التخطي إلى المحتوى الرئيسي

العلاقات الجزائرية–الإيرانية: فرصة جيوسياسية لدول الخليج

في الوقت الذي تسعى فيه بعض المنابر الإعلامية إلى تصوير روابط الجزائر بإيران على أنها مصدر توتر داخل الفضاء العربي، تكشف قراءة جيوسياسية أعمق عن حقيقة مغايرة: استقرار العلاقة بين الجزائر وطهران يمكن أن يتحول إلى رصيدٍ دبلوماسي يخدم أمن الخليج واستقراره. ففي بيئة إقليمية تتسم بتسارع الأزمات، وسرعة الانزلاق نحو التصعيد، يصبح وجود قناة موثوقة للحوار—خصوصاً إذا كانت تقودها دولة تُعرف باستقلال قرارها—أداةً عملية لتخفيف المخاطر.

القضية هنا ليست “الاصطفاف” أو “اختيار محور”، بل تقليص احتمالات الحرب بسبب سوء تقدير، وكبح منطق المزايدات، وإعادة تعريف أمن الخليج بطريقة أقل ارتهاناً لعوامل خارجية.


1) موقف متوازن يحفظ المصالح العربية

تلتزم الجزائر—تاريخياً—بسياسة خارجية تقوم على استقلالية القرار وعدم التدخل واحترام السيادة. وغالباً ما يُساء فهم هذه المقاربة على أنها حيادٌ سلبي، بينما الأدق وصفها بأنها حياد نشط: الحفاظ على قنوات تواصل فعّالة مع أطراف متعارضة لمنع انسداد مسارات التهدئة، ولإبقاء “المخارج الدبلوماسية” مفتوحة عند الأزمات.

هذا النهج لا يعني انكفاءً عن القضايا العربية، ولا تعاملاً بارداً مع مصالح الدول العربية. فالجزائر عبّرت في أكثر من محطة عن دعمها السياسي للمواقف العربية في ملفات الأمن والاستقرار، لكنها في الوقت ذاته ترفض أن تتحول إلى “امتداد” لسياسات أي طرف خارجي، وهو ما يمنحها رصيداً من المصداقية حين تسعى إلى تهدئة التوترات.

وفي سياق التوترات الحالية، يبرز عامل حساس يتمثل في الجغرافيا العسكرية: القواعد الأمريكية المنتشرة في الخليج. فمن منظور طهران، تُقرأ هذه القواعد في كثير من الأحيان كجزء من منظومة ضغط وتهديد، مرتبطة بإستراتيجية أمريكية أشمل تتداخل فيها اعتبارات حماية حلفاء واشنطن، والسيطرة على خطوط الطاقة، وإدارة النفوذ الإقليمي. وبذلك، فإن كثيراً من توترات المشهد لا تُبنى دائماً “ضد دول الخليج بحد ذاتها”، بل تتصاعد حول البنية العسكرية التي تراها إيران معادية.

هنا تحديداً تتضح فائدة العلاقة الجزائرية–الإيرانية: قناة عربية مستقلة قادرة على نقل الرسائل وشرح النوايا وتخفيف الالتباسات.


2) معضلة الخليج الاستراتيجية: الاعتماد… مع هشاشةٍ كامنة

تعيش دول الخليج معضلة بنيوية. فمن جهة، يُفترض أن وجود قواعد وقدرات أمريكية على أراضيها يعزز الردع ويوفر مظلة أمنية. ومن جهة أخرى، قد تزيد هذه البنية من مستوى التعرض للمخاطر: ففي حال اندلاع مواجهة إقليمية واسعة، تصبح القواعد العسكرية نقاط احتكاك قابلة للاستهداف، ما قد يجعل أراضي الدولة المضيفة جزءاً من مسرح التوتر—even إذا كانت لا ترغب في التصعيد.

إضافة إلى ذلك، ثمة حقيقة غالباً ما تُقال همساً: أولويات الأمن القومي الأمريكي لا تتطابق تلقائياً مع أولويات دول الخليج. فالقواعد الأمريكية تؤدي وظائف مرتبطة بمصالح واشنطن العالمية: استمرار التمركز، حرية الحركة، حماية خطوط الملاحة والطاقة، وإدارة توازنات القوة الإقليمية. وهذه لا تعني بالضرورة ضمان حماية مطلقة في كل سيناريو تصعيد، لأن أي التزام أمريكي يبقى خاضعاً لحسابات السياسة الداخلية، والجدوى، والكلفة، وسياق المنافسة الدولية.

وتنتج عن ذلك “منطقة رمادية”:

  • قد يكون الردع فعالاً في بعض المستويات،
  • لكن الضمانات النهائية في لحظة الانفجار الكبير تبقى غير يقينية.

وهكذا تنشأ حالة انسداد استراتيجي: اعتماد على حماية خارجية مع استمرار خطر التورط الجغرافي في صراع لا تملك دول الخليج السيطرة الكاملة على إيقاعه.


