التخطي إلى المحتوى الرئيسي

من «سلطان الجهاد» إلى معاهدة الحماية: كيف سقط المغرب بين وهم الشرعية وأزمة الدولة (1906–1912)

ليست قصة السلطان المغربي عبد الحفيظ بن الحسن مجرد فصل من فصول الصراع على العرش، ولا حادثة معزولة في تاريخ المغرب الحديث، بل هي تجسيد مكثّف لأزمة دولة، وانهيار شرعية، وانكشاف خطاب. ففي الفترة الممتدة بين مؤتمر الجزيرة الخضراء سنة 1906 وتوقيع معاهدة الحماية سنة 1912، بلغ التناقض بين القول والفعل، وبين الشعار والممارسة، ذروته.


أولاً: ثورة على الأخ… لا على الاستعمار

ثار عبد الحفيظ على أخيه عبد العزيز سنة 1907، ورفع راية “الدفاع عن السيادة” و”مقاومة التدخل الأجنبي”، متهماً أخاه بالتفريط والخضوع لفرنسا وإسبانيا. وقد لقي هذا الخطاب صدىً واسعاً في أوساط المخزن وبعض النخب والقبائل، لأن الشرعية في المجتمعات التقليدية تُستعاد دائماً عبر استدعاء الدين والسيادة.

لكن التدقيق في الوقائع يكشف أن الصراع لم يكن في جوهره صراعاً ضد الاستعمار، بقدر ما كان صراعاً داخلياً على السلطة، استُخدم فيه “الخطر الأوروبي” كورقة تعبئة. فعبد الحفيظ لم يسقط مشروعاً استعمارياً قائماً، بل أسقط أخاه، وورث دولة منهكة، واقتصاداً مفلساً، وجيشاً متآكلاً، ومجتمعاً ممزقاً بين المخزن والسيبة.

ثانياً: «سلطان الجهاد»… حين يتحول الجهاد إلى شعار سياسي

ما إن استقر عبد الحفيظ في الحكم، حتى أُلبس لقب «سلطان الجهاد»، وهي تسمية تكشف آلية مألوفة في التاريخ الإسلامي المتأخر: تحويل الجهاد من فريضة أخلاقية‑سياسية إلى أداة شرعنة سلطوية.

غير أن النصوص، والشواهد الشعرية، بل وحتى سلوك السلطان نفسه، تفضح سريعاً فراغ هذا الادعاء. فالجهاد الذي يُرفع شعاراً دون إعداد، ودون عدل، ودون تعبئة حقيقية للمجتمع، يتحول إلى مسرحية دعائية، تُخفي العجز بدل أن تعالجه.

وليس عبثاً أن المتملقين صوّروا سلطاناً عاجزاً عن حماية كرسيه، وكأن “الأمم دانت له”، في تناقض صارخ مع الواقع. هنا تتجلى إحدى آفات الحكم التقليدي: النفاق السياسي الذي يعوّض غياب القوة بتضخيم الصورة.

ثالثاً: مؤتمر الجزيرة الخضراء… الحكم بالإعدام المؤجل

لم يكن عبد الحفيظ يواجه أوروبا مفككة، بل منظومة استعمارية تعرف كيف تختلف داخلياً، لكنها تتوحد عندما يتعلق الأمر بدولة مسلمة ضعيفة. فقد مثّل مؤتمر الجزيرة الخضراء سنة 1906 لحظة مفصلية، حيث تقرر عملياً تقاسم النفوذ في المغرب، مع منح فرنسا النصيب الأكبر، وإسبانيا الشمال (الريف)، استكمالاً لمسار احتلال سبتة ومليلية والجزر الجعفرية.

منذ تلك اللحظة، لم يعد السؤال: هل سيقع المغرب تحت السيطرة الأجنبية؟ بل: متى وبأي صيغة؟
وكان دور السلطان، أيّ سلطان، محصوراً بين خيارين أحلاهما مرّ: مقاومة بلا أدوات، أو خضوع مغلف بالشرعية.

رابعاً: من شعار المقاومة إلى الاستنجاد بالمستعمر

الامتحان الحقيقي لعبد الحفيظ لم يكن في مواجهة فرنسا، بل في مواجهة الأزمة الداخلية: ثورة الجيلالي الزرهوني (بوحمارة)، تمرد القبائل، تفكك الجيش، وانهيار المالية. هنا سقط الخطاب، وظهر الواقع.

