التخطي إلى المحتوى الرئيسي

الولايات المتحدة، إيران وأوروبا: الرفض الفرنسي على محكّ تحوّل استراتيجي عالمي

إن رفض فرنسا الاصطفاف مع منطق الانخراط العسكري طويل الأمد ضد إيران لا يعود لا إلى الغموض ولا إلى التردد. بل يندرج ضمن سياق جيوسياسي أوسع بكثير، يتسم بإعادة تشكيل عميقة لموازين القوى، وتنامي حالة عدم اليقين بشأن الموقف الأميركي، وارتفاع المخاطر البنيوية على الصعيد العالمي.

تتيح ثلاثة عناصر حديثة فهماً أدقّ للموقف الفرنسي، بل والأوروبي بصورة أوسع.

1. الإشارات المتناقضة الصادرة من واشنطن: تحالف غربيّ هشّ

منذ عدة أشهر، لم يُخفِ دونالد ترامب تشكيكه في جدوى التحالفات المتعددة الأطراف التقليدية. وتعود مسألة خروج الولايات المتحدة من حلف شمال الأطلسي، أو على الأقل انسحابٍ استراتيجي كبير، بشكل متكرر في خطابه السياسي. وهذه الإشارة ليست هامشية، إذ إنها تطعن في مبدأ التضامن التلقائي نفسه الذي يقوم عليه الأمن الأوروبي‑الأطلسي منذ عام 1949.

وبالنسبة للأوروبيين، يفرِز هذا الافتراض معادلة خطِرة:

  • إما الاصطفاف خلف استراتيجية أميركية قصيرة الأمد دون ضمانات على المدى الطويل،
  • أو الحفاظ على استقلالية استراتيجية في بيئة باتت غير مستقرة.

ولا تستطيع فرنسا، بحكم ارتباطها التاريخي بالسيادة الاستراتيجية واستقلال القرار، تجاهل هذا العامل. فالانخراط في نزاع كبير في الشرق الأوسط مع العلم بأن المظلّة الأميركية قد تُسحب في أي لحظة، سيكون خطأً استراتيجياً جسيماً.

2. الخطاب المرتقب في البيت الأبيض: انسحاب أم تصعيد، ولكن لا حرب طويلة

يُنظر إلى الخطاب الذي سيُلقيه رئيس الولايات المتحدة هذا المساء، والذي جرى الترويج له على نطاق واسع، على أنه لحظة توضيح استراتيجي. وتشير المؤشرات المتاحة إلى أن واشنطن لا ترغب في الغرق في سيناريو حرب طويلة الأمد، مكلفة سياسياً واقتصادياً وعسكرياً.

وفي هذا الإطار، تبدو سيناريوهان فقط قابلين للتصور حالياً:

  • الانسحاب، بصيغة ما، بهدف احتواء النزاع وإعادة تركيز الأولويات الاستراتيجية الأميركية.
  • التصعيد السريع، المحدود والمكثف، الهادف إلى إعادة رسم ميزان القوى دون التزام عسكري طويل الأمد.

إن هذا الرفض الصريح لفكرة الحرب الطويلة بالغ الأهمية. فهو يعني أن الحلفاء الأوروبيين لا يمكنهم بناء استراتيجيتهم على فرضية التزام أميركي ممتد، بنيوي ومستقر. وهنا أيضاً، يظهر الحذر الفرنسي بوصفه قراءة واقعية للنوايا الأميركية أكثر منه تردّداً دبلوماسياً.

3. الموقف الفرنسي: تفادي انفجار شامل في عالم متحوّل

ينبع الموقف الفرنسي منطقياً من هذين العنصرين. فباريس تسعى قبل كل شيء إلى تفادي مسار تصعيدي غير قابل للسيطرة، ستكون تبعاته أوسع بكثير من الإطار الإيراني.

