التخطي إلى المحتوى الرئيسي

الإمارات العربية المتحدة: خلف واجهة الاستقرار الظاهري، تصدّعات مالية في مركزٍ يرزح تحت الضغط الجيوسياسي

 لطالما قُدِّمت الإمارات العربية المتحدة على أنها واحة للاستقرار الاقتصادي في قلب شرق أوسط مضطرب، غير أن المؤشرات الأخيرة توحي بأن هذا البلد يدخل مرحلة غير مسبوقة من الاضطراب. فبحسب كشفٍ لمجلة Fortune، تناقلته عدة وسائل إعلام أنغلوسكسونية، تواجه أبوظبي ضغوطًا مالية متصاعدة في سياق المواجهة العسكرية الدائرة بين الولايات المتحدة وإسرائيل من جهة، وإيران من جهة أخرى. ورغم الخطاب المطمئن الذي تواصل السلطات الإماراتية اعتماده، تتكاثر إشارات التحذير، كاشفةً عن هشاشة أعمق بكثير مما يبدو للعيان.

مشاورات حساسة في واشنطن

في واشنطن تحديدًا، بدأت أولى ملامح القلق بالظهور علنًا. فخلال اجتماعات عُقدت الأسبوع الماضي، طرح محافظ مصرف الإمارات المركزي، خالد محمد بالعمى، إمكانية إنشاء خط مبادلة عملات مع الاحتياطي الفيدرالي الأمريكي، بالتنسيق مع وزارة الخزانة الأمريكية. وكان من بين الحاضرين، على وجه الخصوص، وزير الخزانة الأمريكي سكوت بيسنت.

ويُعد هذا النوع من الآليات نادر الاستخدام من قبل دول تُصنِّف نفسها كقوى مالية مستقرة، إذ يتيح للإمارات الوصول السريع إلى سيولة بالدولار. غير أن مجرّد التفكير في هذا الخيار يكشف عن هاجس بالغ الخطورة: فتوفر الدولار، وهو شريان الحياة لاقتصاد مندمج بعمق في المنظومة المالية العالمية، بات أكثر هشاشة في ظل الصراع الإقليمي القائم.

وبحسب وول ستريت جورنال، لم تُقدَّم بعد أي طلبات رسمية. غير أن هذه الاتصالات غير المعلَنة تعكس توترًا ملموسًا في أعلى هرم الدولة الإماراتية، بعيدًا كل البعد عن صورة الهدوء والثقة التي تسعى البلاد إلى تسويقها دوليًا.

الحرب كعامل تفكيك بنيوي

لا يُمثّل النزاع الجاري صدمة عسكرية فحسب، بل يشكّل تهديدًا مباشرًا لـ النموذج الاقتصادي الإماراتي، القائم على حرية حركة رؤوس الأموال، وثقة المستثمرين، ودور الإمارات كمركز لوجستي ومالي وطاقوي. وفي بيئة باتت تُعتبر متقلبة بشكل متزايد، يبرز خطر هروب رؤوس الأموال كاحتمال واقعي، إلى جانب خطر تآكل تدريجي في احتياطات النقد الأجنبي.

وتزداد خطورة هذا الوضع بالنظر إلى أن الإمارات، خلافًا للقوى الاقتصادية الكبرى، تعتمد اعتمادًا كبيرًا على تدفقات مستمرة من العملات الأجنبية للحفاظ على استقرار نظامها المصرفي وعملتها وجاذبيتها المالية.

الصدمة الطاقوية: خاصرة اقتصاد ريعي

يبدو قطاع الطاقة، الركيزة التاريخية للاقتصاد الإماراتي، من أكثر القطاعات تضررًا. فبحسب المعطيات المتداولة، تعرّضت البنية التحتية لأضرار كبيرة، في حين تعطّلت صادرات النفط بشكل حاد نتيجة شلل مضيق هرمز، الشريان الحيوي الذي تعبر منه نسبة معتبرة من صادرات الهيدروكربونات العالمية.

ويمثل هذا الوضع صدمتين متلازمتين: الأولى، تراجع حاد في العائدات النفطية المقومة بالدولار؛ والثانية، ضربة لسمعة الإمارات كمورّد طاقة موثوق. وبالنسبة لاقتصاد ريعي يعتمد على التصدير، فإن خسارة هذه التدفقات بالعملات الصعبة تُعد عاملًا رئيسيًا في زعزعة الاستقرار، وتفاقم الضغوط المالية الداخلية.

