التخطي إلى المحتوى الرئيسي

إيران تعيد تحديد أولوياتها العسكرية وتقترح ميثاقًا جديدًا لعدم الاعتداء مع الدول العربية

خطاب الرئيس الإيراني مسعود بزشكيان، الذي بُثّ هذا السبت، يمثّل نقطة تحوّل كبرى في العقيدة الأمنية لطهران. فبينما تدخل الحرب أسبوعها الثاني وتهزّ التوازن الإقليمي، أعلن الرئيس أن إيران ستعلّق ضرباتها ضد الدول العربية، بشرط صريح أن تتوقف تلك الدول عن السماح للقوات الأميركية أو الإسرائيلية باستخدام قواعدها لشنّ هجمات ضد إيران. تأتي هذه التصريحات في لحظة إعادة تشكيل عميقة للمسرح الاستراتيجي في الشرق الأوسط.


1. رسالة تصالحية… ولكن مشروطة

أعرب الرئيس بزشكيان في كلمته عن اعتذاره للدول المجاورة، وأكد أن إيران لا تضمر أي نية عدوانية تجاهها.
وشدّد على ضرورة «العمل مع دول المنطقة لضمان الأمن والسلام»، مذكّرًا بأنه رغم الخسارة المفاجئة لعدد من القادة الإيرانيين خلال الضربات الأولى، فإن القوات المسلحة تصرّفت باستقلالية وفي إطار القانون الدولي.
لذلك تقدّم إيران نفسها باعتبارها قوة مُعتدى عليها لا مُعتدية، ساعية لطمأنة جيرانها العرب في ذروة نزاع إقليمي واسع.


2. واقع عسكري يناقض الرواية الأميركية

على عكس رواية الرئيس الأميركي دونالد ترامب، الذي يزعم أن إيران أصبحت ضعيفة ومشتتة، تُظهر الديناميكية العسكرية واقعًا مختلفًا.
فمنذ الضربات الإسرائيلية–الأميركية الأولى – التي أدّت إلى مقتل المرشد الأعلى علي خامنئي وفقًا لمصادر أميركية وإسرائيلية – شنّت إيران سلسلة هجمات واسعة ومنسّقة ضد:

  • القواعد الأميركية في البحرين وقطر والإمارات والكويت والأردن
  • البنى التحتية العسكرية الإسرائيلية، بما في ذلك شمال إسرائيل

وتشير التقارير إلى أن عددًا كبيرًا من المنشآت الأميركية الاستراتيجية قد تم تعطيله: من رادارات ومراكز تجسس واستطلاع إلى مواقع قيادة.
كما يؤكد البنتاغون وقوع خسائر بشرية وأضرار كبيرة في عدة مواقع إقليمية.

هذا الواقع يعزز التحليل القائل بأن الأهداف الأولية لإيران في الدول العربية قد تحققت:
فالمنشآت الأميركية التي كانت تمثّل تهديدًا مباشرًا جرى تحييدها أو إلحاق أضرار جسيمة بها، ما يجعل استخدامها العملياتي صعبًا للغاية.

3. إعادة تركيز الاستراتيجية الإيرانية: إسرائيل كهدف رئيسي

مع إضعاف المراكز الأميركية ووضع الدول العربية أمام خيار واضح – الحياد أو الانخراط – توجه إيران معظم جهدها العسكري نحو إسرائيل.

وقد كثّفت طهران إطلاق:

  • الصواريخ
  • المسيّرات
  • القذائف الصاروخية

نحو:

  • حيفا وشمال إسرائيل
  • المنشآت العسكرية الإسرائيلية الأساسية
  • مراكز القيادة والاستخبارات الإسرائيلية

وتؤكّد حدة هذه الضربات أن محور الاستراتيجية الإيرانية قد تحوّل:
فإيران لم تعد ترى الوجود الأميركي في الدول العربية تهديدًا آنيًا – بعد تحييد تلك القواعد – بل تعتبر إسرائيل العصَب المركزي للتحالف المناهض لها.


