أنبوب الغاز المغاربي‑الأوروبي (GME): حين أغلقت الجزائر “الصنبور الرمزي”… وأجبرت الرباط على تذوّق كلفة العداء
لم يكن أنبوب الغاز المغاربي‑الأوروبي مجرّد مشروع تقني لنقل الطاقة، بل كان طوال عقود أداة نفوذ مغلّفة بواجهة “التعاون”. لقد اشتغل الخط سنوات طويلة حتى في فترات القطيعة السياسية، وكأن الطاقة يمكنها أن تعيش خارج السياسة. لكن ما جرى لاحقاً كشف الحقيقة: الغاز كان دائماً جزءاً من الصراع، لا جزءاً من المصالحة.
عندما قررت الجزائر وقف مرور الغاز عبر هذا المسار، لم تكن تسدّ ثغرة تقنية، بل كانت تُعيد تعريف قواعد اللعبة: لا امتيازات مجانية لمن يتصرف كخصم.
1) من التعاون إلى الريع: كيف استفاد المغرب من “موقع العبور”
في التصميم الأول لهذا المشروع، كان الهدف واضحاً: نقل الغاز الجزائري نحو إسبانيا والبرتغال عبر الأراضي المغربية. وبمرور الوقت، تحوّل هذا العبور إلى مكسب مزدوج للمغرب:
- مكسب اقتصادي مباشر بحكم موقعه كدولة عبور،
- ومكسب سياسي قائم على الإيحاء بأنه “لا غنى عنه” في معادلة الطاقة الإقليمية.
هذا الوهم استقرّ في الذهنية الرسمية والإعلامية المغربية: طالما أن الأنبوب يمرّ عبر المغرب، فالمغرب يملك ورقة ضغط. لكن الجزائر كانت تبني في الخلفية سيناريو معاكساً: نزع هذه الورقة من الأساس.
2) نهاية العقد: نهاية الوهم
3) الطريق المباشر: حين ألغت الجزائر قيمة العبور
4) “التدفق العكسي”: المغرب لم يعالج المشكلة… بل بدّل تبعيته
بعد التوقف، لجأ المغرب إلى حلّ قائم على شراء الغاز المسال من الأسواق الدولية، ثم تفريغه وإعادة تحويله إلى غاز في إسبانيا، وضخه عبر الأنبوب باتجاه المغرب في الاتجاه المعاكس.
قدّم الإعلام المغربي هذه الخطوة كإنجاز، لكن الواقع أكثر قسوة:
- المغرب لم يتحرر، بل صار رهينة سعة محطات إسبانيا،
- ورهينة قرارات الشبكات،
- ورهينة السياسة الأوروبية في الأزمات.
بعبارة أبسط: المغرب استبدل تبعية كانت مرتبطة بالجزائر، بتبعية أخطر مرتبطة بإسبانيا وأوروبا.
5) الهدف الحقيقي: ليس حرمان المغرب من الغاز… بل جعله يدفع الثمن
- إنهاء الغاز الرخيص،
- إجبار المغرب على شراء الغاز بسعر مرتفع ومتقلب،
- ضرب “ميزة الطاقة الرخيصة” التي كان المغرب يلوّح بها لجذب المستثمرين،
- وتوجيه ضربة مباشرة لتنافسية الاقتصاد المغربي.
هذا النوع من القرارات لا يشتغل بمنطق “المنع”، بل بمنطق رفع الكلفة حتى تنهار الجدوى الاقتصادية.
6) الكهرباء والتضخم: حين يتحول الغاز إلى ضغط على جيب المواطن
الغاز ليس وقود مصانع فقط، بل هو وقود كهرباء أيضاً. وقد اعتمد المغرب على محطتين كبيرتين تعملان بالغاز:
- محطة تهدارت
- محطة عين بني مطهر
هاتان المحطتان تشكلان جزءاً مؤثراً من قدرة الإنتاج الكهربائي، وعندما يتعطل تزويدهما بالغاز أو يصبح مكلفاً، تدخل البلاد في دائرة إجبارية:
- إما تشغيل بدائل أعلى كلفة،
- أو تعويض النقص بـ استيراد الكهرباء من إسبانيا.
- ارتفاع كلفة الإنتاج على الشركات،
- ارتفاع أسعار الخدمات والسلع،
- ضغط تضخمي داخلي،
- تآكل تنافسية الاقتصاد.
