قبل عام… كنتُ أنا من أطلق التحذير: حين كان التضليل يُسكَب قطرةً قطرة
قبل عامٍ كامل، كنتُ أنا من دقّ ناقوس الخطر. أطلقتُ التحذير بوضوح، وبأعلى ما تسمح به المسؤولية الوطنية من صراحة، لا بحثًا عن الجدل، ولا سعيًا وراء الظهور، ولا تصفيةً لحسابات شخصية. كان الدافع واحدًا لا ثاني له: التنبيه إلى تهديد حقيقي يتسلّل تحت الجلد… تهديد لا يأتي في صورة كذبة صاخبة تفضح نفسها بنفسها، بل يأتي بوجهٍ ناعم، وبـ جرعاتٍ محسوبة، وبـ “أخطاء صغيرة” تبدو بريئة… إلى أن تتحول إلى عادة، ثم إلى مرجع، ثم إلى سُلطة.
إنه التضليل الناعم: ذلك النوع الذي لا يقتحم الوعي بعنف، بل ينساب إلى داخله بهدوء. قطرة بعد قطرة. فكرة بعد فكرة. حتى يصبح مألوفًا… ثم مقبولًا… ثم غير مرئي.
لكن الرد يومها لم يكن في مستوى التحذير ولا في مستوى الخطر. لم أجد نقاشًا جادًا، ولا تفنيدًا منطقيًا، ولا مراجعةً للمصادر. وجدتُ شيئًا آخر: ردًا عاطفيًا خالصًا—شتائم، اتهامات، ومحاولات تشويه. وكأن المطالبة بالدليل أصبحت جريمة، وكأن مساءلة “المؤثر” خروجٌ عن الصف، وكأن النقد الوطني تحوّل فجأة إلى “حقد” و“غيرة”.
حالة بدر العیدودي: ملف لا يُفهم بالتصريحات وحدها
لا يمكن فهم ظاهرة بدر لعيدودي من خلال ما يقوله فقط، بل عبر قراءة سياقه، ومساره، وتناقضات خطابه، والطريقة التي بُنيت بها صورته داخل الفضاء الجزائري.
منذ البداية، قُدِّم الرجل في هيئة “معارض” للنظام المغربي. لكن ما يفرض نفسه كعلامة استفهام كبرى ليس اللقب، بل الكلفة—أو بالأحرى: غيابها. في بيئات سياسية معروفة بحساسيتها تجاه المعارضة، غالبًا ما تكون المعارضة الحقيقية ثمنها باهظ: تضييق، تشويه، تضييق على العائلة، أو على الأقلّ تعطيل وابتزاز. ومع ذلك، يظهر هنا نموذجٌ يقدّم نفسه كمعارض يوميّ الحضور… دون أن يبدو أن محيطه يتعرض لضغطٍ يوازي ادعاءاته.
في زمن الاختراقات، كل استثناء غير مُفسَّر يفرض الحذر، لا التصفيق.
البليدة (13 أفريل 2026): من السرد إلى الاختفاء… ومن “الخبر” إلى الأثر
ما حدث يوم 13 أفريل 2026 ليس تفصيلًا هامشيًا، بل لحظة كاشفة.
بث مباشر دام ساعة كاملة عن “هجوم” مزعوم في البليدة: سرد مطوّل، شحن عاطفي، بناء قصة كاملة العناصر—ثم… حذف.
إنها ليست مجرد “زلة” تُغتفر بسهولة. لأن “الزلة” لا تُقاس بنيّة صاحبها، بل بحجم ما تُخلّفه من أثر. والساعة الواحدة في فضاء التأثير ليست كلامًا عابرًا؛ إنها ضخّ سردي كامل في وعي جمهور واسع.
التضليل الدقيق: ليس خطأ عابرًا… بل نمط متكرر
هنا بيت القصيد: ما نراه ليس خطأً يتيمًا، بل نمطًا.
النمط غالبًا يسير هكذا:
- بناء تدريجي للمصداقية.
- خطاب يبدو متعاطفًا مع الجزائر.
- كسب الثقة عبر نبرة “قريبة” و“ودية”.
- ثم تمرير معلومات حساسة غير مؤكدة، أو روايات مثيرة للبلبلة.
- وعند الانكشاف: حذف، تراجع صامت، أو إعادة صياغة دون تحمّل مسؤولية واضحة.
فخ الألفة: حين يتحول الجمهور إلى وسيط في نشر الإشاعة
البليدة كنقطة تقاطع: إشاعة + تضخيم + انسحاب
حادثة 13 أفريل تكشف ثلاث حقائق لا يمكن تجاهلها:
- الإشاعة يمكن أن تُصنع في الزمن الحقيقي.
- الجمهور قادر على تحويلها إلى “حقيقة متداولة” خلال دقائق.
- الحذف لا يمحو الأثر… بل يتركه يعمل كسمٍّ مؤجل.
مؤشرات متقاطعة… نموذج مقلق
عند جمع العناصر، تتشكل صورة ذات “إشارات حمراء” واضحة:
- معارضة بلا كلفة واضحة.
- محيط غير متأثر بما يُفترض أنه “صدام سياسي”.
- جمهور جزائري صُنع بعناية واحتضان.
- نشر معلومات حساسة دون تحقق كافٍ.
- تراجع أو اختفاء دون محاسبة أو توضيح صريح.
مرة أخرى: هذه ليست “أدلة قضائية”. لكنها، بلا جدال، مؤشرات خطر معلوماتي مرتفع.
حرب من نوع جديد: الصديق الذي يتكلم بلسان العدو
- الخصم قد يتحدث بلسان الصديق.
- المصداقية تسبق التلاعب.
- العاطفة تتغلب على التحقق.
- والضجيج يحل محل الحقيقة.
في هذا السياق، السذاجة ليست مجرد ضعف… إنها ثغرة استراتيجية.
ما العمل؟ نحو انضباط معلوماتي… لا انفعال
الحل ليس الهستيريا، ولا الفوضى، ولا عبادة “الترند”. الحل هو الانضباط.
أولًا: للجمهور
- لا تشارك معلومات حساسة دون تحقق.
- اطلب مصدرًا واضحًا، وتاريخًا، وقرائن.
- احذر من العبارات الرمادية: “وصلني”، “قالوا لي”، “مصدر خاص”.
ثانيًا: لصنّاع المحتوى
- ميّز بوضوح بين الخبر والرأي والتحليل.
- صحح علنًا وبوضوح، لا عبر حذف صامت.
- لا تتعامل مع الأمن الوطني كـ “مادة للمحتوى”.
ثالثًا: للفضاء العام
- كفّ عن تقديس الترند.
- أعِد الاعتبار للمصداقية لا للشهرة.
- افهم أن الجمهور قوة… ويمكن أن يصبح نقطة ضعف إذا فقد مناعته النقدية.
الخاتمة: السيادة تبدأ من الوعي… وأنا أطلقت التحذير منذ عام لأنني رأيت الخطر مبكرًا
ما حدث في 13 أفريل ليس حادثة عابرة. إنه دليل على أن غياب اليقظة يسمح لأي سردية بأن تتسلل إلى الوعي العام وتعبث به.
والنضج يبدأ من هنا:
- لا تدافع عن الأشخاص… دافع عن الحقيقة.
- لا تثق دون تحقق… فالثقة العمياء باب الاختراق.
- لا تخلط بين القرب العاطفي والمصداقية… فالألفة قد تكون فخًا.
بقلم: بلقاسم مرباح
تعليقات
إرسال تعليق