إن أي نزاع مباشر أو غير مباشر طويل الأمد مع إيران سيؤدي آلياً إلى:

  • تشابك روسي، حيث ترى موسكو في إضعاف الحضور الغربي في الشرق الأوسط فرصة استراتيجية،
  • تورط صيني غير مباشر، نظراً للمصالح الكبرى التي تربط بكين بإيران، سواء على المستوى الطاقوي أو الاستراتيجي،
  • زيادة تفكك النظام الدولي، المثقل أصلاً بالحرب في أوكرانيا، وأزمة تايوان، والتصعيد المتنامي للعسكرة في المبادلات الاقتصادية.

وفي عالم يشهد تحوّلاً جيوسياسياً كاملاً، حيث تُعاد صياغة التكتلات وتصبح الخطوط الحمراء ضبابية، تعطي فرنسا الأولوية لمقاربة تقوم على خفض مدروس للتصعيد، والمحافظة على القنوات الدبلوماسية، ورفض آليات الانخراط العسكري التلقائي.

هذا الموقف ليس مؤيداً لإيران ولا معادياً للولايات المتحدة. إنه في جوهره موقف بنيوي: منع تحوّل الشرق الأوسط إلى نقطة التقاء انفجارية بين المحور الغربي وكتلة روسيا‑الصين‑إيران.

خاتمة: الواقعية الاستراتيجية بدلاً من الاصطفاف الأعمى

يكتسب الرفض الفرنسي كامل دلالته في ضوء هذه المعطيات الجديدة:

  • حلف أطلسي مُضعَف بفعل الضبابية الأميركية،
  • واشنطن مترددة بين الانسحاب والتصعيد،
  • نظام دولي متعدد الأقطاب يعيش حالة توتر قصوى.

في هذا السياق، لا تسعى فرنسا إلى تعطيل حركة التاريخ، بل إلى منعها من الانفلات. وبعيداً عن المواقف الإيديولوجية أو ردود الفعل القائمة على الاصطفاف، تعتمد باريس قراءة باردة لتوازنات القوى: فالمسؤولية الاستراتيجية الحقيقية اليوم لا تكمن في توجيه الضربات، بقدر ما تكمن في تفادي ما لا يمكن التراجع عنه.



بــلـــڨـــاســم مربـــاح



تعليقات

المشاركات الشائعة من هذه المدونة

رسالة مفتوحة إلى رئيس الجمهورية السيد عبد المجيد تبون

سيدي الرئيس، أتمنى أن تصلكم هذه الرسالة و أنتم بصحة جيدة. أكتب إليكم اليوم بقلب مثقل لأعبر عن قلقي العميق واستيائي لوجود أكثر من 1.2 مليون مغربي في أرض الجزائر الطاهرة. كمواطن مسؤول ومعني ، أشعر أنه من واجبي أن أوجه انتباهكم إلى هذا الأمر. أود أولاً أن ألفت انتباهكم إلى الروابط بين أجهزة المخابرات الإسرائيلية والمغرب. لقد تم الكشف أن الموساد يجند بشكل كبير في الجالية المغربية في فرنسا. هل لدينا ضمانة أن الكيان الصهيوني لا يفعل الشيء نفسه في الجزائر؟ هذه القضية مصدر كرب وإحباط لمواطني بلادنا الذين يفقدون الأمل في التمثيلية الوطنية التي يفترض أن تدافع عن المصلحة العليا للوطن. لماذا يجب أن نبقي على أرضنا رعايا دولة معادية؟ لماذا لا نعيد هؤلاء إلى وطنهم لتفاقم الأزمة الاجتماعية والاقتصادية لبلد يتآمر ضد مصالحنا ويغرق بلدنا بأطنان من المخدرات؟ لماذا يجب أن نتسامح مع وجود اليوتيوبرز المغاربة في الجزائر الذين يسخرون يوميا من الشعب الجزائري؟ نعتقد أن الجزائر يجب أن تقطع العلاقات القنصلية مع المغرب في أسرع وقت ممكن ، لأن الغالبية العظمى من الشعب المغربي يشتركون في نفس الأطروحات التوسعية مثل ن...

