إن عودة طرح فكرة وجود برنامج نووي عسكري جزائري في بعض الخطابات المعاصرة لا تُعدّ ظاهرة جديدة، بل هي امتداد لسياق تاريخي يعود إلى بداية تسعينيات القرن الماضي، حيث جرى توظيف الملف النووي ضمن إطار التنافسات الاستراتيجية في شمال إفريقيا. ويسمح تحليل هذه المرحلة بفهم آليات “بناء التهديدات” ودور المؤسسات الدولية في ضبطها وتحييدها.
سياق دولي مُهيأ لسياسات الاشتباه
اتسمت مرحلة ما بعد الحرب الباردة بارتفاع كبير في الحساسية الدولية تجاه قضايا الانتشار النووي. وقد أدى الكشف عن برنامج العراق بعد حرب الخليج إلى إعادة تشكيل عميقة في مقاربات الدول الغربية، وتعزيز منطق الاشتباه تجاه أي برنامج نووي خارج إطار الشفافية الكاملة، حتى وإن كان معلنًا لأغراض سلمية.
في هذا السياق، أُثيرت في المغرب بعض المخاوف بشأن طبيعة البرنامج النووي الجزائري، خاصة فيما يتعلق بمفاعل أبحاث عين وسارة (السلام). واستندت هذه الطروحات إلى فكرة “الازدواجية التقنية”، أي إمكانية استخدام البنية التحتية النووية المدنية كأساس محتمل لأغراض عسكرية.
تدويل الملف ودور الوكالة الدولية للطاقة الذرية
في مواجهة هذه الاتهامات، اعتمدت الجزائر تدريجيًا مقاربة قائمة على الانفتاح والتعاون مع آليات الرقابة الدولية. وقد شكل التعاون مع الوكالة الدولية للطاقة الذرية (AIEA) محور هذه الاستراتيجية.
وقد أظهرت عمليات التفتيش التي أجرتها الوكالة خلال تسعينيات القرن الماضي أن الأنشطة النووية الجزائرية ذات طابع سلمي بحت، وتُستخدم أساسًا في مجالات البحث العلمي والطب والتكوين، دون أي مؤشرات على انحراف نحو الاستخدام العسكري.
كما شكّل انضمام الجزائر سنة 1995 إلى معاهدة عدم انتشار الأسلحة النووية (TNP) خطوة حاسمة، إذ التزمت بموجبها بعدم تطوير أسلحة نووية وإخضاع جميع أنشطتها النووية لنظام التحقق الدولي. وقد أكدت تقارير الوكالة اللاحقة امتثال الجزائر الكامل لهذا الإطار.
قراءة بنائية للاتهامات
من منظور نظري، يمكن فهم هذه الاتهامات في إطار المقاربات البنائية في العلاقات الدولية، التي تركز على دور الخطاب والتصورات في تشكيل “التهديدات”. فالمسألة النووية الجزائرية لم تُبنَ بالضرورة على أدلة مادية مثبتة، بل على سرديات سياسية وإستراتيجية مرتبطة بالتنافس الإقليمي.
وبالتالي، يمكن اعتبار الطروحات التي رُوّجت في تسعينيات القرن الماضي محاولة لإدراج الجزائر ضمن فئة “الدول المثيرة للقلق النووي”، بما يسمح بتوجيه انتباه القوى الغربية نحوها في سياق حساس دوليًا لقضايا الانتشار.
حدود الخطاب الاتهامي
غير أن هذه المقاربة واجهت حدودًا واضحة. فمن جهة، لم تُدعَم هذه الادعاءات بأدلة تقنية قابلة للتحقق. ومن جهة أخرى، فإن وجود آلية دولية مستقلة وذات مصداقية، ممثلة في الوكالة الدولية للطاقة الذرية، سمح بحسم الجدل على أساس علمي وتقني.
كما أن انخراط الجزائر في نظام التفتيش الدولي عزز من مصداقيتها، وساهم في إزالة الشكوك بشكل تدريجي، ليُصبح برنامجها النووي معترفًا به دوليًا باعتباره برنامجًا سلميًا بالكامل.
إعادة تدوير السرديات في الحاضر
إن عودة هذه الاتهامات في الخطاب المعاصر يمكن قراءتها باعتبارها شكلًا من “إعادة تدوير السرديات السياسية”، في سياق استمرار التنافس الإقليمي بين الجزائر والمغرب، وصعوبة إنتاج خطاب جديد قادر على مواكبة التحولات الجيوسياسية الراهنة.
غير أن فعالية هذا النوع من الطروحات تبقى محدودة، نظرًا لكون الوقائع قد حُسمت بالفعل على المستوى الدولي، ولأن المؤسسات المختصة قد أصدرت تقييماتها التقنية النهائية.
خاتمة
يكشف هذا الملف عن تداخل معقد بين السياسة والمعرفة في العلاقات الدولية، حيث تلعب التصورات دورًا لا يقل أهمية عن المعطيات المادية في تشكيل “التهديدات”. كما يبرز الدور الحاسم للمؤسسات الدولية في تحويل النزاعات السياسية إلى قضايا قابلة للضبط التقني.
وفي الحالة الجزائرية، يتضح أن الانخراط في منظومة الشفافية الدولية كان عاملًا حاسمًا في تفكيك الاتهامات، وإعادة تأطير البرنامج النووي ضمن طابعه المدني الصرف، بعيدًا عن منطق التسييس والمنافسة الإقليمية.
بقلم: بلقاسم مرباح
تعليقات
إرسال تعليق