترة (1830–1962). وقد نُشر هذا النص في الجريدة الرسمية، ما يجعله نقلة نوعية في طريقة تعامل الدولة الجزائرية مع تاريخها الاستعماري: فلم يعد الموضوع مجرد سردية أو “ملف ذاكرة”، بل أصبح إطارًا قانونيًا مؤسّسًا مدعومًا بتوصيفات جزائية وآليات عمل واضحة.
ويأتي هذا القانون كذلك في سياق توترات متكررة حول الذاكرة الاستعمارية، ويعكس إرادة واضحة: تحويل الماضي إلى موضوع حقّ وسيادة، بدل بقائه ملفًا سياسيًا قابلًا للتأجيل أو التفاوض الرمزي فقط.
أولًا: إعادة التكييف القانوني للاستعمار… من “فصل تاريخي” إلى “منظومة جرائم”
ويُقدَّم الاستعمار في القانون بصفته:
- انتهاكًا للحقوق الأساسية
- مساسًا بالكرامة الإنسانية
- نظام هيمنة قائمًا على العنف السياسي والاقتصادي والثقافي
بهذا التوصيف، يقرّب القانون الاستعمار من مفاهيم القانون الدولي، خاصة ما يتصل بأطر الجرائم الجسيمة وجرائم ضد الإنسانية، ويمنحه “قابلية” للمرافعة القانونية والسياسية على نطاق أوسع من مجرد السجال التاريخي.
ثانيًا: قائمة صريحة بالجرائم الاستعمارية… قلب القانون النابض
أهم ما يميز النص هو أنه لا يكتفي بالشعارات العامة، بل يقدم تعدادًا واضحًا للجرائم المنسوبة للفترة الاستعمارية، باعتبارها عناصر مكوّنة لـ نظام قمعي شامل. ومن أبرز ما يورده القانون:
- المجازر بحق المدنيين
- التهجير القسري للسكان
- مصادرة الأراضي والممتلكات
- التعذيب والاعتقال التعسفي
- العنف الجنسي
- الاختفاء القسري
- زرع الألغام
- التجارب النووية والكيميائية
- تدمير البنى الاجتماعية والثقافية
- التمييز المنهجي
دلالة هذه القائمة ليست توثيقية فقط، بل حجاجية وقانونية: فهي تهدف إلى إثبات أن الاستعمار لم يكن انحرافات متفرقة، بل منظومة منظمة ومستدامة للهيمنة، وهو ما يرفع سقف المطالبة بالمساءلة ويعزز سردية “المسؤولية التاريخية”.
ثالثًا: مسؤولية فرنسا وملف التعويضات… الذاكرة كرافعة تفاوض دولي
يضع القانون عنصرًا شديد الحساسية في صلبه: تحميل الدولة الفرنسية مسؤولية صريحة عن الجرائم الاستعمارية. ومن هنا يفتح النص الباب أمام مسارات متعددة للتحرك:
- إجراءات قانونية دولية
- مطالبات دبلوماسية
- مفاوضات سياسية
ومن بين المطالب التي يمكن أن يستند إليها هذا القانون:
- استرجاع الأرشيف التاريخي
- إعادة الرفات البشرية الموجودة في الخارج
- التعويض عن الأضرار المادية والمعنوية
- معالجة الآثار البيئية، خصوصًا المرتبطة بالتجارب النووية
هذا البُعد يمنح القانون طابعًا استراتيجيًا: فهو لا يكتفي بـ“تثبيت الذاكرة”، بل يحولها إلى أداة تفاوض وإلى “ملف حقوق” قابل للطرح في مستويات متعددة.