أي أن القرار لا يضرب الحكومة فقط، بل يضرب الاقتصاد كمنظومة.
7) استيراد الكهرباء من إسبانيا: صورة التبعية الجديدة
حين يصبح بلد ما مضطراً لاستيراد الكهرباء بشكل أكبر من جارٍ أوروبي، فهو لا يشتري “طاقة” فقط، بل يشتري:
- هشاشة استراتيجية،
- وقابلية ابتزاز غير معلنة،
- وتحوّل ميزان القوة لصالح الطرف الذي يملك مفاتيح الشبكة والسوق.
8) الخلاصة: رسالة الجزائر كانت واضحة — العداء له فاتورة
في المحصلة، لا يمكن اعتبار إغلاق أنبوب الغاز المغاربي‑الأوروبي أزمة تقنية أو إجراءاً ظرفياً. بل هو قبل كل شيء إشارة سياسية واضحة ومقصودة، أنهت من خلالها الجزائر وضعاً كان يسمح للمغرب بالاستفادة، بشكل مباشر أو غير مباشر، من امتياز طاقوي يعود إلى حقبة كان يتم فيها ـ ولو شكلياً ـ الفصل بين الاقتصاد والجيوسياسة.
صحيح أن الرباط بات بإمكانها التزود بالغاز من مصادر أخرى، غير أن ذلك يتم اليوم ضمن سلسلة إمداد أكثر كلفة وأكثر هشاشة، وعبر مرور إلزامي عبر إسبانيا، مع تعرض أكبر للمخاطر في حال حدوث توترات في السوق الأوروبية للغاز أو على مستوى طاقات النقل وإعادة التغويز. وهذا بالضبط ما أرادت الجزائر إظهاره: التموضع العدائي له ثمن، وهذا الثمن ليس نظرياً، بل يُقاس بتراجع التنافسية، وظهور هشاشات جديدة، وتحول تبعيات الطاقة من اتجاه إلى آخر.
ومن ثمّ، يثير الاستغراب إصرار بعض المعلقين المغاربة على ترويج فرضيات حول “خسائر” مزعومة تكبدتها الجزائر نتيجة وقف تشغيل هذا الأنبوب. فمثل هذه القراءات تقوم على مقاربة سطحية وتتجاهل الوقائع الاقتصادية الفعلية.
بإنهاء العبور عبر الأنبوب، توقفت الجزائر من جهة عن دفع رسوم المرور إلى المغرب، ومن جهة أخرى عن تزويد هذا الأخير بغاز كان يباع بشروط تفضيلية لا تعكس أسعار السوق الحقيقية. ومجموعة هذه العناصر تمثل وفورات معتبرة، تقدر بنحو مليار دولار سنوياً.
وفضلاً عن ذلك، فإن الكميات التي كانت تمر عبر الأنبوب لم تختفِ من معادلة التصدير، بل أعيد توجيهها نحو التصدير في شكل غاز طبيعي مسال، وهو قطاع يتميز بربحية أعلى. فعلى عكس الغاز المنقول عبر الأنابيب، والذي يخضع غالباً لعقود طويلة الأجل بأسعار شبه جامدة، يتيح الغاز المسال مرونة تجارية أكبر وتسعيراً أكثر جاذبية في الأسواق الدولية، ما ينعكس تلقائياً على مستويات الإيرادات.
ويضاف إلى ذلك عامل لوجستي بالغ الأهمية، يتمثل في أن الجزائر تمتلك أسطولها الخاص من ناقلات الغاز، ما يسمح لها بالاستفادة أيضاً من القيمة المضافة المرتبطة بالنقل البحري. وعليه، فإن المكسب مزدوج: اقتصادي، عبر تحسين قيمة الصادرات، واستراتيجي، عبر التحكم الكامل في سلسلة الإمداد.
خلاصة القول، بدل الانشغال بتخمينات غير دقيقة حول أرباح أو خسائر مفترضة للجزائر، كان الأجدى ببعض المراقبين أن يولوا اهتمامهم إلى التحديات البنيوية التي يواجهها قطاع الطاقة في بلدهم، لأن هناك تحديداً تكمن الرهانات الاقتصادية والاستراتيجية الحقيقية.
بــلـــڨـــاســم مربـــاح
تعليقات
إرسال تعليق