3) الجزائر كوسيط محتمل: جسرٌ نادر في نظامٍ إقليمي مُجزّأ

في هذا السياق، تبرز خصوصية الجزائر. فبفضل علاقتها المتوازنة مع أطراف متنافسة، وبفعل صورتها كفاعل غير منخرط في محاور الإقليم، تمتلك الجزائر—نظرياً وعملياً—قدرة على لعب دور الوسيط أو “الجسر الدبلوماسي” بين طهران وعواصم عربية، إذا توفرت الإرادة السياسية لدى جميع الأطراف.

ويمكن ترجمة هذا الدور إلى ثلاث وظائف استراتيجية:

(1) تقليص سوء الفهم ومنع التصعيد العرضي

في الأزمات لا تكفي النوايا؛ ما يحكم القرار هو الإدراك والتقدير. قناة موثوقة قادرة على نقل رسائل واضحة تساعد على كبح “سوء القراءة”، وتمنع الانزلاق إلى ردود فعل متسلسلة.

(2) دعم إعادة ضبط المقاربة الأمنية

الهدف ليس إلغاء الردع، بل استكماله بإدارة سياسية للتوتر. فالأمن الإقليمي الناجح لا يكون عسكرياً فقط، بل يحتاج أيضاً إلى دبلوماسية، واتصالات أزمة، وقواعد ضبط اشتباك، وتفاهمات حدّية.

(3) الدفع نحو حلول إقليمية تحفظ السيادة

الاعتماد الحصري على التحالفات الخارجية له حدود. الوساطة الجزائرية يمكن أن تشجع ترتيبات تحترم سيادة الدول وتقلل من “مبدأ الصفر”، وتفتح الباب أمام مسارات تخفيف التوتر على أساس المصالح المشتركة.


4) فرصة لإعادة معايرة الجغرافيا السياسية: من ردّ الفعل إلى الوقاية

إن متانة العلاقات الجزائرية–الإيرانية قد تعمل كـمحفّز لإعادة توازن استراتيجي في الخليج، شرط النظر إليها كأداة استقرار لا كعلامة اصطفاف أيديولوجي. ويمكن حصر المكاسب المحتملة في ثلاث نقاط:

  • خفض التوترات ذات الطابع الأيديولوجي: تحويل النقاش من لغة الشعارات إلى لغة المصالح العملية (أمن الملاحة، البنى التحتية، عدم الاعتداء، إدارة الحوادث) يقلل احتمالات الانفجار.

  • الانتقال من دبلوماسية ردّ الفعل إلى دبلوماسية الوقاية: وجود قناة اتصال غير مباشرة عبر الجزائر يمنح دول الخليج فرصة لفهم “الخطوط الحمراء”، وتوقع مسارات الأزمة، وبناء إجراءات تهدئة قبل وصول التوتر إلى نقطة اللاعودة.

  • طرح بديل قابل للتصديق عن الحلول العسكرية الصرفة: في مواجهة خصم يمتلك أدوات غير متماثلة، لا تضمن القوة التقليدية وحدها غياب الكلفة. الاستقرار طويل الأمد يحتاج مزيجاً من الردع، والمرونة الداخلية، وآليات خفض التصعيد.

وخلاصة هذه الفكرة: القوة العسكرية أداة، وليست استراتيجية مكتملة. وفي بيئة يمكن أن تبدأ فيها الأزمات بحادث صغير، تصبح قنوات الحوار “مضاعفاً للأمن” لا ترفاً دبلوماسياً.


5) خاتمة جيوسياسية: فرصة استراتيجية لا تهديد

بعيداً عن الخطابات التبسيطية، تمثل العلاقة الجزائرية–الإيرانية فرصة استراتيجية لدول الخليج إذا أحسن توظيفها:

  • توفر قناة تفاوض ووسيلة عملية للوقاية من الأزمات.
  • تساعد على تقليل الاعتماد الحصري على الولايات المتحدة عبر إضافة طبقة إقليمية لإدارة التوتر.
  • تفتح المجال أمام دبلوماسية عربية أكثر استقلالاً وقدرة على حماية المصالح وتعزيز الاستقرار في آن واحد.

صحيح أن هذه الفرصة ليست آلية ولا مضمونة؛ فهي تتطلب إرادة سياسية ورؤية أمنية تعتبر الحوار جزءاً من منظومة الأمن وليس تنازلاً. لكن في منطقة تتسارع فيها ديناميات التصعيد، أي طرف قادر على مخاطبة الجميع يملك قيمة استثنائية. ومن هذا المنطلق، تمنح الجزائر—بحيادها النشط وقدرتها على التواصل—الخليج مورداً نادراً: مساحة وساطة موثوقة تخدم الاستقرار الإقليمي.



