مالي: الهجوم الخاطف الذي أعاد خلط أوراق الساحل بين تفكيك الدولة، الانسحاب الروسي، وعودة «العامل الجزائري»
في غضون أيام قليلة، انتقلت الأزمة المالية من مرحلة التدهور الأمني المزمن إلى حدث كاسر للتوازنات. لم يعد الأمر يتعلق بهجمات متقطعة أو تمدد بطيء للجماعات المسلحة، بل بعملية منسقة ومتعددة الجبهات، رافقها اضطراب ظاهر في هرم القيادة، وتراجع أو انسحاب للحليف الروسي في شمال البلاد، وبدء إعادة تشكيل سريعة للمعادلة الدبلوماسية الإقليمية.
وفي قلب هذه التطورات، يبرز من جديد الدور الجيوسياسي المركزي للجزائر، لا بوصفه اختيارًا سياسياً معلناً، بل كنتيجة حتمية للجغرافيا، وأمن الحدود، وعمق التجربة الدبلوماسية.
بعد ثلاثة أيام من الهجمات، لا يزال المشهد ضبابياً: مدن استراتيجية في الشمال والوسط (كِدال، غاو، بوريم، كونّا، سيفاري، موبتي) سقطت أو باتت محل نزاع، في حين يظهر الحكم الانتقالي في باماكو في حالة ارتباك وصمت. رئيس المرحلة الانتقالية لم يظهر علناً في ذروة الأزمة، قبل الإعلان عن خطاب متلفز بعد لقاء مع السفير الروسي، في إشارة سياسية واضحة: التحالفات تُستعرض قبل مخاطبة الداخل.
1) عملية مصممة لتفكيك الدولة: ضرب المركز، قطع المحاور، كسر الرموز
الهجوم الذي وقع فجر 25 أبريل يبدو، من حيث هندسته العسكرية والسياسية، كعملية تهدف إلى تحقيق ثلاثة أهداف متكاملة:
- شلّ القرار السياسي‑العسكري عبر ضرب محيط القيادة في باماكو
- تقطيع الجغرافيا الوطنية بالسيطرة على العقد الطرقية
- تحطيم السردية السيادية للنظام من خلال إسقاط المدن الرمزية
لهذا جاءت الأهداف متجانسة:
- كاتي، قرب باماكو، تمثل القلب العصبي للسلطة العسكرية. ضربها يعني ضرب النظام في ملاذه.
- سيفاري، عقدة المرور الكبرى، تسمح بشطر البلاد وتعطيل الإمدادات.
- غاو وبوريم تشكلان مفاصل إستراتيجية حول نهر النيجر وعصب الحركة شمالاً.
- كِدال ليست مجرد مدينة، بل رمز سياسي. استعادتها عام 2023 رُفِعت كإنجاز مؤسس للشرعية الجديدة. سقوطها السريع هو إذن ضربة سياسية مضاعفة.
2) تحالف «غير متجانس»: أعداء الأمس شركاء اليوم
أخطر ما في التطورات ليس تحرك جماعة مسلحة بحد ذاته، بل إعلان شراكة بين
جماعة نصرة الإسلام والمسلمين (JNIM) المحسوبة على القاعدة، وجبهة تحرير أزواد (FLA)، ممثلي الحركات الطوارقية الانفصالية.
من الناحية الإيديولوجية، الجمع بين مشروع جهادي عابر للحدود ومشروع انفصالي قومي يبدو متناقضاً. لكن التجربة التاريخية تُظهر أن العدو المشترك قادر على تذويب التناقضات مؤقتاً.
العدو هنا هو باماكو ونظامها وتحالفها الروسي.
هذا التحالف لا يعني اندماجاً دائماً، لكنه يكشف حقيقة جوهرية: الدولة المالية لم تعد تملك القدرة الردعية الكافية لمنع تقاطع المصالح بين خصوم أيديولوجيين.
3) قطع الرأس: الخطر الأكبر ليس أرضياً بل مؤسساتي
العملية الأخطر كانت اغتيال وزير الدفاع ساديو كامارا في هجوم انتحاري استهدف مقر إقامته في كاتي.
سياسياً وعسكرياً، الرسالة واضحة:
- اختراق استخباراتي عميق
- قدرة على ضرب أعلى الهرم
- وتعطيل فوري لسلسلة القيادة
في لحظات كهذه، تتفكك الدولة بسرعة:
- قرارات محلية غير منسقة
- انسحابات غير متناسقة
- انهيار المعنويات قبل انهيار الأرض
انسحاب الجيش من موبتي دون قتال حاسم ليس قراراً تكتيكياً فقط، بل مؤشر على التآكل المؤسسي. خط المواجهة يقترب من باماكو، ليس فقط جغرافياً بل سياسياً.
