1) التغريدة الأمريكية: تذكير دبلوماسي يستند إلى الأرشيف
نقطة الانطلاق واضحة تمامًا: تذكير بسنة 1795 وبالمعاهدة الموقَّعة في الجزائر. وهذه المعاهدة متاحة في مستودعات أكاديمية ورسمية، من بينها Avalon Project (جامعة ييل) الذي ينشر النص الكامل لمعاهدة السلام والصداقة الموقَّعة في الجزائر يوم 5 سبتمبر 1795. كما نجدها أيضًا في الأرشيفات الحكومية الأمريكية (GovInfo) ضمن مجموعات المعاهدات.
وهذا يعني أمرًا بسيطًا: تذكير السفارة ليس رأيًا، بل هو تسلسل زمني مؤسسي وموثّق.
2) ردود الفعل الإنكارية: «الجزائر لم تكن موجودة»، إذن الأرشيف «مزوّر»؟
أمام وثيقة تاريخية، لم يحاول البعض مناقشة السياق التاريخي، ولا حتى الطعن في نص المعاهدة نفسها (وهو أمر بالغ الصعوبة أصلًا). بل اختاروا طريقًا آخر: مهاجمة مفهوم الجزائر ذاته، وكأن التاريخ يُختزل في شهادة ميلاد إدارية مؤرخة بسنة 1962.
وهنا تكمن الحيلة البلاغية بالضبط: الخلط المتعمّد بين الدولة‑الأمة الحديثة والكيان السياسي التاريخي. ففي سنة 1795، نتحدث عن إيالة الجزائر، وهي مركز سلطة يملك إدارة، ونظامًا ضريبيًا، وأسطولًا بحريًا، والأهم قدرة على التفاوض الدولي — وهي قدرة تؤكدها الوثائق الدبلوماسية الأمريكية نفسها، التي تصف إيالة الجزائر كـ دولة ذات سيادة.
لذلك، لا يمكن شطب معاهدة بشعار، ولا يختفي وجود معاهدة موقَّعة في الجزائر لأن حسابات على X قررت ذلك.
3) «كانت مستعمرة عثمانية»: صيغة مريحة… لكنها تاريخيًا مهترئة
حجة أخرى تتكرر: «الجزائر كانت مستعمرة عثمانية». وهنا أيضًا، التفصيل حاسم. فوزارة الخارجية الأمريكية تقول عكس هذه الصورة الكاريكاتورية: تبعية اسمية فقط، مع استقلال فعلي في إدارة الشؤون الخارجية.
وتضعنا الكرونولوجيا أمام مأزق حقيقي لهذا الإنكار. إذ إن الاعتراف المتبادل وإقامة العلاقات الرسمية بين الولايات المتحدة والإمبراطورية العثمانية يعودان إلى حدود 1830–1831 حسب المعطيات الأمريكية الرسمية المتعلقة بتركيا (الإمبراطورية العثمانية).
4) ما الذي تكشفه هذه الضجة فعلًا؟ هوس محو الجزائر من المشهد التاريخي
هذه العاصفة الرقمية ليست سجالًا أكاديميًا. إنها عارضٌ مرضي: الجزائر تُربك حين تظهر في تاريخ العالم، لا كـ «أرض مُنشأة»، بل كفاعل قديم، معترف به، وموثّق.
هذا السلوك ليس جديدًا. فهو يذكّر — من بعض الوجوه — بالآلية الاستعمارية القديمة: لتبرير الهيمنة، يبدأ الأمر بإنكار الكيان السياسي السابق. وقد بيّنت الدراسات حول المخيال الاستعماري الفرنسي كيف أنتج الخطاب الاستعماري «أساطير» تبرّر الغزو والسيطرة، عبر تقديم البلد المُستعمر ككيان ناقص أو «بلا تاريخ».
الاختلاف اليوم هو أن الهدف لم يعد استعمارًا مباشرًا، بل كسب معركة رمزية: إقناع الرأي العام بأن الجزائر مجرد ظهور حديث، لكي تُجرَّد من عمقها التاريخي في الفضاءين المغاربي والمتوسطي. غير أن الوثيقة تقاوم: المعاهدات موجودة، الأرشيف موجود، وحتى المؤسسات الأمريكية تذكّر بذلك كتابةً لا لبس فيها.
5) جوهر الفضيحة: حين يصبح التذكير بالتاريخ أمرًا غير محتمل
الخلاصة: الجزائر لا تحتاج إلى من «يعيد بناءها» — لديها الأرشيف، والأدلة، والاستمرارية التاريخية
في العمق، تكشف هذه الحلقة حقيقة واحدة: عندما تعود الجزائر للظهور في الأرشيفات الدولية، يصاب بعضهم بالهلع. لا يردون بالتاريخ، بل بالإنكار. لا يردون بالمصادر، بل بالشعارات.
والحال أن الدبلوماسية ليست إشاعة، بل سجلًّا. وهذا السجل يقول إن معاهدة وُقعت في الجزائر سنة 1795؛ وأن الولايات المتحدة أرشفتها؛ وأن تأريخها المؤسسي يعتبرها فعل اعتراف.
بقلم: بلقاسم مرباح

تعليقات
إرسال تعليق