فـ«سلطان الجهاد» أدرك أن الجهاد ليس خطبة ولا قصيدة، بل قوة دولة. ولما لم يجد هذه القوة، لجأ إلى فرنسا… العدو الذي جاء ليقاتله. وهكذا تحققت المفارقة الكبرى: الاستعمار لم يُفرض فقط بالقوة، بل طُلب باسم الاستقرار.

توقيع معاهدة الحماية في 30 مارس 1912 لم يكن حادثاً فجائياً، بل نتيجة منطقية لمسار كامل من التناقضات. فهي لم تكن “حماية”، بل استعباد قانوني، أُبقي فيه على شكل السلطنة، وسُحبت منها السيادة.

خامساً: السلطان… حين تتحول الدولة إلى صفقة شخصية

قبل التوقيع، حرص عبد الحفيظ على ضمان شروط عيشه ورفاه عائلته. وتذكر بعض الروايات إرسال وزير ماليته سراً إلى باريس للتفاوض على “راتب ما بعد التنازل”. هنا تنكشف الحقيقة العارية: الدولة لم تُهزم فقط، بل بيعت.

لم يكن هذا السلوك استثناءً، بل تعبيراً عن نمط حكم يرى السلطة امتيازاً شخصياً لا أمانة عامة. فانتقل السلطان إلى فرنسا، واندمج في مجتمعها المخملي، بينما دخل المغرب عهد الحماية.

سادساً: تبرئة الذات… وإلقاء اللوم على الشعب

لم ينسَ عبد الحفيظ، كغيره من الحكام، أن يكتب دفاعه عن نفسه. رسالة “داء العطب قديم” ليست سوى نص تبريري كلاسيكي: الحاكم معذور، والشعب مقصر، والبطانة فاسدة، والظروف قاهرة.

غير أن هذا المنطق يعكس أزمة أعمق: غياب المساءلة. فالحاكم الذي لا يُحاسَب، يبرئ نفسه تلقائياً، ويحوّل الفشل إلى قدر، والخيانة إلى ضرورة.

سابعاً: «القابلية للاستعمار»… العطب الذي لم يُشفَ

هنا يلتقي التحليل التاريخي مع فكر مالك بن نبي. فالقضية ليست عبد الحفيظ وحده، بل بنية تاريخية من “القابلية للاستعمار”، حيث تغيب الديمقراطية، وينهار العدل، وتُزوّر الإرادة، ويُستبدل الإصلاح الحقيقي بالشعارات.

هذا العطب، لم يُعالج، بل أعيد إنتاجه بأشكال جديدة. تغيرت الأسماء، لكن المنطق واحد: شعارات كبيرة، دولة ضعيفة، ونخب تعيش خارج واقع شعوبها.


خاتمة

إن مأساة عبد الحفيظ ليست في سقوطه، بل في الكذبة التي سقطت معه: كذبة أن الجهاد يُعلن دون دولة، وأن السيادة تُستعاد بالشعر، وأن الاستعمار يُهزم بالخطاب.
فالتاريخ لا يرحم الأوهام، ولا يعفي من المسؤولية، ومن لا يبني دولة عادلة وقوية، سيجد نفسه ـ عاجلاً أو آجلاً ـ يوقّع على فقدانها، ثم يكتب رسالة يبرئ فيها نفسه.



بقلم: بلقاسم مرباح


تعليقات

المشاركات الشائعة من هذه المدونة

رسالة مفتوحة إلى رئيس الجمهورية السيد عبد المجيد تبون

سيدي الرئيس، أتمنى أن تصلكم هذه الرسالة و أنتم بصحة جيدة. أكتب إليكم اليوم بقلب مثقل لأعبر عن قلقي العميق واستيائي لوجود أكثر من 1.2 مليون مغربي في أرض الجزائر الطاهرة. كمواطن مسؤول ومعني ، أشعر أنه من واجبي أن أوجه انتباهكم إلى هذا الأمر. أود أولاً أن ألفت انتباهكم إلى الروابط بين أجهزة المخابرات الإسرائيلية والمغرب. لقد تم الكشف أن الموساد يجند بشكل كبير في الجالية المغربية في فرنسا. هل لدينا ضمانة أن الكيان الصهيوني لا يفعل الشيء نفسه في الجزائر؟ هذه القضية مصدر كرب وإحباط لمواطني بلادنا الذين يفقدون الأمل في التمثيلية الوطنية التي يفترض أن تدافع عن المصلحة العليا للوطن. لماذا يجب أن نبقي على أرضنا رعايا دولة معادية؟ لماذا لا نعيد هؤلاء إلى وطنهم لتفاقم الأزمة الاجتماعية والاقتصادية لبلد يتآمر ضد مصالحنا ويغرق بلدنا بأطنان من المخدرات؟ لماذا يجب أن نتسامح مع وجود اليوتيوبرز المغاربة في الجزائر الذين يسخرون يوميا من الشعب الجزائري؟ نعتقد أن الجزائر يجب أن تقطع العلاقات القنصلية مع المغرب في أسرع وقت ممكن ، لأن الغالبية العظمى من الشعب المغربي يشتركون في نفس الأطروحات التوسعية مثل ن...