واقع عسكري تحاول الرواية الرسمية تلميعه

في مقابلة مع شبكة ABC الأمريكية، كشفت وزيرة الدولة للتعاون الدولي، ريم الهاشمي، جانبًا من الحقيقة الميدانية للنزاع. فقد أكدت أن الإمارات تعرّضت لأكثر من 2800 صاروخ وطائرة مسيّرة منذ اندلاع المواجهات في 28 فبراير.

وتتعارض هذه التصريحات بشكل صريح مع الخط التحريري السائد لدى عدد من وسائل إعلام الخليج، التي تسعى إلى التقليل من الخسائر ومن حجم التداعيات التي طالت دول مجلس التعاون الخليجي. وبحسب هذه القراءة البديلة، فإن الرد الإيراني على الضربات الأمريكية‑الإسرائيلية، المنطلقة من قواعد عسكرية منتشرة على أراضي دول عربية حليفة لواشنطن، كان أوسع نطاقًا وأكثر زعزعة للاستقرار مما توحي به الرواية الرسمية.

هل نتجه نحو طلب دعم مالي خارجي؟

رغم مظاهر الصمود التي تحرص السلطات الإماراتية على إبرازها، ورغم الاحتياطيات المالية التي تبدو كبيرة نظريًا، قد تجد الإمارات العربية المتحدة نفسها، على المدى المتوسط، مضطرة إلى طلب دعم مالي خارجي. وسيشكّل هذا السيناريو منعطفًا استراتيجيًا ورمزيًا بالغ الدلالة لدولة طالما قُدّمت نموذجًا للنجاح الاقتصادي والاستقرار في العالم العربي.

كما سيكشف، قبل كل شيء، عن الهشاشة البنيوية لدولة تقوم ازدهارها على توازن دقيق بين الأمن الإقليمي، والثقة الدولية، واستمرارية تدفقات الطاقة والمال. وما إن يختل أحد هذه الأعمدة، حتى يصبح البناء برمّته مكشوفًا.

سراب الاستقرار

تسلّط التطورات الراهنة الضوء على حقيقة طال تجاهلها: فالاستقرار الاقتصادي للإمارات العربية المتحدة ليس معطًى ثابتًا، بل نتيجة توازن جيوسياسي هش. وقد جاء تصاعد الصراع الإقليمي ليؤدي دور الكاشف، مبرزًا حدود نموذج يعتمد، خلف أبراجه الزجاجية ومراكزه المالية اللامعة، اعتمادًا عميقًا على عوامل خارجية.

في هذا السياق، تبدو صورة “قلعة الاستقرار الأبدي” أقرب فأقرب إلى سراب، يخفي تصدعات كشفتها الحرب بوحشية.



بقلم: بلقاسم مرباح


تعليقات

المشاركات الشائعة من هذه المدونة

رسالة مفتوحة إلى رئيس الجمهورية السيد عبد المجيد تبون

سيدي الرئيس، أتمنى أن تصلكم هذه الرسالة و أنتم بصحة جيدة. أكتب إليكم اليوم بقلب مثقل لأعبر عن قلقي العميق واستيائي لوجود أكثر من 1.2 مليون مغربي في أرض الجزائر الطاهرة. كمواطن مسؤول ومعني ، أشعر أنه من واجبي أن أوجه انتباهكم إلى هذا الأمر. أود أولاً أن ألفت انتباهكم إلى الروابط بين أجهزة المخابرات الإسرائيلية والمغرب. لقد تم الكشف أن الموساد يجند بشكل كبير في الجالية المغربية في فرنسا. هل لدينا ضمانة أن الكيان الصهيوني لا يفعل الشيء نفسه في الجزائر؟ هذه القضية مصدر كرب وإحباط لمواطني بلادنا الذين يفقدون الأمل في التمثيلية الوطنية التي يفترض أن تدافع عن المصلحة العليا للوطن. لماذا يجب أن نبقي على أرضنا رعايا دولة معادية؟ لماذا لا نعيد هؤلاء إلى وطنهم لتفاقم الأزمة الاجتماعية والاقتصادية لبلد يتآمر ضد مصالحنا ويغرق بلدنا بأطنان من المخدرات؟ لماذا يجب أن نتسامح مع وجود اليوتيوبرز المغاربة في الجزائر الذين يسخرون يوميا من الشعب الجزائري؟ نعتقد أن الجزائر يجب أن تقطع العلاقات القنصلية مع المغرب في أسرع وقت ممكن ، لأن الغالبية العظمى من الشعب المغربي يشتركون في نفس الأطروحات التوسعية مثل ن...