4) العامل الروسي: من داعم إلى عبء
اعتماد باماكو على فيلق إفريقيا (امتداد منظومة فاغنر) كان بديلاً عن الشراكة الغربية السابقة. لكن الأزمة كشفت حدود هذا الخيار:
- قوة محدودة العدد
- أولوية روسية منصرفة إلى جبهات أخرى
- شراكة تفتقد الاندماج الحقيقي في العقيدة الدفاعية المحلية
التصريحات الروسية الداعية إلى “الاستقرار” تخفي تراجعاً ميدانياً مكلفاً سياسياً.
وعندما يفشل “الحليف” في لحظة الاختبار، يتحول من عنصر قوة إلى مصدر هشاشة شرعية.
5) فرنسا: غياب عسكري، قلق استراتيجي دائم
رد باريس جاء محدوداً: بيان تضامن وتحذيرات أمنية لرعاياها.
السبب معروف: العلاقات الثنائية انهارت منذ 2022، والانسحاب العسكري كان نهائياً.
لكن الغياب العسكري لا يعني غياب التأثير:
- ساحل غير مستقر = مخاطر أمنية غير مباشرة
- ملاذات متطرفة
- شبكات تهريب
- وضغط هجرة متصاعد
فرنسا خرجت عسكرياً، لكنها تتأثر استراتيجياً.
6) الجزائر: من الصمت إلى تثبيت العقيدة
بعد أيام من الصمت، خرجت الجزائر بموقف رسمي محسوب.
صرّح وزير الخارجية أحمد عطاف بدعم وحدة مالي، مع رفض قاطع للإرهاب بكل أشكاله، وتأكيد أن هذا الموقف نابع من التجربة الجزائرية المريرة مع الإرهاب.
هذا التصريح يحقق ثلاث غايات:
- نفي أي اتهام بالتواطؤ
- تثبيت العقيدة الجزائرية: سيادة الدول ورفض الإرهاب
- استعادة المبادرة الدبلوماسية دون انفعال
لكن الأهم ليس الخطاب، بل الوقائع.
7) أزمة متراكمة وسياق عدائي سابق
العلاقات الجزائرية‑المالية كانت متوترة قبل الهجوم:
- انتقاد استقبال محمود ديكو
- إلغاء اتفاق الجزائر 2015
- انتقادات في الأمم المتحدة
- إسقاط طائرة مسيّرة مالية
- ثم قرار باماكو دعم الطرح المغربي في قضية الصحراء
في هذا السياق، يرى محللون أن ما يحدث — دون أن يكون من تدبير الجزائر — يتقاطع مع مصالحها الموضوعية:
- إبعاد الخطر عن حدودها
- إخراج المرتزقة الروس من محيطها
- إعادة الاعتبار لمسار سياسي تفاوضي
إشاعات الاتصالات الجزائرية‑الروسية لتسهيل خروج فيلق إفريقيا لم تُؤكد رسميًا، لكنها منسجمة مع التقاليد الدبلوماسية الجزائرية القائمة على القنوات الخلفية.
8) الساحل، «تحالف دوله»، ورهانات الإقليم
الأزمة كشفت هشاشة تحالف دول الساحل (AES): لا دعم فعلياً لباماكو رغم الخطاب السياسي.
هذا يؤكد أن هذه الأنظمة مقيدة بحدود قوتها الذاتية.
في المقابل، تتقاطع الأزمة مع:
- التنافس الجزائري‑المغربي
- موقع واشنطن المتحرك
- الضغط الدولي المتزايد
مالي تحولت إلى ساحة إسقاط إقليمي بامتياز.
9) إلى أين؟ السيطرة على باماكو أم تثبيت الشمال؟
تتزايد فرضية أن الهدف ليس احتلال العاصمة، بل استعادة السيطرة الدائمة على شمال مالي ومنع عودة السلطة المركزية إليه.
سيناريوهان يبرزان:
- بقاء نظام ضعيف محصور
- أو سقوطه وما يرافقه من فراغ خطير
السؤال الجوهري: هل يمكن تحويل نصر عسكري غير متجانس إلى نظام سياسي قابل للحياة؟
الجواب محفوف بالمخاطر.
الخلاصة: نقطة تحول وعودة مركز الثقل الإقليمي
ما يجري في مالي ليس حلقة إضافية في سلسلة الأزمات، بل نقطة تحول.
لقد أظهر:
- هشاشة بنيوية في الدولة
- حدود الرهان الروسي
- انسحاب غربي نهائي
- ضعف التحالفات الإقليمية الوليدة
- وعودة الجزائر كلاعب مركزي بحكم الجغرافيا والخبرة والإطار التفاوضي
في الساحل، القوة الحقيقية ليست دائماً لمن يرفع صوته، بل لمن:
- يفهم الزمن الطويل
- يحمي حدوده
- ويمتلك مفاتيح “اليوم التالي”
وفي هذه المرحلة، تبدو الجزائر — بخطابها العلني وضبطها غير العلني — في موقع من يدير ما بعد العاصفة.
بقلم: بلقاسم مرباح
تعليقات
إرسال تعليق