4. عرض دبلوماسي محسوب للدول العربية

لا يُعدّ طرح بزشكيان علامة ضعف، بل خطوة تكتيكية مدروسة تهدف إلى:

  1. فصل الدول العربية عن محور واشنطن–تل أبيب
    تسعى إيران إلى تقليص العمق الاستراتيجي لإسرائيل والحد من خيارات الولايات المتحدة في المنطقة.

  2. إقامة ميثاق ضمني لعدم الاعتداء
    عبر وضع إطار أمني واضح، تمنح طهران دول الخليج مخرجًا لتجنب المزيد من الدمار.

  3. تعزيز صورتها الدولية
    تقدم إيران نفسها كدولة تحترم القانون الدولي ومستعدة لخفض التصعيد بشروط، في مقابل وصفها للضربات الأولى بأنها «حرب غير قانونية».

بهذا، يندرج الخطاب ضمن استراتيجية أوسع تهدف إلى ربح معركة السردية إلى جانب المعركة الميدانية.


5. موقف هجومي… لكن منضبط

على الرغم من أن البنية التحتية داخل إيران تعرضت لدمار واسع وسقط مئات القتلى وفق منظمات الإغاثة المحلية، إلا أن الرد الإيراني اتسم بـ:

  • دقة أعلى في استهداف المراكز العسكرية
  • إصرار واضح على عدم ضرب المدنيين في الدول العربية ما لم تُستخدَم أراضيها منصّات هجوم
  • تنسيق إقليمي متصاعد مع حلفاء مثل حزب الله والميليشيات الشيعية العراقية

وتسعى إيران إلى الظهور كقوة عقلانية، محسوبة، وصلبة في مواجهة ما تسميه «تحالف العدوان».


الخلاصة: إعادة تموضع استراتيجي كبير

تكشف تصريحات بزشكيان عن عقيدة إيرانية جديدة تقوم على:

  • تحييد التهديدات الأميركية في الدول العربية → مهمة منجزة
  • تهدئة العلاقات مع الجوار لمنع توسّع الجبهة
  • تركيز القوة النارية على إسرائيل كخصم رئيسي

ويستند هذا النهج إلى قراءة باردة للواقع العملياتي:
فالدول العربية لم تكن الهدف بل العائق – وقد جرى تجاوزه الآن.

لقد دخلت الحرب بين إسرائيل والولايات المتحدة وإيران مرحلة جديدة، حيث باتت إسرائيل المركز الأساسي لساحة الصراع بلا جدال.
أما العرض الإيراني للدول العربية، فهو ليس دعوة سلام بقدر ما هو خيار جيوسياسي تفرضه حقائق عسكرية جديدة.



بــلـــڨـــاســم مربـــاح



تعليقات

المشاركات الشائعة من هذه المدونة

رسالة مفتوحة إلى رئيس الجمهورية السيد عبد المجيد تبون

سيدي الرئيس، أتمنى أن تصلكم هذه الرسالة و أنتم بصحة جيدة. أكتب إليكم اليوم بقلب مثقل لأعبر عن قلقي العميق واستيائي لوجود أكثر من 1.2 مليون مغربي في أرض الجزائر الطاهرة. كمواطن مسؤول ومعني ، أشعر أنه من واجبي أن أوجه انتباهكم إلى هذا الأمر. أود أولاً أن ألفت انتباهكم إلى الروابط بين أجهزة المخابرات الإسرائيلية والمغرب. لقد تم الكشف أن الموساد يجند بشكل كبير في الجالية المغربية في فرنسا. هل لدينا ضمانة أن الكيان الصهيوني لا يفعل الشيء نفسه في الجزائر؟ هذه القضية مصدر كرب وإحباط لمواطني بلادنا الذين يفقدون الأمل في التمثيلية الوطنية التي يفترض أن تدافع عن المصلحة العليا للوطن. لماذا يجب أن نبقي على أرضنا رعايا دولة معادية؟ لماذا لا نعيد هؤلاء إلى وطنهم لتفاقم الأزمة الاجتماعية والاقتصادية لبلد يتآمر ضد مصالحنا ويغرق بلدنا بأطنان من المخدرات؟ لماذا يجب أن نتسامح مع وجود اليوتيوبرز المغاربة في الجزائر الذين يسخرون يوميا من الشعب الجزائري؟ نعتقد أن الجزائر يجب أن تقطع العلاقات القنصلية مع المغرب في أسرع وقت ممكن ، لأن الغالبية العظمى من الشعب المغربي يشتركون في نفس الأطروحات التوسعية مثل ن...

