فخلف ضجيج الأسلحة وأعمدة الدخان والإدانات الدبلوماسية الشكلية، يبرز سؤال بإلحاحٍ شديد: لمن تخدم هذه الفوضى المزمنة حقاً؟ بعيداً عن السرديات التبسيطية التي تقسم العالم بين «خير» و«شر»، تكشف الجغرافيا السياسية شبكة معقدة من المصالح، حيث يستفيد بعض الفاعلين — أحياناً بقدر كبير من البراغماتية والبرودة — من استمرار النزاع.
يسعى هذا المقال إلى تفكيك هوية المستفيدين الحقيقيين من التصعيد الإقليمي: إسرائيل ورِيعها الأمني، الولايات المتحدة واستراتيجيتها القائمة على الحضور بالوكالة، إضافة إلى الديناميات الأوسع لنظام دولي يتفكك، حيث يهدد عودة منطق القوة العارية بتسريع الانتشار النووي العالمي.
أولاً: إسرائيل — المستفيد الاستراتيجي الأكبر
1.1 إفشال مسار التطبيع الإيراني–العربي
على مدى السنوات الأخيرة، كان الخليج يشهد تحولاً جيوسياسياً عميقاً: مسار تهدئة وتطبيع تدريجي بين إيران ودول الخليج مثل السعودية والإمارات وقطر، بوساطة لعبت فيها الصين دوراً محورياً. كان من الممكن أن يُفضي هذا المسار إلى بنية أمنية إقليمية غير مسبوقة، وهو ما شكّل تهديداً وجودياً للرؤية الاستراتيجية الإسرائيلية.
فمنطقة يتعايش فيها الإيرانيون والخليجيون بسلام تجعل منطقياً حجة إسرائيل الأساسية أمام واشنطن — أنها "القوة الضامنة للاستقرار" — أقل ضرورة. ومع كل تصعيد عسكري، سواء في لبنان أو سوريا أو غزة، تُعاد إيران إلى مقعد الاتهام، وتُجبر دول الخليج على الاصطفاف من جديد، ما يجعل أي تقارب معها مكلفاً سياسياً.
1.2 قوّة النفوذ الناعم في الخليج… الضحية الجانبية
استثمرت السعودية والإمارات وقطر خلال السنوات الأخيرة في القوة الناعمة: الدبلوماسية الرياضية، الاستثمار الثقافي، الوساطات الدولية، واستضافة القمم. وقد قدّم ذلك لهذه الدول أوراق نفوذ عالمية كبيرة.
غير أنّ الاضطراب الإقليمي يقوّض هذا البناء، ويعيد هذه الدول إلى مربع الحسابات الأمنية الداخلية والخارجية، ويضعها أمام رأي عام عربي يزداد رفضاً لأي تقارب مع إسرائيل. وهنا، تستفيد تل أبيب من حالة الفوضى لتعطيل صعود القوى الدبلوماسية الخليجية.
1.3 الرِّيع الأمني لإسرائيل يتعزز
بُني جزء كبير من علاقة إسرائيل بواشنطن على أساس كونها "الحارس الموثوق" للمصالح الأميركية. ويمنحها هذا الموقع مساعدات عسكرية وتكنولوجية ضخمة ودعماً دبلوماسياً تلقائياً.
والبرنامج النووي الإيراني هو الأداة المثالية لترسيخ هذا الدور. فكلما تعاظم الإحساس بالخطر، ازدادت أهمية إسرائيل في نظر الولايات المتحدة. أما التطبيع الإيراني–الخليجي فكان من شأنه دفع واشنطن لإعادة تقييم جدوى هذا الدعم غير المشروط — وهو ما يمنعه استمرار التصعيد.
ثانياً: الولايات المتحدة — الحضور عبر الوكيل الإقليمي
2.1 إسرائيل كوكيل حصري للمصالح الأميركية
تعلّمت واشنطن من تجربتي العراق وأفغانستان كلفة الانخراط العسكري المباشر. وهنا تظهر إسرائيل كحليف يحمل العبء الأمني بدلاً عنها: مواجهة إيران، مراقبة طرق الطاقة، ومحاربة الجهات المسلحة غير التابعة للدول.
