في لحظة تبدو فيها الجزائر وموريتانيا عازمتين على الارتقاء بعلاقاتهما إلى أفق شراكة استراتيجية شاملة، تبرز مفارقة لافتة تُضعِف زخم هذا المسار: تمسّك نواكشوط بسياسة التوازن في محيط إقليمي يضجّ بتنافسات حادة واختيارات غير محايدة. غير أن لغة الأرقام وسجلّ الوقائع التاريخية يفرضان اليوم مقاربة أكثر صرامة ووضوحًا لطبيعة هذه العلاقات وحدودها الفعلية.
شراكة تُقاس بالالتزامات لا بالشعارات
العلاقة الجزائرية–الموريتانية ليست خطابًا للاستهلاك الدبلوماسي، بل بناءٌ يقوم على استثمارات حقيقية ومشاريع مهيكلة. ويتصدّر هذا المشهد مشروع طريق تندوف–ازويرات، الممتد لنحو 950 كيلومترًا، والمموَّل جزائريًا بمئات ملايين الدولارات، ليغدو شريانًا استراتيجيًا يربط المتوسط بعمق إفريقيا الغربية.
ولا يقتصر هذا المشروع على كونه بنيةً تحتية للنقل، بل يجسّد رؤية جيو-اقتصادية متكاملة تهدف إلى فك العزلة عن موريتانيا، وتنشيط المبادلات التجارية، وخلق بدائل عملية للمسارات التقليدية، بما يفتح آفاقًا جديدة للتكامل الإقليمي.
إلى ذلك، تضخ الجزائر استثمارات معتبرة في قطاع الطاقة عبر مرافقة تقنية شاملة تشمل الاستكشاف والإنتاج ونقل الخبرات، إلى جانب مشاريع الربط الطاقوي. وتمتد الشراكة كذلك إلى المجال الزراعي، في مسعى لتعزيز الأمن الغذائي الموريتاني، ولا سيما في المناطق الهشّة.
وعمومًا، تُمثّل هذه المبادرات التزامًا بمليارات الدولارات — مباشرًا وغير مباشر — في إطار رؤية جزائرية تقوم على التنمية المشتركة والسيادة الاقتصادية، لا على منافع ظرفية سريعة الزوال.
دعم تاريخي حاسم لا يقبل التأويل
لم يكن دور الجزائر يومًا محصورًا في الاستثمار، بل تجلّى أيضًا في مواقف مفصلية من تاريخ الدولة الموريتانية.
ففي عام 1973، دعمت الجزائر بقوة انضمام موريتانيا إلى جامعة الدول العربية في مواجهة الرفض المغربي. وخلال الأزمة الموريتانية–السنغالية في أواخر الثمانينيات، وقفت الجزائر سياسيًا إلى جانب نواكشوط، بينما انحاز المغرب إلى داكار.
اقتصاديًا، ساندت الجزائر قرارات سيادية كبرى، في مقدمتها تأميم مناجم الحديد في ازويرات — العمود الفقري للاقتصاد الموريتاني — وقدّمت دعمًا سياسيًا وتقنيًا عزّز قدرة موريتانيا على التحكم في مواردها الاستراتيجية.
هذه المحطات تؤكد حقيقة ثابتة: في لحظات الاختبار، كانت الجزائر شريكًا موثوقًا وحاضرًا بقوة.
المقاربة المغربية: عبور بلا جذور
في المقابل، تبدو المقاربة المغربية في موريتانيا مختلفة في الجوهر والغاية. فهي تقوم أساسًا على اعتبار موريتانيا ممرًا استراتيجيًا نحو أسواق إفريقيا الغربية.
تمرّ التدفقات التجارية المغربية عبر الأراضي الموريتانية إلى دول مثل مالي والسنغال وساحل العاج، دون أن تقابلها استثمارات مهيكلة تضاهي، حجمًا أو عمقًا، ما تقدمه الجزائر. والغاية المركزية هنا هي النفاذ إلى الأسواق الإفريقية، لا الإسهام في بناء اقتصاد موريتاني متكامل.
وهنا يتجلى الفارق الجوهري: الجزائر تستثمر في البنية التحتية والطاقة والزراعة، بينما يركّز المغرب على منطق تجاري قصير النفس قائم على العبور.
هشاشة سياسة التوازن
إن الغموض، وإن منح هامش مناورة مؤقتًا، يتحوّل على المدى البعيد إلى عامل إرباك للثقة، ويُضعف فعالية أي شراكة استراتيجية يُراد لها أن تكون مستدامة.
لحظة الحقيقة الاستراتيجية
تقف موريتانيا اليوم عند مفترق طرق حاسم. فالتحديات الطاقوية والأمنية والاقتصادية تفرض وضوحًا في الرؤية، واختيارات قائمة على المصالح الاستراتيجية بعيدة المدى.
خاتمة
بــلـــڨـــاســم مربـــاح
تعليقات
إرسال تعليق