لماذا الحديث عن "اتفاقية سلام" بين الجزائر والمغرب في حين لا توجد حرب؟

الإعلان الأخير بأن ستيف ويتكوف، المبعوث الخاص الأمريكي المعيَّن من قبل دونالد ترامب، يسعى إلى “إنهاء الأزمة الدبلوماسية بين الجزائر والمغرب” أثار العديد من ردود الفعل والتساؤلات. ووفقًا لتصريحاته، يأمل في التوصل إلى «اتفاق سلام» بين البلدين خلال الشهرين المقبلين، مؤكّدًا في الوقت نفسه أنه يعمل بالتوازي على مفاوضات بين إيران والولايات المتحدة. لكن هذه العبارة — «اتفاق سلام» — تطرح سؤالًا جوهريًا: عن أي حرب نتحدث؟ قراءة خاطئة للوضع الجزائر والمغرب ليسا في حالة حرب. لا يوجد نزاع مسلح ولا مواجهة مباشرة بين الدولتين. ما يفصل بينهما هو أزمة سياسية عميقة، ناتجة عن مواقف متناقضة حول قضايا السيادة والأمن الإقليمي والاحترام المتبادل. اختزال هذه الحقيقة المعقدة في مجرد “خلاف” يمكن تسويته بوساطة ظرفية يعكس إما سوء فهم لطبيعة النزاع، أو محاولة متعمدة لوضع البلدين على قدم المساواة أخلاقيًا ودبلوماسيًا، وهو ما ترفضه الجزائر رفضًا قاطعًا. الموقف الجزائري واضح وثابت شروط أي تطبيع مع المغرب معروفة، وقد جرى التأكيد عليها بقوة من قبل وزير الخارجية رمطان لعمامرة عند إعلان قطع العلاقات الدبلوماسية في 24 أغس...

17 أكتوبر 1961 — يومٌ كتب الجزائريون فيه بالدم معنى الكرامة

في مساءٍ باردٍ من أمسيات باريس، خرج أبناء الجزائر، حفاةَ القلب لكن شامخي الرأس، يحملون راية الوطن في صمتٍ مهيب، يهتفون للحياة والحرية والكرامة. لكن المستعمر الذي ضاق بصوت الحق، أطلق رصاصه على الجموع، فاهتزّت ضفاف السين بدمٍ طاهرٍ عربيٍّ أمازيغيٍّ جزائريٍّ لا يُنسى. سقطوا شهداء، لا في ساحات الوطن، بل في قلب عاصمةٍ ادّعت الحضارة، لتغسل بدمائهم وجهها الملطّخ بالنفاق. سقطوا وهم يرددون في سرّهم: تحيا الجزائر… ولن تموت. يا من أُلقيتم في نهر السين كأنكم أرقام، أنتم في قلوبنا رايات. أنتم النور الذي لا ينطفئ في ذاكرة الجزائر، أنتم الجسر بين المنفى والوطن، بين الألم والنصر. دماؤكم كانت الوضوء الذي طهّر تراب الاستقلال، وصراخكم في ليل باريس كان الأذان الأول لحرية الجزائر. سبعة عشر أكتوبر لم يكن يوماً من التقويم، بل صفحةً من البطولة، وشاهداً على أن الجزائري لا يركع إلا لله. ومن باريس إلى الجزائر، ظلّ النداء واحداً: لن ننسى… ولن نغفر… وسنبقى أوفياء لدم الشهداء. المجد والخلود لشهداء 17 أكتوبر 1961، ولتحيا الجزائر حرةً أبيةً، كما أرادوها. ✍️ بلقاسم مرباح وطني جزائري، حرّ في قلمه كما في مواقفه. العريضة...