وبذلك تعرض نفسها باعتبارها الذراع التنفيذية الوحيدة للاستراتيجية الأميركية في المنطقة، وهو ما يمنحها قدرة تفاوضية عالية مع الإدارات الأميركية المتعاقبة.
2.2 إدارة ترامب وعودة منطق القوة العارية
تجسّد الإدارة الأميركية الحالية، بقيادة ترامب في ولايته الثانية، عودة صريحة لمنطق القوة العارية: تجاهل المؤسسات الدولية، تهديدات تجارية، تصريحات متعالية حول قضايا سيادية مثل غرينلاند… في هذا المناخ، تحصل إسرائيل على شيك دبلوماسي مفتوح من واشنطن، دون أي التزامات مقابلة.
ثالثاً: الغرب وأزمة القانون الدولي
3.1 التطبيق الانتقائي للقانون الدولي
يدافع الغرب بشراسة عن مبادئ السيادة في أوكرانيا، لكنه يتجاهل تماماً هذه المبادئ في فلسطين. وتتحول قرارات الأمم المتحدة وآراء محكمة العدل الدولية إلى مجرد أوراق لا قيمة لها أمام الفيتو الأميركي.
3.2 تداعيات نظام عالمي متشظي
هذه الازدواجية تغذي خطاب الصين وروسيا وإيران، وتعمق فقدان الثقة في المؤسسات الدولية داخل "الجنوب العالمي". الأخطر أنها تمهّد لعودة منطق الغلبة: إن كانت القوى الكبرى تنتهك القواعد، فلماذا يلتزم بها الضعفاء؟
رابعاً: الانتشار النووي — النتيجة المفارِقة للفوضى
4.1 السلاح النووي كضمانة للسيادة
تعلّمت دول كثيرة درساً قاسياً: من يتخلى عن السلاح النووي يصبح عرضة للغزو (العراق، ليبيا)، بينما من يمتلكه يضمن بقاءه (كوريا الشمالية). الرسالة التي ترسلها سياسة الضغط القصوى على إيران هي: الطريق الوحيد لردع واشنطن وتل أبيب هو الحصول على القنبلة.
4.2 عودة توازن الرعب
تخلّى العالم بعد الحرب الباردة عن فكرة الردع النووي الشامل، لكن السياسات الأميركية الحالية — دعم الردع الإسرائيلي، الانسحاب من الاتفاقات، ومعاقبة الالتزام الإيراني — تعيد منطق توازن الرعب بقوة. وقد ألمحت السعودية صراحة إلى احتمال دخول السباق النووي إذا تجاوزت إيران العتبة.
الخلاصة: نحو نظام عالمي جديد… قوامه الفوضى؟
ليست الحرب في الشرق الأدنى صراعاً أبدياً بين شعوب متناحرة كما يُروَّج، بل هي نتاج منظومة مصالح يستفيد فيها بعض اللاعبين من اللااستقرار أكثر من السلام.
- إسرائيل تعزز ريعها الأمني وتُجهض أي تطبيع يهدد تفوقها.
- الولايات المتحدة تحافظ على نفوذها بتكلفة بشرية شبه معدومة.
- الغرب يضعف النظام الدولي عبر انتقائية قانونية خطيرة.
- ونتيجة هذا كله: انتشار نووي متسارع يعيد العالم إلى منطق الردع النووي القديم.
يبقى مصير المنطقة — وربما الاستقرار العالمي — رهينة قدرة القوى الكبرى على تجاوز حساباتها القصيرة الأمد وإعادة بناء نظام دولي قائم على قواعد عادلة وغير انتقائية. لكن لا شيء في المعطيات الحالية يوحي بقرب هذا الوعي الجماعي.
بــلـــڨـــاســم مربـــاح
تعليقات
إرسال تعليق