رابعًا: تجريم تمجيد الاستعمار… الجانب الأكثر حساسية
لا يقتصر القانون على الاعتراف والتوصيف، بل ينتقل إلى إنشاء إطار جزائي يعاقب على كل أشكال:
- تبرير الاستعمار
- التقليل من الجرائم
- خطابات أو محتويات تمجّد الاستعمار أو تبرّئه
العقوبات (وفق ما يظهر في بنية النص كما جرى تداوله في ملخصاته)
- السجن وقد يصل إلى 10 سنوات
- غرامات مالية قد تصل إلى 1,000,000 دينار جزائري
- تشديد العقوبة في حالات التكرار أو إذا جرى توظيف وسائل الإعلام
وتُطبَّق هذه الأحكام على منصات متعددة:
- الصحافة المكتوبة والمرئية
- المنشورات الرقمية
- وسائل التواصل الاجتماعي
خامسًا: سياسة ذاكرة وطنية منظمة… القانون لا يعاقب فقط بل يبني سردية رسمية
يؤسس القانون أيضًا لسياسة ذاكرة ممنهجة، من خلال تكليف الدولة بمهمات تتجاوز الردع إلى البناء المؤسسي، ومنها:
- حفظ الذاكرة التاريخية ونقلها
- إدماج عناصرها في البرامج التعليمية
- حماية المواقع والرموز المرتبطة بثورة التحرير
- مكافحة محاولات تزوير التاريخ
بهذا المعنى، يتحول التعليم والمؤسسات الثقافية إلى أدوات مركزية في “تحصين” الرواية الوطنية، وإلى قنوات لتوريث الوعي التاريخي للأجيال القادمة ضمن إطار رسمي واضح.
سادسًا: الأبعاد الدبلوماسية… تدويل الملف وإعادة توازن الذاكرة
يتجاوز القانون الإطار الوطني نحو وظيفة خارجية واضحة:
1) الضغط على فرنسا
بتوصيف الاستعمار كجريمة، تقوّي الجزائر موقعها التفاوضي وتزيد الضغط باتجاه اعتراف رسمي أو خطوات عملية في ملفات الأرشيف والرفات والآثار.
2) تدويل القضية
يمكن أن يشكل القانون سندًا لمرافعات في:
- المحافل الدولية
- الفضاء الإفريقي
- نقاشات العدالة التاريخية عالميًا
3) إعادة تعريف العلاقة بالذاكرة
يسعى النص إلى تصحيح ما يُنظر إليه كاختلال في الاعتراف بالمسؤوليات التاريخية، عبر نقل الملف من “تاريخ مختلف عليه” إلى “حقوق موثقة ومطالب قابلة للمتابعة”.
سابعًا: بين العدالة التاريخية وتحديات الحاضر… أسئلة مفتوحة
رغم قوته الرمزية والسياسية، يطرح القانون أسئلة عملية:
- محدودية قابلية التطبيق دوليًا دون اعتراف خارجي أو تفعيل مسارات قضائية دولية
- احتمال تصاعد التوتر الدبلوماسي مع فرنسا
- حساسية حرية التعبير في تطبيق بنود تجريم التبرير أو التمجيد
ومن ثم، فهو قانون يجمع بين:
- أداة إنصاف تاريخي
- ووسيلة سياسية/دبلوماسية
- وإطار سيادي لإدارة سردية وطنية
الخلاصة: قانون يغيّر قواعد اللعبة
يمثل قانون تجريم الاستعمار الفرنسي في الجزائر منعطفًا استراتيجيًا كبيرًا لأنه يحول موضوعًا تاريخيًا إلى منظومة قانونية متكاملة تقوم على ثلاثة محاور:
- الاعتراف بالجرائم وتوصيفها قانونيًا
- حماية الذاكرة وبناء سياسة نقلها مؤسسيًا
- تأكيد السيادة السياسية والقانونية في إدارة الماضي
وبإعادة تعريف الاستعمار، لا تكتفي الجزائر بمراجعة تاريخها، بل تسعى إلى إعادة تشكيل علاقتها بالماضي كحقٍّ وسيادة، وإلى توظيف هذا الماضي في إعادة ترتيب موقعها التفاوضي والجيوسياسي.
تعليقات
إرسال تعليق