17 أكتوبر 1961 — يومٌ كتب الجزائريون فيه بالدم معنى الكرامة

في مساءٍ باردٍ من أمسيات باريس، خرج أبناء الجزائر، حفاةَ القلب لكن شامخي الرأس، يحملون راية الوطن في صمتٍ مهيب، يهتفون للحياة والحرية والكرامة. لكن المستعمر الذي ضاق بصوت الحق، أطلق رصاصه على الجموع، فاهتزّت ضفاف السين بدمٍ طاهرٍ عربيٍّ أمازيغيٍّ جزائريٍّ لا يُنسى. سقطوا شهداء، لا في ساحات الوطن، بل في قلب عاصمةٍ ادّعت الحضارة، لتغسل بدمائهم وجهها الملطّخ بالنفاق. سقطوا وهم يرددون في سرّهم: تحيا الجزائر… ولن تموت. يا من أُلقيتم في نهر السين كأنكم أرقام، أنتم في قلوبنا رايات. أنتم النور الذي لا ينطفئ في ذاكرة الجزائر، أنتم الجسر بين المنفى والوطن، بين الألم والنصر. دماؤكم كانت الوضوء الذي طهّر تراب الاستقلال، وصراخكم في ليل باريس كان الأذان الأول لحرية الجزائر. سبعة عشر أكتوبر لم يكن يوماً من التقويم، بل صفحةً من البطولة، وشاهداً على أن الجزائري لا يركع إلا لله. ومن باريس إلى الجزائر، ظلّ النداء واحداً: لن ننسى… ولن نغفر… وسنبقى أوفياء لدم الشهداء. المجد والخلود لشهداء 17 أكتوبر 1961، ولتحيا الجزائر حرةً أبيةً، كما أرادوها. ✍️ بلقاسم مرباح وطني جزائري، حرّ في قلمه كما في مواقفه. العريضة...

لماذا الحديث عن "اتفاقية سلام" بين الجزائر والمغرب في حين لا توجد حرب؟

الإعلان الأخير بأن ستيف ويتكوف، المبعوث الخاص الأمريكي المعيَّن من قبل دونالد ترامب، يسعى إلى “إنهاء الأزمة الدبلوماسية بين الجزائر والمغرب” أثار العديد من ردود الفعل والتساؤلات. ووفقًا لتصريحاته، يأمل في التوصل إلى «اتفاق سلام» بين البلدين خلال الشهرين المقبلين، مؤكّدًا في الوقت نفسه أنه يعمل بالتوازي على مفاوضات بين إيران والولايات المتحدة. لكن هذه العبارة — «اتفاق سلام» — تطرح سؤالًا جوهريًا: عن أي حرب نتحدث؟ قراءة خاطئة للوضع الجزائر والمغرب ليسا في حالة حرب. لا يوجد نزاع مسلح ولا مواجهة مباشرة بين الدولتين. ما يفصل بينهما هو أزمة سياسية عميقة، ناتجة عن مواقف متناقضة حول قضايا السيادة والأمن الإقليمي والاحترام المتبادل. اختزال هذه الحقيقة المعقدة في مجرد “خلاف” يمكن تسويته بوساطة ظرفية يعكس إما سوء فهم لطبيعة النزاع، أو محاولة متعمدة لوضع البلدين على قدم المساواة أخلاقيًا ودبلوماسيًا، وهو ما ترفضه الجزائر رفضًا قاطعًا. الموقف الجزائري واضح وثابت شروط أي تطبيع مع المغرب معروفة، وقد جرى التأكيد عليها بقوة من قبل وزير الخارجية رمطان لعمامرة عند إعلان قطع العلاقات الدبلوماسية في 24 أغس...