17 أكتوبر 1961 — يومٌ كتب الجزائريون فيه بالدم معنى الكرامة

في مساءٍ باردٍ من أمسيات باريس، خرج أبناء الجزائر، حفاةَ القلب لكن شامخي الرأس، يحملون راية الوطن في صمتٍ مهيب، يهتفون للحياة والحرية والكرامة. لكن المستعمر الذي ضاق بصوت الحق، أطلق رصاصه على الجموع، فاهتزّت ضفاف السين بدمٍ طاهرٍ عربيٍّ أمازيغيٍّ جزائريٍّ لا يُنسى. سقطوا شهداء، لا في ساحات الوطن، بل في قلب عاصمةٍ ادّعت الحضارة، لتغسل بدمائهم وجهها الملطّخ بالنفاق. سقطوا وهم يرددون في سرّهم: تحيا الجزائر… ولن تموت. يا من أُلقيتم في نهر السين كأنكم أرقام، أنتم في قلوبنا رايات. أنتم النور الذي لا ينطفئ في ذاكرة الجزائر، أنتم الجسر بين المنفى والوطن، بين الألم والنصر. دماؤكم كانت الوضوء الذي طهّر تراب الاستقلال، وصراخكم في ليل باريس كان الأذان الأول لحرية الجزائر. سبعة عشر أكتوبر لم يكن يوماً من التقويم، بل صفحةً من البطولة، وشاهداً على أن الجزائري لا يركع إلا لله. ومن باريس إلى الجزائر، ظلّ النداء واحداً: لن ننسى… ولن نغفر… وسنبقى أوفياء لدم الشهداء. المجد والخلود لشهداء 17 أكتوبر 1961، ولتحيا الجزائر حرةً أبيةً، كما أرادوها. ✍️ بلقاسم مرباح وطني جزائري، حرّ في قلمه كما في مواقفه. العريضة...

لماذا الحديث عن "اتفاقية سلام" بين الجزائر والمغرب في حين لا توجد حرب؟

الإعلان الأخير بأن ستيف ويتكوف، المبعوث الخاص الأمريكي المعيَّن من قبل دونالد ترامب، يسعى إلى “إنهاء الأزمة الدبلوماسية بين الجزائر والمغرب” أثار العديد من ردود الفعل والتساؤلات. ووفقًا لتصريحاته، يأمل في التوصل إلى «اتفاق سلام» بين البلدين خلال الشهرين المقبلين، مؤكّدًا في الوقت نفسه أنه يعمل بالتوازي على مفاوضات بين إيران والولايات المتحدة. لكن هذه العبارة — «اتفاق سلام» — تطرح سؤالًا جوهريًا: عن أي حرب نتحدث؟ قراءة خاطئة للوضع الجزائر والمغرب ليسا في حالة حرب. لا يوجد نزاع مسلح ولا مواجهة مباشرة بين الدولتين. ما يفصل بينهما هو أزمة سياسية عميقة، ناتجة عن مواقف متناقضة حول قضايا السيادة والأمن الإقليمي والاحترام المتبادل. اختزال هذه الحقيقة المعقدة في مجرد “خلاف” يمكن تسويته بوساطة ظرفية يعكس إما سوء فهم لطبيعة النزاع، أو محاولة متعمدة لوضع البلدين على قدم المساواة أخلاقيًا ودبلوماسيًا، وهو ما ترفضه الجزائر رفضًا قاطعًا. الموقف الجزائري واضح وثابت شروط أي تطبيع مع المغرب معروفة، وقد جرى التأكيد عليها بقوة من قبل وزير الخارجية رمطان لعمامرة عند إعلان قطع العلاقات الدبلوماسية في 24 أغس...