17 أكتوبر 1961 — يومٌ كتب الجزائريون فيه بالدم معنى الكرامة

في مساءٍ باردٍ من أمسيات باريس، خرج أبناء الجزائر، حفاةَ القلب لكن شامخي الرأس، يحملون راية الوطن في صمتٍ مهيب، يهتفون للحياة والحرية والكرامة. لكن المستعمر الذي ضاق بصوت الحق، أطلق رصاصه على الجموع، فاهتزّت ضفاف السين بدمٍ طاهرٍ عربيٍّ أمازيغيٍّ جزائريٍّ لا يُنسى. سقطوا شهداء، لا في ساحات الوطن، بل في قلب عاصمةٍ ادّعت الحضارة، لتغسل بدمائهم وجهها الملطّخ بالنفاق. سقطوا وهم يرددون في سرّهم: تحيا الجزائر… ولن تموت. يا من أُلقيتم في نهر السين كأنكم أرقام، أنتم في قلوبنا رايات. أنتم النور الذي لا ينطفئ في ذاكرة الجزائر، أنتم الجسر بين المنفى والوطن، بين الألم والنصر. دماؤكم كانت الوضوء الذي طهّر تراب الاستقلال، وصراخكم في ليل باريس كان الأذان الأول لحرية الجزائر. سبعة عشر أكتوبر لم يكن يوماً من التقويم، بل صفحةً من البطولة، وشاهداً على أن الجزائري لا يركع إلا لله. ومن باريس إلى الجزائر، ظلّ النداء واحداً: لن ننسى… ولن نغفر… وسنبقى أوفياء لدم الشهداء. المجد والخلود لشهداء 17 أكتوبر 1961، ولتحيا الجزائر حرةً أبيةً، كما أرادوها. ✍️ بلقاسم مرباح وطني جزائري، حرّ في قلمه كما في مواقفه. العريضة...

لماذا الحديث عن "اتفاقية سلام" بين الجزائر والمغرب في حين لا توجد حرب؟

الإعلان الأخير بأن ستيف ويتكوف، المبعوث الخاص الأمريكي المعيَّن من قبل دونالد ترامب، يسعى إلى “إنهاء الأزمة الدبلوماسية بين الجزائر والمغرب” أثار العديد من ردود الفعل والتساؤلات. ووفقًا لتصريحاته، يأمل في التوصل إلى «اتفاق سلام» بين البلدين خلال الشهرين المقبلين، مؤكّدًا في الوقت نفسه أنه يعمل بالتوازي على مفاوضات بين إيران والولايات المتحدة. لكن هذه العبارة — «اتفاق سلام» — تطرح سؤالًا جوهريًا: عن أي حرب نتحدث؟ قراءة خاطئة للوضع الجزائر والمغرب ليسا في حالة حرب. لا يوجد نزاع مسلح ولا مواجهة مباشرة بين الدولتين. ما يفصل بينهما هو أزمة سياسية عميقة، ناتجة عن مواقف متناقضة حول قضايا السيادة والأمن الإقليمي والاحترام المتبادل. اختزال هذه الحقيقة المعقدة في مجرد “خلاف” يمكن تسويته بوساطة ظرفية يعكس إما سوء فهم لطبيعة النزاع، أو محاولة متعمدة لوضع البلدين على قدم المساواة أخلاقيًا ودبلوماسيًا، وهو ما ترفضه الجزائر رفضًا قاطعًا. الموقف الجزائري واضح وثابت شروط أي تطبيع مع المغرب معروفة، وقد جرى التأكيد عليها بقوة من قبل وزير الخارجية رمطان لعمامرة عند إعلان قطع العلاقات الدبلوماسية في 24 أغس...