بــلـــڨـــاســم مربـــاح



تعليقات

المشاركات الشائعة من هذه المدونة

رسالة مفتوحة إلى رئيس الجمهورية السيد عبد المجيد تبون

سيدي الرئيس، أتمنى أن تصلكم هذه الرسالة و أنتم بصحة جيدة. أكتب إليكم اليوم بقلب مثقل لأعبر عن قلقي العميق واستيائي لوجود أكثر من 1.2 مليون مغربي في أرض الجزائر الطاهرة. كمواطن مسؤول ومعني ، أشعر أنه من واجبي أن أوجه انتباهكم إلى هذا الأمر. أود أولاً أن ألفت انتباهكم إلى الروابط بين أجهزة المخابرات الإسرائيلية والمغرب. لقد تم الكشف أن الموساد يجند بشكل كبير في الجالية المغربية في فرنسا. هل لدينا ضمانة أن الكيان الصهيوني لا يفعل الشيء نفسه في الجزائر؟ هذه القضية مصدر كرب وإحباط لمواطني بلادنا الذين يفقدون الأمل في التمثيلية الوطنية التي يفترض أن تدافع عن المصلحة العليا للوطن. لماذا يجب أن نبقي على أرضنا رعايا دولة معادية؟ لماذا لا نعيد هؤلاء إلى وطنهم لتفاقم الأزمة الاجتماعية والاقتصادية لبلد يتآمر ضد مصالحنا ويغرق بلدنا بأطنان من المخدرات؟ لماذا يجب أن نتسامح مع وجود اليوتيوبرز المغاربة في الجزائر الذين يسخرون يوميا من الشعب الجزائري؟ نعتقد أن الجزائر يجب أن تقطع العلاقات القنصلية مع المغرب في أسرع وقت ممكن ، لأن الغالبية العظمى من الشعب المغربي يشتركون في نفس الأطروحات التوسعية مثل ن...

لماذا الحديث عن "اتفاقية سلام" بين الجزائر والمغرب في حين لا توجد حرب؟

الإعلان الأخير بأن ستيف ويتكوف، المبعوث الخاص الأمريكي المعيَّن من قبل دونالد ترامب، يسعى إلى “إنهاء الأزمة الدبلوماسية بين الجزائر والمغرب” أثار العديد من ردود الفعل والتساؤلات. ووفقًا لتصريحاته، يأمل في التوصل إلى «اتفاق سلام» بين البلدين خلال الشهرين المقبلين، مؤكّدًا في الوقت نفسه أنه يعمل بالتوازي على مفاوضات بين إيران والولايات المتحدة. لكن هذه العبارة — «اتفاق سلام» — تطرح سؤالًا جوهريًا: عن أي حرب نتحدث؟ قراءة خاطئة للوضع الجزائر والمغرب ليسا في حالة حرب. لا يوجد نزاع مسلح ولا مواجهة مباشرة بين الدولتين. ما يفصل بينهما هو أزمة سياسية عميقة، ناتجة عن مواقف متناقضة حول قضايا السيادة والأمن الإقليمي والاحترام المتبادل. اختزال هذه الحقيقة المعقدة في مجرد “خلاف” يمكن تسويته بوساطة ظرفية يعكس إما سوء فهم لطبيعة النزاع، أو محاولة متعمدة لوضع البلدين على قدم المساواة أخلاقيًا ودبلوماسيًا، وهو ما ترفضه الجزائر رفضًا قاطعًا. الموقف الجزائري واضح وثابت شروط أي تطبيع مع المغرب معروفة، وقد جرى التأكيد عليها بقوة من قبل وزير الخارجية رمطان لعمامرة عند إعلان قطع العلاقات الدبلوماسية في 24 أغس...

17 أكتوبر 1961 — يومٌ كتب الجزائريون فيه بالدم معنى الكرامة

في مساءٍ باردٍ من أمسيات باريس، خرج أبناء الجزائر، حفاةَ القلب لكن شامخي الرأس، يحملون راية الوطن في صمتٍ مهيب، يهتفون للحياة والحرية والكرامة. لكن المستعمر الذي ضاق بصوت الحق، أطلق رصاصه على الجموع، فاهتزّت ضفاف السين بدمٍ طاهرٍ عربيٍّ أمازيغيٍّ جزائريٍّ لا يُنسى. سقطوا شهداء، لا في ساحات الوطن، بل في قلب عاصمةٍ ادّعت الحضارة، لتغسل بدمائهم وجهها الملطّخ بالنفاق. سقطوا وهم يرددون في سرّهم: تحيا الجزائر… ولن تموت. يا من أُلقيتم في نهر السين كأنكم أرقام، أنتم في قلوبنا رايات. أنتم النور الذي لا ينطفئ في ذاكرة الجزائر، أنتم الجسر بين المنفى والوطن، بين الألم والنصر. دماؤكم كانت الوضوء الذي طهّر تراب الاستقلال، وصراخكم في ليل باريس كان الأذان الأول لحرية الجزائر. سبعة عشر أكتوبر لم يكن يوماً من التقويم، بل صفحةً من البطولة، وشاهداً على أن الجزائري لا يركع إلا لله. ومن باريس إلى الجزائر، ظلّ النداء واحداً: لن ننسى… ولن نغفر… وسنبقى أوفياء لدم الشهداء. المجد والخلود لشهداء 17 أكتوبر 1961، ولتحيا الجزائر حرةً أبيةً، كما أرادوها. ✍️ بلقاسم مرباح وطني جزائري، حرّ في قلمه كما في مواقفه. العريضة...